يقول الزركلي في كتابه «الأعلام»: «القاضي شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي، أبو أمية: من أشهر القضاة الفقهاء في صدر الإسلام.. أصله من اليمن..وكان ثقة في الحديث، مأمونا في القضاء، له باع في الأدب والشعر».
وهناك قصة وراء تولي شريح القضاء حكاها ابن كثير في «البداية والنهاية» قال: «روى جرير عن الشيباني عن الشعبي قال: اشترى عمر فرساً من رجل على أن ينظر إليه فأخذ الفرس فسار به فعطب فقال لصاحب الفرس: خذ فرسك، فقال: لا، قال: فاجعل بيني وبينك حكماً، قال: الرجل نعم شريح، قال عمر: ومن شريح؟ قال: شريح العراقي، قال: فانطلقا إليه، فقصا عليه القصة، فقال: يا أمير المؤمنين رد كما أخذت أو خذ بما ابتعته، فقال عمر: وهل القضاء إلا هذا؟ سر إلى الكوفة فقد وليتك قضاءها».
ورغم ما كان عليه من فطنة وورع إلا أن كتب عمر إلى شريح أسدت إليه النصيحة ووضعت له الخطوط العريضة لكيفية القضاء فقال له: «اقض بما في كتاب الله فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإن لم يكن في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاقض بما قضى به الصالحون».
علي واليهودي
وفي عهد على بن أبي طالب رضي الله عنه يقف شريح؛ ليحكم في قضية طرفاها أمير المؤمنين ورجل ذمي والقصة كما يرويها الباحث في السنة علي بن نايف الشحود في كتابه «الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل» أن علياً بن أبي طالب افتقد درعاً له كانت أثيرة عنده ثم ما لبث أن وجدها في يد رجل يهودي يبيعها في سوق الكوفة، فلما رآها عرفها وقال: هذه درعي سقطت عن جمل لي في ليلة كذا وفي مكان كذا، فقال: الذمي: بل هذه درعي وفي يدي يا أمير المؤمنين وبيني وبينك قاضي المسلمين فقال علي: أنصفت فهلم إليه، فلما صارا عند شريح القاضي في مجلس القضاء قال شريح لعلي رضي الله عنه: لا ريب أي لا شك عندي في أنك صادق فيما تقوله يا أمير المؤمنين ولكن لابد لك من شاهدين فقال على: نعم مولاي قنبر وولدي الحسن يشهدان لي فقال شريح: ولكن شهادة الابن لأبيه لا تجوز فقال علي يا سبحان الله رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟ أما سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة؟ فقال شريح بلى يا أمير المؤمنين غير أني لا أجيز شهادة الولد لوالده، عند ذلك التفت علي إلى الذمي وقال: خذها فليس عندي شاهد غيرهما، فقال الذمي: ولكني أشهد بأن الدرع درعك يا أمير المؤمنين ثم أردف قائلاً: يا لله أمير المؤمنين يقاضيني أمام قاضيه وقاضيه يقضي لي عليه، أشهد أن الدين الذي يأمر بهذا لحق وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
«أقضى العرب»
وجاء في «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء» لأبي نعيم الأصبهاني عن أبي إسحاق عن هبيرة أنه سمع علياً -رضي الله تعالى عنه- يقول: يا أيها الناس يأتيني فقهاؤكم يسألوني وأسألهم، فلما كان من الغد غدونا إليه حتى امتلأت الرحبة فجعل يسألهم: ما كذا ما كذا ويسألونه: يا أمير المؤمنين ما كذا؟ فيخبرهم حتى ارتفع النهار وتصدعوا غير شريح جثا على ركبتيه لا يسأله عن شيء إلا قال: كذا وكذا ولا يسأله شريح عن شيء إلا أخبره به فسمعت عليا يقول قم يا شريح فأنت أقضى العرب.. وروى ابن كثير في «البداية والنهاية» عن أجلح عن رجل قال: بينا أنا قاعد عند شريح إذ جاءته جدة صبي وأمه يختصمان فيه كل واحدة تقول: أنا أحق به، فقالت الجدة: أبا أمية أتيناك وأنت المستعان به.. أتاك جدة ابن وأم وكلتانا تفديه.. فلو كنت تأيمت لما نازعتك فيه.. تزوجت فهاتيه ولا يذهب بك القيه.. ألا أيها القاضي فهذه قصتي فيه.. قالت الأم: ألا أيها القاضي قد قالت لك الجدة قولا فاستمع مني ولا تطردني رده.. تعزى النفس عن ابني وكبدي حملت كبده، فلما صار في حجري يتيماً مفرداً وحده تزوجت رجاء الخير من يكفيني فقده ومن يظهر لي الود ومن يحسن لي رفده.. فقال شريح: «قد سمع القاضي ما قلتما ثم قضى، وعلى القاضي جهد إن غفل»، وقال للجدة: «بيني بالصبي، وخذي ابنك من ذات العلل، إنها لو صبرت كان لها قبل دعوى ما تبتغيه للبدل» فقضى به للجدة.
وأخبر المسعودي عن أبي حصين فقال: سئل شريح عن شاة تأكل الذباب، فقال: علف مجان ولبن طيب.
ورع شريح
ومما يدل على ورع شريح ما ذكره صاحب كتاب «الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل» أن ابن شريح القاضي قال له يوماً: يا أبت إن بيني وبين قوم خصومة فانظر فيها فإن كان الحق لي قاضيتهم وإن كان لهم صالحتهم ثم قص عليه قصته، فقال له شريح انطلق فقاضهم فمضى إلى خصومه ودعاهم إلى المقاضاة فاستجابوا له، ولما مثلوا بين يدي شريح قضى لهم على ولده، فلما رجع شريح وابنه إلى البيت قال الولد لأبيه: فضحتني يا أبت، والله لو لم أستشرك من قبل لما لمتك فقال شريح: يا بنى والله لأنت أحب إلي من ملء الأرض من أمثالهم ولكن الله -عز وجل- أعز علي منك، لقد خشيت أن أخبرك بأن الحق لهم فتصالحهم صلحا يفوت عليهم بعض حقهم فقلت لك ما قلت. وقد كفل ولد لشريح رجلاً فقبل كفالته فما كان من الرجل إلا أن فر هارباً من يد القضاء فسجن شريح ولده بالرجل الفار وكان ينقل له طعامه بيده كل يوم إلى السجن.. فرحم الله شريحاً، وأسكنه فسيح جناته.