حوار: محمد عمر

د. آمال محمد عبد الغني، أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة المنيا والمعارة لجامعة القصيم بالسعودية، لها إسهامات واضحة في تطوير المناهج الإسلامية خاصة في أقسام الدراسات الإسلامية والشريعة بكليتي التربية والآداب بعنيزة.. كما أنها أثرت المكتبة الإسلامية بالعديد من المؤلفات التي تتعلق بأحكام الجنايات والحدود في الفقه الإسلامي وبدراسات في علم المواريث وغيرها إلى جانب مشاركتها في الكثير من الندوات والدورات التي تبصر المجتمع الإسلامي بمشاكله وتعمل على حلها.

التقينا د. آمال وناقشنا معها بعض القضايا التي تشغل المسلمين في ظل التحديات التي تحيط بهم من كل جانب والهجمات الشرسة التي يتعرض لها الدين الحنيف وتالياً نص الحوار معها:

بصفتك أستاذة في الفقه المقارن.. هل أثر الفقه الإسلامي في دساتير الغرب؟

- بالتأكيد لأن الحضارة الغربية الحديثة استمدت من الحضارة العربية الإسلامية عوامل بقائها، ولقد أثر الفقه الإسلامي في القانون المدني وفي القانون الدستوري أيضا، فلقد كانت الأندلس منارة للعلم خاصة قرطبة التي كانت مركزاً فكرياً، ويستدل على ذلك من مكتباتها السبعين، بينما أوروبا كانت تعيش في حالة تخلف طوال القرون الوسطى.. فدخلت مبادئ الإسلام إلى أوروبا وحكم أهلها وطبق نظامه القانوني ووفد سكان أوروبا على الأندلس لتحصيل العلم.. كما أن الفكر الأوروبي تأثر بمنجزات الفكر الإسلامي في ميادين الأدب والتاريخ والعمارة والموسيقى والرياضيات والفلك والفلسفة وغيرها فهل يعقل أن تنتقل الحضارة العربية الإسلامية إلى الغرب الأوروبي في كل الميادين من دون أن تنتقل قواعد الفقه الإسلامي إلى ميدان القانون في أوروبا؟

أنصاف المتفيقهين

لك دراسة علمية بعنوان «منهجية الوسطية في الأحكام الفقهية».. فما صور هذه الوسطية وكيف يستفيد منها الناس؟

- البحث يهدف إلى إبراز وليس إثبات منهجية الوسطية لأن الوسطية موجودة وظاهرة للجميع وليست معدومة، ولكن مع غياب الوعي الفقهي في العصر الحديث ومع قيام أنصاف المتفيقهين نجد أن مفهوم الوسطية مختلف تماماً.. لذلك وضحت من خلال البحث مفهوم الوسطية عند الفقهاء القدامى وعند الفقهاء المعاصرين وحاولت عمل مقارنة بين الأحكام عند الاثنين، وخرجت من هذه المقارنة بأن الغلو والتشدد يكون من الأشخاص وليس من الدين ولا الأحكام الفقهية.. فالشريعة الإسلامية تشمل كل شؤون الحياة وتنظم جميع أمورها من العبادات والمعاملات، سواء كانت مالية أو جنائية إلى العلاقات الدولية، وجاءت الأحكام التي تنظم الحياة الاقتصادية وتحدد نظم التعامل في الأخذ والعطاء، فقد وضعت الشريعة القواعد التي تتضمن العدالة والخيرية والمساواة والتيسير ورفع الحرج مع التوسط والاعتدال في الأحكام الفقهية ،ويبرز ذلك جليا عند الفقهاء في كثير من نماذج الوسطية في البيوع والوقف والوصايا والميراث وفي الأحوال الشخصية والحدود والجنايات.

الوسطية في العبادات

هذا بالنسبة للمعاملات فكيف تكون الوسطية في العبادات؟

- منهج الوسطية في العبادة مبني على الاعتدال والتوازن بين الروحية والمادية، ومن أبرز ملامح الوسطية في التشريع التدرج والتيسير والتخفيف ورفع الحرج.. فمثلا في الطهارة شرع الله، سبحانه وتعالى، التيمم إذا عدم الماء أو تعذر استعماله لمرض أو برد وغيره فقال تعالى « فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ».. كذلك في الزكاة حيث إن منهجية الوسطية متعددة منها أن الفقهاء أجمعوا على أن العقارات والمستغلات والأراضي المستأجرة لا زكاة فيها إلا ما أعد للإيجار.. وفي الصوم نجد أنه عبادة بدنية واجبة تحتاج إلى التحمل والصبر، ومن محاسن الشريعة ومنهج الوسطية أن الله تعالى رخص لأهل الأعذار بالإفطار وأوجب عليهم القضاء عند زوال أعذارهم أو الفدية عند العجز عن الصيام وهم المرضى والمسافرون والمرأة الحامل والمرضع والشيخ الهرم ومن أجهده الجوع والعطش.. كذلك الحج الذي هو الركن الخامس من أركان الإسلام فهو عبادة بدنية ومالية وواجب في العمر مرة واحدة لمن استطاع قال تعالى «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» ولأنه فريضة يشق على الكثيرين أداؤها لعدم الاستطاعة البدنية أو المالية أو الأمنية فإننا نجد الوسطية والاعتدال والتيسير جلية وواضحة قال صلى الله عليه وسلم «افعل ولا حرج».. وغير ذلك مما يوضح أحكام التيسير والوسطية التي تتميز بها شريعتنا الغراء.

