‬علم من أعلام القضاء وسادتهم.. تولى قضاء الكوفة في‮ ‬عهد الخلفاء الراشدين عمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم- و استعفى في‮ ‬أيام الحجاج،‮ ‬فأعفاه، ولأنه عمّر طويلاً فقد عرضت عليه كثير من القضايا،‮ ‬التي‮ ‬كان قضاؤه فيها‮ ‬ينم عن علم‮ ‬غزير وفهم عميق،‮ ‬وقد حفلت كتب الفقه والعلم والرقائق بفتاويه إنه القاضي‮ ‬العالم الفقيه شريح بن الحارث‮. ‬
‮ ‬يقول الزركلي‮ ‬في‮ ‬كتابه‮ «‬الأعلام‮»: «القاضي‮ ‬شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي،‮ ‬أبو أمية‮: ‬من أشهر القضاة الفقهاء في‮ ‬صدر الإسلام‮.. ‬أصله من اليمن‮..‬وكان ثقة في‮ ‬الحديث،‮ ‬مأمونا في‮ ‬القضاء،‮ ‬له باع في‮ ‬الأدب والشعر»‮. ‬
‮ ‬وهناك قصة وراء تولي شريح القضاء حكاها ابن كثير في‮ «‬البداية والنهاية‮» ‬قال‮: ‬«روى جرير عن الشيباني عن الشعبي قال: اشترى عمر فرساً من رجل على أن‮ ‬ينظر إليه فأخذ الفرس فسار به فعطب فقال لصاحب الفرس: خذ فرسك، فقال: لا، قال: فاجعل بيني وبينك حكماً، قال: الرجل نعم شريح، ‬قال عمر: ومن شريح؟ قال: شريح العراقي، قال: فانطلقا إليه،‮ ‬فقصا عليه القصة،‮ ‬فقال:‮ ‬يا أمير المؤمنين رد كما أخذت أو خذ بما ابتعته، فقال عمر: وهل القضاء إلا هذا؟ سر إلى الكوفة فقد وليتك قضاءها‮».‬
‮ ‬ورغم ما كان عليه من فطنة وورع إلا أن كتب عمر إلى شريح أسدت إليه النصيحة ووضعت له الخطوط العريضة لكيفية القضاء فقال له‮: «‬اقض بما في‮ ‬كتاب الله فإن لم‮ ‬يكن في‮ ‬كتاب الله فبسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإن لم‮ ‬يكن في‮ ‬سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاقض بما قضى به الصالحون‮».‬

علي واليهودي

‮ ‬وفي‮ ‬عهد على بن أبي‮ ‬طالب‮ رضي الله عنه ‬يقف شريح؛ ليحكم في‮ ‬قضية طرفاها أمير المؤمنين ورجل ذمي‮ ‬والقصة‮ ‬كما يرويها الباحث في‮ ‬السنة علي‮ ‬بن نايف الشحود في‮ ‬كتابه‮ «‬الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي‮ ‬وآمال المستقبل» أن علياً ‬بن أبي طالب افتقد درعاً له كانت أثيرة عنده ثم ما لبث أن وجدها في‮ ‬يد رجل‮ ‬يهودي‮ ‬يبيعها في‮ ‬سوق الكوفة،‮ ‬فلما رآها عرفها وقال‮: ‬هذه درعي‮ ‬سقطت عن جمل لي‮ ‬في‮ ‬ليلة كذا وفي‮ ‬مكان كذا،‮ ‬فقال: الذمي‮: ‬بل هذه درعي‮ ‬وفي‮ ‬يدي‮ ‬يا أمير المؤمنين وبيني‮ ‬وبينك قاضي المسلمين فقال علي: أنصفت فهلم إليه،‮ ‬فلما صارا عند شريح القاضي‮ ‬في‮ ‬مجلس القضاء قال شريح لعلي رضي‮ ‬الله عنه‮: ‬لا ريب أي‮ ‬لا شك عندي‮ ‬في‮ ‬أنك صادق فيما تقوله‮ ‬يا أمير المؤمنين ولكن لابد لك من شاهدين فقال على: نعم مولاي‮ ‬قنبر وولدي‮ ‬الحسن‮ ‬يشهدان لي‮ ‬فقال شريح: ولكن شهادة الابن لأبيه لا تجوز فقال علي‮ ‬يا سبحان الله رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟ أما سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‮ ‬يقول: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة‮؟ ‬فقال شريح بلى‮ ‬يا أمير المؤمنين‮ ‬غير أني لا أجيز شهادة الولد لوالده،‮ ‬عند ذلك التفت علي إلى الذمي‮ ‬وقال: خذها فليس عندي‮ ‬شاهد‮ ‬غيرهما،‮ ‬فقال الذمي:‮ ‬ولكني أشهد بأن الدرع درعك‮ ‬يا أمير المؤمنين ثم أردف قائلا‮ً: ‬يا لله أمير المؤمنين‮ ‬يقاضيني‮ ‬أمام قاضيه وقاضيه‮ ‬يقضي لي‮ ‬عليه،‮ ‬أشهد أن الدين الذي ‬يأمر بهذا لحق وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله‮.‬

