الملك حمورابي الذي عاش بين (1750-1793 ق .م) صنع لشعبه ودولته نظاماً تشريعياً موحداً، كان خلاصة الشرائع التي سبقته حتى أضحى معيناً لشعوب وملوك عديدين، كالآشوريين والعبرانيين والحيثيين .
ويعد حمورابي من أعاظم ملوك العراق القديم، فقد انصرف في أولى سنوات حكمه إلى الإصلاحات الداخلية وترفيه حالة السكان المعيشية، وإقامة المشروعات، وذلك لكسب رضا الناس ومحبتهم، ثم انصرف إلى إصلاح الجهاز الإداري والقضاء على الرشوات ورفع المظالم وتثبيت الأسعار والاهتمام بحفر الترع وإقامة السدود وتقوية الجيش، وكل ذلك من أجل تثبيت العدل . إن شريعة حمورابي كما يبدو من موادها عبارة عن جمع منقح لمواد الشرائع التي سبقتها، إذ إن حمورابي قد حذف من مواد الشرائع السابقة ما لم يتفق وطبيعة العصر الذي يعيش فيه، وأضاف إلى شريعته مواداً اقتضتها مصلحة الدولة آنذاك، لا سيما القوانين الصارمة الخاصة بعقوبة الموت والقصاص بالمثل، لأن القوانين السومرية كانت تتجنب مبدأ القصاص وترجح التعويض والغرامة المادية .
سجل حمورابي هذه القوانين على مسلة كبيرة من حجر الديورانت الأسود، طولها 225 سم وقطرها 60 سم، وهي أسطوانية الشكل . وقد وجدت في مدينة سوسة عاصمة عيلام أثناء حفريات البعثة التنقيبية الفرنسية (1901-1902) وموجودة الآن في متحف اللوفر بباريس . رتبت مواد شريعة حمورابي في أربعة وأربعين حقلاً . وكتبت باللغة البابلية على غرار شريعة لبت عشتار، وبالخط المسماري . تحتوي المسلة على 282 مادة، ومن المرجح أنها كانت تزيد عن 300 مادة، وكان قد نقلها إلى مدينة سوسة الملك العيلامي شتروك ناخونتي الذي غزا بابل حوالي سنة 1161 قبل الميلاد وقد محا عدداً من الأسطر ليسجل مكانها على ما يبدو اسمه، ولكن اللعنات التي تحويها خاتمة الشريعة بخصوص من يغير في نصوصها قد منعت الملك المذكور على ما يرجح من تدوين اسمه .
وفي القسم الأعلى من المسلة نحت بارز يمثل الإله شماس إله الشمس جالساً على عرشه يسلم بيده اليمنى الملك حمورابي الواقف أمامه بخشوع أدوات القياس، ليتسنى له بواسطة القياسات الدقيقة إعمار البلاد وتثبيت الملكية .
بدأ حمورابي قوانينه بمقدمة على غرار مقدمات شريعتي ورنمو ولبت عشتار، ولكنها قد كتبت بكثير من التفصيل، إذ إنها قد ذكرت أعمال حمورابي في جميع المدن التي خضعت لسلطانه من الخليج العربي حتى أقصى الحدود الشمالية كما أنه قد أطرى في تمجيد آلهة هذه المدن وتعظيمها، إضافة إلى تأكيده البالغ على شرعية قوانينه، وإنها ما قننت إلا لتساعد على توطيد العدل، وإحقاق الحق، وهداية الحكام والولاة في تطبيق الأحكام على الناس .
وأخيراً ختم قوانينه بخاتمة طويلة كتبت بالأسلوب نفسه التي كتب بها المقدمة، وفيها يذكر جميع ما قام به من أعمال، وطلب من جميع آلهة البلاد إفناء كل من لا يعمل بهذه القوانين ومن يحاول طمسها وتخريبها أو إضافة اسمه عليها .
وقد صنفت قوانين حمورابي إلى اثني عشر قسماً:
القسم الأول: يحتوي على المواد من 1-،5 تتعلق بالقضاء والشهود .
والقسم الثاني: يحتوي على المواد من 6-،25 تتعلق بالسرقة والنهب .
والقسم الثالث: يحتوي على المواد من 26-،41 تتعلق بشؤون الجيش .
والقسم الرابع: يحتوي على المواد من 42-،100 تتعلق بشؤون الحقل والبساتين والبيت . والقسم الخامس: يحتوي على المواد من 100-107 تتعلق بمخازن البيع بالجملة، ودكاكين التجار والرهينة، والتعامل مع صغار التجار . والقسم السادس: يحتوي على المواد من 108-111 . والقسم السابع: يحتوي على المواد من 112-،126 تتعلق بالبيع . القسم الثامن: يحتوي على المواد من 127-195 تبحث في شؤون العائلة وحقوقها وعلاقات أفرادها فيما بينهم . والقسم التاسع: يحتوي على المواد من 196-226 تبحث عن عقوبات التعويض وغرامات نقض الاتفاقات والعقود والتعهدات . القسم العاشر: يحتوي على المواد من 228-240 تتعلق بالأسعار وتعيين أجور بناء البيوت والقوارب وأثمانها . والقسم الحادي عشر: يحتوي على المواد من 241-277 تتعلق بأجور الحيوانات والأشخاص . والقسم الثاني عشر: يحتوي على المواد من 278-282 تتعلق بتعيين حدود الرقيق وحقوقهم وواجباتهم .