ما يميز إمارة الفجيرة عن غيرها من الإمارات قدرتها على خلق التواصل بين الإنسان والمكان والزمان، فالذي يأتيها لزيارة قصيرة يمكث فيها يوماً جميلاً ويغادرها راغباً في البقاء والذي يعيش فيها أياما يقضي نهاره في استكشاف روعتها وليلاً متأملاً سماءها الحنونة وجمال جبالها الشاهقة وبهاء أشجارها الذي أكسبها وصفا ملاصقاً لم تغيره الأحداث ولم تزده الأيام إلا جمالاً عشقته العيون .
على بعد 50 كيلومتراً تقريباً إلى الشمال من مدينة الفجيرة تقع قرية شرم على الشريط الساحل البحري الممتد على طريق دبا وخورفكان، وهي من القرى التابعة لمدينة دبا الفجيرة إدارياً، وتتميز بمزارعها الوافرة وبشواطئها الهادئة في منازلها القديمة التي يقترب عمرها من 150 عاماً والتي تحتفظ بين جدرانها بروائح الزمن الجميل لحياة الأهالي الأولين .
الخليج زارت قرية شرم وجلست مع الأجداد والأحفاد لتعرف منهم التاريخ والذكريات والعلاقات وحكايات الصيد وركوب أعالي البحار .
البداية من عند أحمد خلفان الحمودي الذي بدأ حديثه قائلاً: شرم منطقة صغيرة تتميز بإطلالة مباشرة على خليج عمان الذي اكسب شواطئها صفات طبيعية وسياحية فريدة جعلتها من أجمل الأماكن لراغبي الهدوء .
ولقد حظيت كغيرها من المناطق باهتمام الدولة منذ إعلان الاتحاد حيث أُنشئت المساكن العصرية الحديثة وتوافرت خدمات التعليم والكهرباء والمياه وشبكات الطرق والاتصالات، وبذلك أصبحت المنطقة حديثة ومجهزة بكل الخدمات فضلاً عن مكانتها السياحية الكبيرة التي أصبحت يوماً بعد يوم تتبوأها على خريطة السياحة العالمية، نظراً لشواطئها الرملية الناعمة ولوجودها بالقرب من الفنادق والمنتجعات السياحية بمنطقة العقة التي تعد من أهم المنتجعات الرائعة التي تستقطب سنوياً مئات آلاف من السائحين من مختلف أرجاء العالم .
بينما راح الحاج علي محمد علي غريب (68 عاماً) يتحدث إلينا حديث الذكريات عندما قال: لقد كانت معيشتنا في الماضي تقوم في الأساس على زراعة أشجار النخيل والليمون والمانغو وزراعة حبوب البر وأعمال الصيد وركوب البحر، حيث كنا نأكل من خيراتها ونكسب الرزق منها كبقية سكان المناطق المجاورة لنا، وكان البعض يقومون بتربية الأغنام والأبقار وآخرون يعملون بالتجارة والمقايضة مع التجار الذين كانت قواربهم ترسو على الساحل البحري لمنطقة خورفكان ومنطقة العقة، وتكون مقبلة من منطقة بندر عباس محملة باحتياجات الأهالي من زيوت ودقيق وعيش وقهوة وبهارات وأقمشة وغيرها .
أما الحاج علي أحمد السعدي (75 عاماً) فيقول: في الماضي عايشنا ظروفاً قاسية قبل الاتحاد، إذ كنا نعتمد بشكل أساسي على مهنتي الصيد والزراعة بوصفهما من أهم مصادر الرزق لأبناء المنطقة، وكنا نزرع أشجار النخيل والليمون والمانغو وحبوب الشعير والبر والذرة في المناطق الجبلية المحيطة بمنطقة شرم ومنطقة العقة .
وأضاف السعدي: في الماضي عشنا في منازل شتوية بدائية على شواطئ منطقة شرم ورثناها عن السابقين والتي مازال البعض منها موجوداً حتى وقتنا الحالي ويتجاوز عمرها150 عاماً وهي منازل مبنية من الحجارة السوداء والطين المطعم بالحصى وأغصان أشجار النخيل، أما المنازل الشتوية التي كانت موجودة في المزارع فهي مبنية من سعف وجريد النخيل، وفي هذه المنازل تشربنا القيم والعادات والتقاليد العربية الأصيلة وكنا نعيش في هذه البيوت من دون كهرباء ومن دون خدمات حديثة على عكس اليوم . كما كان الطعام يقتصر على الخبز والتمر ومنتجات البحر، وهكذا عشنا في الماضي ظروفاً صعبة وقاسية إلى أن انتقلنا عام 1976 إلى حياة جديدة وعشنا في بيوت شعبية حديثة بناها لنا المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، ثم انتقل جميع أهالي شرم إلى العيش بهذه البيوت المجهزة بالخدمات كافة، كما تطورت المنطقة من كل النواحي، حيث عبدت الطرق الداخلية والخارجية للمنطقة ووصلت الكهرباء والاتصالات إلى كل بيت .
وعن الماضي يقول حميد عبدالله الحمودي: في الماضي، لم نكن نعرف نحن، ولا نساؤنا، الملابس الموجودة الآن، إذ كان زي الرجال يقتصر على الإزار فقط، في حين كان لباس المرأة من الأقمشة البيضاء الخفيفة، مما جعل النساء يلجأن إلى استعمال أوراق شجر البذام واللوز لصبغها باللون القائم قبل ارتدائها . ويشير إلى أن مهور الزواج في الماضي كانت ميسرة، فكان مهر العروس لا يتعدى خمس عشرة روبية، حسب العملة المتداولة وقتها، من دون تقديم مصوغات ذهبية . وأضاف الحمودي: كنا في الماضي نعاني من مشقة الوصول إلى المناطق المجاورة نظراً لوجود الجبال الشاهقة الارتفاع، حيث لم تكن هناك طرق ممهدة ووسائل التنقل اقتصرت على البعير والحمير، لذلك كانت تنقلاتنا تستغرق في كثير من الأحيان أياماً وليالي، ولاسيما في رحلاتنا التجارية إلى الشارقة ورأس الخيمة ودبي .
