العمر ليس قطاراً يمضي فحسب، حاملاً من في جوفه نحو المجهول والمقدر، بل هو أيضاً محطات ومشاهد وذكريات وتجارب، تحمل وجوه أحبة وخبرات تراكمت على مر السنين، فيما يدفع حنين جارف للماضي ولمن غادروا الحياة وطويت صفحاتهم في الأرض عربات هذا القطار إلى الأمام، لتعلق بالذاكرة، وتستقر في القلب والوجدان . هذه حال المهندس أحمد محمد الحمادي، مدير عام دائرة الأشغال والخدمات العامة في رأس الخيمة، وهو يرسم حياته بريشة محب ومشتاق لعهد البساطة والمحبة والوفاء .
يتشبث الحمادي بالقيم، التي نشأ عليها وغرفها من "البيت الأول"، في كنف والديه، رافعاً شعار (لا أتدخل في شؤون الآخرين)، من دون أن يعني ذلك تخليه عن واجباته وحسه وعمقه الاجتماعي، ومن دون أن يصمه ب"الانعزالية"، إذ هو، كما يقول، شديد التمسك بعلاقاته وحريص على تواصله في البعد العائلي ومحيط الأقارب، وبأصدقائه وزملاء العمل والدراسة السابقين والحاليين . ومعه كان هذا الحوار:
* هل تحن إلى طفولتك؟
- أكيد، أحن لكثير من زمن الطفولة والأيام الخوالي، كانت ألعاب الصغار مختلفة عن أيامنا، تقوم على الحركة والنشاط، وكانت أقرب الألعاب إلى قلبي كرة القدم، التي كنت أمارسها يومياً . من تلك الألعاب ما عرف ب"القبة"، وهي لعبة تشبه رياضة "البيسبول"، يخطط اللاعبون فيها دائرة، ويتحدد خارج الدائرة خط مركزي يقف عليه اللاعب الأول، حاملاً بإحدى يديه قطعة من الخشب، أشبه ب"المضرب"، يضرب بها قطعة أخرى من الخشب أصغر حجماً، في اتجاه اللاعب الخصم، الذي يقف في الجهة المقابلة، وعلى الأول أن يسعى لعدم تمكين خصمه من الإمساك بقطعة الخشب الصغيرة المقذوفة، التي تسمى "القبة"، فيما على الطرف الثاني الإمساك بها . ويكون الفائز من يصل ب"القبة" إلى أبعد مسافة .
من ألعاب الطفولة الأخرى في الإمارات في الزمن الماضي لعبة كانت تسمى "حليه تعال جليه"، يخطط فيها اللاعبون مستطيلاً، تجري وقائع اللعبة داخله، حيث يأتي أحد اللاعبين من خارج المستطيل، ساعياً إلى لمس أي لاعب من مجموعة اللاعبين المتواجدين داخل المستطيل، ليولي بعدها هارباً، بينما يسعى أفراد المجموعة لتجنبه . ومن تلك الألعاب أيضاً "التيل" المعروفة في الدول العربية الأخرى، وهي كرات بلورية صغيرة، يسددها اللاعبون صوب حفرة صغيرة .
حزم وحنان
في المنزل كان تعامل الوالدين يتسم بالحزم والحنان معاً، مع توجيهاتهما المستمرة نحو الخير، في حين كان العقاب على أيدي الوالدين حاضراً في حال أخطأنا، والأدوار في الشؤون الأسرية مقسمة من قبلهما علينا، كأشقاء، والدور المنوط بي كان توزيع المصروف المدرسي على أشقائي وشراء حاجات المنزل اليومية . ومن أهم ما حرص عليه الوالدان هو المحافظة على الصلاة، فيما لم يخل الأمر من تأخرنا عن الفريضة في بعض الحالات ونحن نلهو أو نلعب كرة القدم، رغم أن الملعب بجانب المسجد، وكان العقاب في انتظارنا في البيت، بجانب حرص الوالد والوالدة على انتظامنا في مركز مشروع الشيخ زايد لتحفيظ القرآن الكريم، وكان الوالد أيضاً يحرص على متابعتنا في المدرسة، ويذهب ويسأل المعلمين والإدارة عنا، ويشدد، كحال آبائنا في ذلك الزمن، على المعلمين، بأن يعاملونا كأبنائهم، "وإذا أخطأوا اضربوهم"، وهو ما تغير بين الآباء اليوم إلى حد كبير .