وكيف يمكن نشر الوسطية في المجتمعات الإسلامية؟

- أكدت من خلال دراساتي العلمية أن الإسلام دين الوسطية والاعتدال والخيرية والتوازن بين الروحية والمادية، وهو منهج الحق والعدل والإنصاف والرحمة، والوسطية سمة أساسية من سمات المنهج التشريعي ومنهج الفقهاء القدامى والمحدثين، والأمة الإسلامية أمة الوسط والاعتدال والعدل والقسط والخير والتيسير ورفع الحرج.. وملامح الوسطية جلية وبارزة في الأحكام الفقهية الخاصة بالعبادة لله تعالى، فلا غلو ولا تفريط، إلا أن القصور في نشر مفهوم الوسطية في الأحكام الفقهية جعل الكثيرين لا يعرفون سوى كلمتي الحلال والحرام وهذا تقصير منا، ولذلك أوصي بتخصيص هيئة علمية يكون دورها إبراز الوسطية في الأحكام ونشرها بعد تنقيتها وتشكيل مجموعة من العلماء تقوم بجمع الأحكام الفقهية التي ترتبط بالوسطية تحت مسمى «الموسوعة الوسطية في الأحكام الفقهية» وترجمتها ونشرها مع مراجعة المواقع الإلكترونية فهي كثيرة ومتعددة،ونحن نحتاج إلى موقع عالمي لنشر الوسطية الفقهية لا إلى مجرد مسميات للمواقع.

اتهامات ظالمة

يتهم أعداء الدين الشريعة الإسلامية بالجمود.. كيف تردين على هذه الاتهامات؟

- هذه اتهامات ظالمة يروجها أعداء الإسلام، فحاشى لله، أن يكون في أحكام الشريعة جمود مطلق، بل بالعكس حيث تتميز بالتجدد، ويجب أن يعلم الإنسان أن هناك أموراً ثابتة وأخرى متغيرة في الشريعة فالثابت هو العقيدة والنصوص القطعية التي لا تتغير كالصلاة والزكاة والحدود والمواريث وغيرها، لكن المتغير هو الأحكام الفقهية وسأضرب مثالاً بسيطاً هو التعامل مع بطاقات الائتمان فمن أين أتى الحكم الفقهي الخاص بإباحتها؟ من اجتهادات فقهاء معاصرين قالوا إن استخدام «الفيزا» مباح، فهل كان هذا الحكم موجوداً عند القدامى؟ وهذا أبسط دليل على التطور، وانظر إلى أحكام المعاملات المالية فهل كان في زمانهم البيع بالعلامة التجارية والشرط الجزائي؟ طبعاً لا، إذن الفقه متغير وهذه مرونة الشريعة وعظمتها، حيث تواكب كل زمان ومكان بل إنها تختلف باختلاف البيئات واختلاف الأزمان بدليل أن المسألة نفسها يتم الاتفاق على حكم فيها في مصر لا يتوافق مع من يعيش في السعودية مثلاً أو من يعيش في أمريكا.. فالجمود لا يكون في الشريعة بل في الفكر والتقليد، فنحن عشنا مرحلة كنا فيها مجرد مقلدين.. لكننا الآن نحمد الله على أن هناك مجامع فقهية وأناسا يقومون بتجديد الفكر.

انضباط الفتوى

مازالت فتاوى الفضائيات تقتحم البيوت ومعظمها تتناقض مع أحكام الشريعة الصحيحة نظراً لعدم تخصص قائليها.. فهل من حق كل فرد أن يفتي أم أن الفتوى لابد أن تقتصر على المختصين فقط؟

- الخلل الذي تعانيه المجتمعات الإسلامية الآن يرجع سببه الرئيسي إلى انتشار فوضى الفتاوى.. وهناك عاملان لو التزم بهما المفتي لانضبطت الفتوى وهما أن هناك مرجعية لكل الفتاوى وأن كل فقيه عليه أن يفتي بما يعلمه فقط، لأنه ليس لديه القدرة على أن يفتي في كل شيء حوله، وبالتالي إذا ضبط المفتي نفسه بهاتين الحالتين انضبطت الفتوى.. فمثلاً إذا كان فلان متخصصاً في الأمور المتعلقة بالعبادات فيجب عليه أن يفتي في العبادات فقط لا أن ينطلق من العبادات إلى السياسة وإلى المعاملات وإلى الأحوال الشخصية، ومن هنا تأتي الفوضى وتحدث الاختلافات بين الفقهاء لأن كلا منهم أخذ نصف الحكم الشرعي فقط وبالتالي حدثت تجزئة لهذا الحكم.