الحاج أحمد محمد الزيودي يؤكد أن بساطة حياة الماضي لم تخل من البركة وقوة الصلات الاجتماعية القائمة على العادات والتقاليد العربية والاحترام والتعاون ويقول: لم يكن لأي فرد من الأسرة أن يتناول الطعام إلا بوجود الأب أو رب الأسرة وجميع أفرادها، والحياة كانت تسير بالتكافل بين جميع الأهالي واحترام الصغير للكبير، ويشير الزيودي إلى استمرار هذه العادات والتقاليد بين الأهالي، وحرصهم على تعزيزها في نفوس الأجيال الجديدة .
ويقول عبيد علي عبيد وهو راعي بحر قديم: كنت أخرج في الماضي مع محترفي الغوص للبحث عن اللؤلؤ، حيث كنا نعد للرحلة قبل شهر، وكنا نقترض أموالاً من صاحب محمل الغوص لتأمين احتياجات الأهل في غيابنا من مأكل ومشرب وغير ذلك، وليلة الخروج للبحر كنا نجلس للتشاور في أمور الرحلة من البداية إلى النهاية، ثم نتفرق، وعند صلاة الفجر نصلي جماعة ونتوجه مباشرة إلى الشاطئ، حيث محمل الغوص، وتبدأ الرحلة في عرض البحر وصولاً إلى المنطقة المحدودة للغوص والتي كانت غالباً بالقرب من مسقط في سلطنة عمان أو الحديدة باليمن، ويشير إلى أن النوخذة هو الذي كان ينظم فريق الغوص، إذ يرتدي كل غواص شمشول يغطي وسطه حتى ركبتيه ويضع على أنفه النظام وهي أداة لمنع دخول المياه إلى الرئتين، وكان يمسك حبلاً رفعياً بأسفله، ويربط بقدمه حجراً ثقيلاً لمساعدته على النزول إلى القاع ثم يقف على حافة المحمل (المركب) ويكبّر الله أكثر من مرة، ثم يرمي بنفسه إلى الماء . ويلفت إلى أن مساعده الواقف على ظهر المركب (السيب) يكون ممسكاً بالحبل وبينهما إشارات متبادلة لحين الخروج من المياه، إما للتنفس أو إعلان بانتهاء عملية الغوص والاكتفاء بما جمع من محار . ويضيف: عند الغروب، يجتمع الغواصون على ظهر المركب وبيد كل واحد منهم سكين صغير لفتح المحار وبجوارهم قطعة من القماش يضعون فيها ما يجدونه من حبات اللؤلؤ، وبعد ذلك يرفعها النوخذة ويحزمها تمهيداً لعرضها على التجار .
محمد الحدوري (65 عاماً) يقول: إن الزراعة في شرم قديماً كانت من المهن الرئيسة والتي تجني عائداً كبيراً يكفي المزارعين طوال العام، وأهم تلك المحاصيل شرم منذ عام 1930 إلى 1975 كانت التمور بكل أشكالها وأنواعها إضافة إلى المانغو الهامبا الهندية والمحلية الإماراتية وغيرها من المحاصيل التي نصدرها إلى المناطق الأخرى .
وعن الحالة الاجتماعية قديماً يقول غريب: هناك فرق كبير بين الحياة في الماضي والحاضر، فالآن مثلاً يتجه الأهالي إلى العمل في المؤسسات والدوائر الحكومية التي أسست بمختلف مناطق ومدن إمارة الفجيرة والتي وفرت مهناً لعدد لا بأس به، بعد أن كان التركيز في السابق على العمل بالمهن التقليدية القديمة .
ويقول طلال محمد الخديم: إنه يمكن تقسيم أهالي شرم قديماً إلى ثلاثة أقسام منهم البحارة والمزارعون والبعض منهم رعاة أغنام إضافة إلى العاملين في مهنة الغوص لصيد اللؤلؤ، وكان بعض التجار يأتون إلينا لشرائه حيث كان إنتاجنا منه وفيراً نظراً لكثرة محترفي الغوص وصيد اللؤلؤ في شرم، وكما كان تجار دبي يأتون إلينا على حمير ومعهم الطواشون وهم الذين يقومون بنقل اللؤلؤ إلى التجار في دبي، حيث كان الطريق حينذاك شاقاً ووعراً ولم تكن الطرق الرئيسة المعهودة إلينا مرصوفة .
أما سلطان الحمودي فيؤكد أن منطقة شرم والمناطق المجاورة لها قد شهدت نقلة نوعية كبيرة في كل الخدمات، وأصبحت منطقة حيوية بعد الاتحاد مع بناء المساكن المتطورة والمجهزة بكل الخدمات من طرق ومواصلات وكهرباء ومياه .
بينما أشاد مبارك عبدالله مبارك: بتغير نمط الحياة إلى التحضر بفضل ثمار الاتحاد . وأضاف أن شرم رغم التطور الكبير الذي شهدته لاتزال محتفظة بخصائص ومآثر جميلة وهدوء للنفس البشرية، حيث إنها منطقة ذات جمال وطبيعة خلابة .