* ماذا عنك؟ إذا ضرب معلم أحد أبنائك اليوم، ماذا تفعل؟
- أسأل عن السبب والتفاصيل، لكني لست ضد مبدأ معاقبة ابني كطالب، والآباء سابقاً كانوا يقفون مع المعلم في كل الحالات، لأنهم كانوا يثقون بأن المعلمين لا يضربون إلا إذا أخطأ الطالب ولمصلحته، بهدف تربيته وتقويم سلوكه وتعزيز تحصيله العلمي .
* ما الذي عجزت عن تحقيقه من أحلام الطفولة؟
- كنت أصبو إلى أن أعمل في الحقل العسكري، الشرطي تحديداً، وبالفعل تقدمت 3 مرات للعمل في هذا المجال، وقبلت فيها جميعاً، لكن التخصص، الذي عينت فيه لم يكن يروق لي أو ينسجم مع طموحي، حيث كنت أتمنى أن أصبح مهندس مرور في السلك العسكري، بينما تمثلت الفرص، التي أتيحت لي عسكرياً، في أن أعمل في تخصصات المباني والإنشاءات والأشغال أو سواها من أعمال لا علاقة لها بالتخصص، الذي أبحث عنه، ما جعلني أبتعد عن العمل في القطاع العسكري عامة .
محطات على الطريق
* كيف بدأت الحياة العملية حتى بلغت منصبك الحالي؟
- بدأت حياتي العملية والمهنية في وظيفة مهندس طرق في أبريل ،1994 في وزارة الأشغال العامة والإسكان، بمقرها الرئيسي في دبي، كانت المهام الموكلة إلي تتمثل في التدريب على اختبار مدى صلاحية التربة والإسفلت، وتنفيذ الجولات الميدانية اليومية، والإشراف على تنفيذ مشاريع الطرق الداخلية وصيانتها .
وفي الخطوة الثانية، انتقلت إلى جامعة الإمارات في مدينة العين، حيث عملت مدرباً في قسم المختبرات ومشرفاً على التدريب العملي للطلبة في قسم الهندسة المدنية، وعينت (معيداً) في كلية الهندسة في سبتمبر من العام ،1995 وبقيت حتى الشهر ذاته من العام ،2000 وقمت في تلك الفترة بمهام مساعد مدرس لمادة "مقدمة في الهندسة والبناء والمقاولات" .
في محطة ثالثة، انتقلت للعمل في منصب مدير إدارة العقود والمشتريات بين ديسمبر 2005 وفبراير ،2006 ثم عينت مديراً لإدارة الموارد البشرية والشؤون الإدارية بين فبراير 2006 ويوليو ،2007 واعتباراً من يوليو 2007 إلى يونيو 2010 شغلت منصب مدير قطاع الخدمات المؤسسية في الشركة، وواصلت العمل في الشركة حتى يونيو ،2010 لأصبح الرجل الثاني في الشركة . وابتداء من يوليو 2010 شغلت منصب مدير الموارد البشرية والشؤون الإدارية بدائرة الشؤون المالية والإدارية في عجمان إلى أكتوبر 2011 .
وكانت بلدية رأس الخيمة المحطة التالية في حياتي العملية، حيث عملت فيها خبيراً فنياً، اعتباراً من نوفمبر 2011 حتى مايو من العام ،2012 كما كنت مستشاراً فنياً لمدير عام الدائرة، خلال تلك الفترة، لأنتقل في الأول من يونيو 2012 إلى موقعي الحالي، مديراً عاماً لدائرة الأشغال والخدمات العامة برأس الخيمة، وعينت لاحقاً من قبل صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم رأس الخيمة، عضواً في المجلس التنفيذي للإمارة .
تفوق دراسي
* هل تحدثنا عن رحلتك مع الدراسة؟
- مع بلوغي السابعة دخلت مدرسة موسى بن نصير في رأس الخيمة، التي كانت حينها تقع في مقر هيئة حكومة رأس الخيمة الإلكترونية السابق، وبعد عامين انتقلت إلى مدرسة القاسمية، التي لا تزال في موقعها حتى الآن، ثم انتقلت إلى مدرسة ابن زيدون الابتدائية القريبة من "القاسمية" . وبعد المرحلة الابتدائية، التحقت بمدرسة الصديق الإعدادية، والمرحلة الثانوية كانت في مدرسة رأس الخيمة الثانوية، بمقرها القديم، الذي هدم ويخضع للإحلال حالياً .