يعيش عدد من الدول العربية حالة من الاحتقان المذهبي.. فكيف يمكن التقريب بين المذاهب الإسلامية؟

الفقه أقصر الطرق للتقريب وليس العكس، لأن هناك أحكاما فقهية تناولها العلماء في مختلف المذاهب الإسلامية وكانت النتيجة واحدة لكن ما حدث أن الفقه اختلط بالسياسة في بعض البلدان فاختلط الأمر.

«موضة» العصر

التشكيك في ثوابت الدين أصبح «موضة» العصر.. فكيف يمكن الحفاظ على هذه الثوابت وتوضيح الصورة الحقيقية الصحيحة للدين الحنيف؟

- أولاً: يجب أن نؤكد أن الله تكفل بحفظ هذا الدين وخصص سبحانه وتعالى، له أناساً يحملون هم هذا الدين إلى أن تقوم الساعة.. ثانياً: نقول لهؤلاء المشككين إن ما يقومون به جدال لا طائل منه ومضيعة للوقت والجهد والعمل والأجر والثواب، ومن هنا أجد أن أفضل رد على هؤلاء هو إهمالهم لأنك كلما سلطت الضوء على القضية انتشرت، وكلما أهملتها خفتت.. ويكفي ما حدث مع عمر بن عبد العزيز،رضي الله عنه، في زمانه حينما أتاه قوم يريدون أن ينكروا ما ورد في الزكاة وغيرها فقال لهم: ارجعوا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وارجعوا إلى الكتاب وردوا عليّ.. وبالتالي أرجع الإنسان الذي يشكك إلى منطق العقل السليم فلا يجب أن تدخل معه في جدال ونقاش وأنت لا تعلم كل ما يدور في ذهنه، لأنك بذلك تفتح له الباب على مصراعيه وبالتالي تتعرض ثوابت الدين لتجاوز يبدأ من السنة ثم يعلو للكتاب، فالتطاول على الله سبحانه وتعالى.. وهذا يذكرني بالحسن البصري عندما أتى إليه تلميذ من تلاميذه وقال له: يا إمام إن أحداً من تلاميذك يجلس معك ليتصيد لك الأخطاء.. فقال: «يا هذا إني بحثت عن النار فوجدت لها سبيلاً وطريقاً لأبتعد عنها وعن الجنة فوجدت لها سبيلا وطريقا لأقترب منها وبحثت عن رضا الخلق فلم أجد له سبيلا ولا طريقا فكيف يرضون عني ولم يرضوا عن خالقهم ورازقهم». فلا يمكن أن يتفق الناس على شيء واحد فما دوري ودورك مع هؤلاء المشككين إلا أن أرجعهم إلى المنطق السليم والفطرة السليمة ثم أظهر لهم الثابت وأتركهم وشأنهم ولا أدخل معهم في جدل لن يفيد.

نهوض الأمة

ما السبيل للنهوض بالأمة الإسلامية من كبوتها؟

- السبيل الوحيد أمام المسلمين للنهوض هو الأخذ بأسباب الحضارة الغربية الحديثة، لأن الزمن لا يرحم والمسيرة الحضارية لا تنتظر أحدا وبخاصة أننا ما زلنا نعيش كأمة في سبات عميق نقتات من الماضي فنجد أنفسنا في غربة عن الواقع مع أن هذا الماضي هو أساس هذا الحاضر ولا عيب في أن نأخذ بهذه الحضارة، لأنها حضارتنا التي بنى الغرب على أساسها نهضته الحديثة وانطلق نحو آفاق جديدة.

هل حصلت المرأة المسلمة على حقوقها التي كفلها لها الإسلام؟

- ما من دين أنصف المرأة ورفع شأنها وأعطاها كل الحقوق كما فعل الدين الإسلامي، وهذه شهادة أقولها عن تدريس وخبرة تكاد تقترب من 20 عاماً.. لكن التقاليد هي التي ظلمت المرأة.. فالدين أعطاها حقها في الميراث وفي كل ما لا تتخيله حتى أنه أعطاها حقها في اسمها بحيث تدعى بهذا الاسم بدلاً من أن تدعى أم فلان، وهذا تكريم لها فالرسول صلى الله عليه وسلم كان ينادي عائشة، رضي الله عنها باسمها، والقرآن خصص سورة باسم امرأة هي السيدة مريم عليها السلام، ورغم ذلك هناك بعض المجتمعات لا تناديها باسمها.