«أقضى العرب»

‮ ‬وجاء في‮ «‬حلية الأولياء وطبقات الأصفياء» لأبي‮ ‬نعيم الأصبهاني‮ ‬عن أبي‮ ‬إسحاق عن هبيرة أنه سمع علياً -رضي‮ ‬الله تعالى عنه-‮ ‬يقول‮: ‬يا أيها الناس‮ ‬يأتيني‮ ‬فقهاؤكم‮ ‬يسألوني‮ ‬وأسألهم، فلما كان من الغد‮ ‬غدونا إليه حتى امتلأت الرحبة فجعل‮ ‬يسألهم: ما كذا ما كذا ويسألونه‮: ‬يا أمير المؤمنين ما كذا؟ فيخبرهم حتى ارتفع النهار وتصدعوا‮ ‬غير شريح جثا على ركبتيه لا‮ ‬يسأله عن شيء إلا قال: كذا وكذا ولا‮ ‬يسأله شريح عن شيء إلا أخبره به فسمعت عليا‮ ‬يقول قم‮ ‬يا شريح فأنت أقضى العرب‮.. ‬وروى ابن كثير في‮ «‬البداية والنهاية‮» ‬عن أجلح عن رجل قال: بينا أنا قاعد عند شريح إذ جاءته جدة صبي‮ ‬وأمه‮ ‬يختصمان فيه كل واحدة تقول: أنا أحق به، فقالت الجدة: أبا أمية أتيناك وأنت المستعان به‮.. ‬أتاك جدة ابن وأم وكلتانا تفديه‮..‬ فلو كنت تأيمت لما نازعتك ‬فيه‮.. ‬تزوجت فهاتيه ولا‮ ‬يذهب بك القيه‮.. ‬ألا أيها القاضي‮ ‬فهذه قصتي‮ ‬فيه‮.. ‬قالت الأم‮: ألا أيها القاضي‮ ‬قد قالت لك الجدة قولا فاستمع مني ولا تطردني رده‮.. ‬تعزى النفس عن ابني وكبدي‮ ‬حملت كبده،‮ ‬فلما صار في‮ ‬حجري ‬يتيماً مفرداً وحده تزوجت رجاء الخير من‮ ‬يكفيني فقده ومن‮ ‬يظهر لي‮ ‬الود ومن‮ ‬يحسن لي‮ ‬رفده‮.. ‬فقال شريح: «قد سمع القاضي‮ ‬ما قلتما ثم قضى‮، وعلى القاضي‮ ‬جهد إن‮ ‬غفل»،‮ و‬قال للجدة: «بيني‮ ‬بالصبي،‮ ‬وخذي‮ ‬ابنك من ذات العلل‮‬، إنها لو صبرت كان لها قبل دعوى ما تبتغيه للبدل» فقضى به للجدة‮.‬
‮ ‬وأخبر المسعودي‮ ‬عن أبي‮ ‬حصين فقال: سئل شريح عن شاة تأكل الذباب، فقال: علف مجان ولبن طيب‮. ‬

ورع شريح

‮ ‬ومما‮ ‬يدل على ورع شريح ما ذكره صاحب كتاب‮ «‬الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي‮ ‬وآمال المستقبل‮» ‬أن ابن شريح القاضي‮ ‬قال له‮ ‬يوما‮ً: ‬يا أبت إن بيني‮ ‬وبين قوم خصومة فانظر فيها فإن كان الحق لي‮ ‬قاضيتهم وإن كان لهم صالحتهم ثم قص عليه قصته،‮ ‬فقال له شريح انطلق فقاضهم فمضى إلى خصومه ودعاهم إلى المقاضاة فاستجابوا له،‮ ‬ولما مثلوا بين‮ ‬يدي‮ ‬شريح قضى لهم على ولده،‮ ‬فلما رجع شريح وابنه إلى البيت قال الولد لأبيه: فضحتني‮ ‬يا أبت،‮ ‬والله لو لم أستشرك من قبل لما لمتك فقال شريح‮: ‬يا بنى والله لأنت أحب إلي‮ ‬من ملء الأرض من أمثالهم ولكن الله -عز وجل- أعز علي‮ ‬منك،‮ ‬لقد خشيت أن أخبرك بأن الحق لهم فتصالحهم صلحا‮ ‬يفوت عليهم بعض حقهم فقلت لك ما قلت. وقد كفل ولد لشريح رجلاً فقبل كفالته فما كان من الرجل إلا أن فر هارباً من‮ ‬يد القضاء فسجن شريح ولده بالرجل الفار وكان‮ ‬ينقل له طعامه بيده كل‮ ‬يوم إلى السجن‮..‬ فرحم الله شريحاً، وأسكنه فسيح جناته.