كنت دائماً، والحمد لله، من المتفوقين في المدرسة، وتحديداً ضمن الخمسة الأوائل في الفصل . وبعد الثانوية العامة انتظمت عاماً واحداً في جامعة الإمارات، تخصص هندسة مدنية، لأقرر التوجه إلى الولايات المتحدة، لاستكمال دراستي هناك، بدافع الرغبة والطموح، وهناك أكملت "البكالوريوس" في جامعة "أريزونا" على نفقة الدولة، في التخصص ذاته .
بعد التخرج في الولايات المتحدة عدت إلى الدولة، حيث عملت في وظيفة مهندس طرق مبتدىء في وزارة الأشغال العامة مدة عام ونصف العام، ثم التحقت مجدداً بجامعة الإمارات كمعيد أي مساعد مدرس، لأقرر لاحقاً استكمال "الماجستير" في الولايات المتحدة ، حيث وقع الاختيار على جامعة "أيوا"، ضمن تخصص هندسة إدارة المشاريع، لأتخرج حاملاً الماجستير بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف العام 1998 .
وبفضل الله، سبحانه وتعالى، حصدت خلال مشواري الدراسي، شهادات تفوق وتميز، منها إدراجي ضمن قائمة الشرف لكلية الهندسة في جامعة أيوا وشهادة التفوق من سفارة الإمارات في واشنطن (ديسمبر 1997)، وإدراجي في قائمة الشرف لكلية الهندسة بجامعة أريزونا في ديسمبر 1989 .
قطار العمر
* هل تشعر بأن قطار العمر يمضي بسرعة بعد الأربعين؟
- الكل يشعر بذلك، لأن الزمن تغير، لكن هذا الشعور لا علاقة له بهذه المرحلة من العمر أو سواها، التطور التكنولوجي وتقنيات الاتصال المتقدمة وضغوط الحياة والعمل هي إجمالاً المسؤولة، برأيي، عن هذا الشعور . سابقاً كان الموظف غالباً يعمل من ساعات الصباح الأولى حتى الظهر، ثم يتفرغ للراحة وشؤون أسرته ومنزله والأصدقاء وممارسة حياته الطبيعية . أما الآن، فالكثير منا يعملون 24 ساعة أو يكادون، فالأعباء الوظيفية زادت، وتشعر بأن اليوم يمر مثل "لمح البصر" .
* كيف تتعامل مع ضغوط العمل؟
- الأمر يتوقف على نظرتك إلى تلك الضغوط، من أي زاوية تنظر إليها، مثلاً، إن كنت تؤمن أنها واجب وطني يحتم عليك أن تبذل من جهدك ووقتك الكثير، فسيمر الوقت عليك برداً وسلاماً، ولن يكون ثقيلاً، لكن على كل حال، يجب على الموظف أو المسؤول أن يخصص يوماً في الأسبوع للراحة والتفرغ للأسرة والخروج مع الأهل للترويح عن النفس . وفي واقعنا فإن يوم الجمعة هو المتنفس الوحيد في الأسبوع، وبالنسبة لي أقضيه مع العائلة، للتخفيف من ضغط العمل الأسبوعي المكثف، ولاستعادة قواي وبعث نشاطي وتجديد الروح .
لوحة شرف
* من تجربتك، هل أنت من المديرين، الذين يهدمون ما بدأه وبناه أسلافهم من القادة الإداريين في المؤسسات، التي يتولون إدارتها بعدهم؟
- النجاح يبدأ من حيث انتهى الآخرون، ولا يخلو أي قائد أو مدير أو رئيس مؤسسة سابق من مميزات وإيجابيات، وفي منصبي مديراً لدائرة الأشغال والخدمات العامة برأس الخيمة، بادرت إلى إنشاء لوحة شرف في الدائرة، تضم صور وأسماء رؤساء ومديري الدائرة السابقين، وهي بادرة احتذيت فيها حذو دائرة الجمارك برأس الخيمة، تقديراً لجهودها وعرفاناً بإنجازاتها .
منذ توليت مهام مدير دائرة الأشغال والخدمات العامة برأس الخيمة، بدأت في بعض الجوانب من "الصفر"، لأنها لم تكن موجودة أصلاً، وفي جوانب أخرى بنينا على ما بناه رؤساء ومديرو الدائرة والعاملون فيها سابقاً .
أي مدير أو رئيس سابق لدائرة أو مؤسسة عملت فيها، تعلمت منه، بإيجابياته وسلبياته، الطيب، الخلوق، الشديد، سريع الغضب، المتساهل، جميعهم تعلمت منهم، على سبيل المثال تعلمت من سريع الغضب "الصبر" وكيف أتعامل مع المراجعين والناس .
* ألا ترى أن الموظفين في مؤسساتنا يبالغون في كم الإجازات؟
- نعم، وتحديداً الموظفات في مختلف المؤسسات، وهي إجازات متعددة الأشكال والأسباب، بين إجازة وضع حيناً، وإجازة مرضية حيناً آخر، وبعضهن يطلب إجازة إذا مرض أحد أفراد أسرتها، وسواها من المسببات وأنا أقدر تلك الأسباب والدوافع إجمالاً، مع الأخذ بالاعتبار أن المرأة، بطبيعتها، عاطفية، وفي الوقت ذاته أؤكد أن المرأة العاملة، إذا ركزت في وظيفتها أو أعطت العمل حقه، تبدع أكثر من الرجل، ولدينا نماذج واقعية في مؤسساتنا الوطنية .
أين هو الوقت؟
* ماذا تفعل خارج ساعات العمل الطويلة؟
- أين هو الوقت لأفعل؟ أين وقت الفراغ في دوامة العمل وضغوطه في الحياة المعاصرة، لاسيما إذا توليت مسؤولية كبيرة . والوقت القليل المتاح لي خارج العمل، أستغله في المرور على الوالدين وبرهما، لأقضي بعض الوقت معهما، ويكفيني أن أسمع دعاءهما، لأتمكن من العودة إلى العمل في اليوم التالي وقد شحنت طاقتي من جديد، بجانب قضاء بعض المسؤوليات الأسرية . وأحرص في الجمعة من كل أسبوع على التواجد في تجمع عائلي، يضم الوالدين والأشقاء وأبناءنا .
* ما هواياتك إذاً؟
- كنت أهوى كرة القدم، وكنت في الماضي أجمع العملات الورقية والمعدنية، لكن دوامة العمل وضغوط الحياة المعاصرة لم تبق من هواياتي الشخصية سوى "طلعات البر"، وهي الهواية الوحيدة المستمرة معي .
* هل تخشى الفشل؟
- الفشل وارد، لكن الأقوى من الفشل هو إعادة المحاولة .
* مقولة ترددها بين الحين والآخر؟
- "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت"، وهو حديث نبوي شريف . وشعاري هو أنني لا أعلم شيئاً عن شؤون الآخرين، وإذا سئلت عن أحد الناس، أجيب بذلك الجواب، حتى لو كنت أعلم الإجابة . والأخلاق نكتسبها من البيت، الذي نشأنا وتربينا فيه، حيث تعلمنا من الوالدين ألا نتدخل في شؤون الناس الخاصة .
* هل يعني ذلك، أنك "انعزالي" أو غير اجتماعي؟
- بالعكس، أحب كسب مودة الناس، لكن ماذا أستفيد من التدخل في شؤون الآخرين، طالما لم يخترقوا خصوصياتي أنا أيضاً، ولم يخرقوا قانوناً . أنا رجل اجتماعي من الدرجة الأولى، لكن ظروف العمل تعرقل واجباتك الاجتماعية، ورغم ذلك أتواصل مع أقاربي، وحتى مع أصدقاء وزملاء من أيام الدراسة، وقد تنقلت بين خمس وظائف في مؤسسات مختلفة، ولا أزال أتواصل مع زملائي السابقين فيها .
* هل تأخذ السياحة الداخلية، في ربوع الوطن، نصيبها لديك؟
- بالطبع، في الإمارات أحب مكانين أكثر مما سواهما، وأحرص على زيارتهما بصفة متواصلة، هما العين وخورفكان، ففي الأولى أقصد "المبزرة"، التي أتردد عليها بين 3 إلى 4 مرات في العام . والثانية أزورها للاستجمام مع الأسرة نهاية كل أسبوع من فصل الشتاء .
* رسالة توجهها إلى والديك؟
- لا أجد من الكلمات الآن أكثر من أن أدعو لهما بطول العمر والبركة فيه، وأدعو الله أن يظللنا دوماً بدعائهما، لأننا بحاجة ماسة إليه، وهما مصدر التوفيق .