تحيط البحار بالكرة الأرضية من كل جهة، وفي كل جهة ثمة شعراء، وفي كل جهة ثمة يابسة وماء، لكن البطولة دائماً للماء الذي يستدرج الشعراء إلى اللغة الليّنة.. اللغة الجريانية التي تتلاءم وروح الشعر، وإذا أخذنا على سبيل المثال لا الحصر مقطعاً مائياً واحداً في هذا العالم هو حوض البحر الأبيض المتوسط، فإن لك أن تتخيّل كم من الشعراء، وكم من الشعريات الشواطئية، إن جازت العبارة، ظهرت في هذا الحوض وحده.
(1)
في حضرة البحر نحن نطل، على شعريات، شواطئية، متوسطية، وغير متوسطية، فالشواطئيّ شاعر، كما يبدو بالفطرة. إن الشواطئي هو رجل الانتظارات وهو البحّار المتدرّب منذ بطولته على الغوص. الشواطئي ابن بحر، إنه كائن مفطور أيضاً على المغامرة. إنه كائن شعري بطبعه وطبيعته، وشعراء البحر أكثر من شعراء اليابسة تجمع بينهم سلالة الماء، وفيهم الكثير من صفات البحار: الغموض، الهياج، الهدوء أحياناً، وأحياناً الغضب والنزق حد الجنون.
شعراء البحار فيهم أيضاً شيء من طبيعة الماء، الخفّة، المرونة، الانسياب، وغير ذلك من رمزيات تحيل إلى أنسنة البحر ومفرداته من ماء، وشواطئ، وموانئ.
(٢)
كان البحّار والجغرافي والملاّح أحمد بن ماجد، نحو ١٤٢١ - ١٥٠٤ ميلادية /٨٢١ هجرية - ٩٠٦ هجرية، شاعراً أيضاً، وإن اقتصر الكثير من أشعاره على علم الملاحة، وكانت شاطئيته تمتد على طول بحر رأس الخيمة واسمها القديم (جلفار)، لكنه لم يكتفِ بهذه «الشاطئية»، فقد أخذه شغفه بالبحر إلى الهند، ورأى في مساراته البحرية الكثير من المرافئ والسفن والمراكب، وظل دائماً أحمد بن ماجد الشاعر الملاّح، والشاعر الجغرافي، والشاعر الفلكي.
لم يكن أحمد بن ماجد قرصاناً أو قاطع طريق في البحر أو رجل مغامرة فاشلة أو متهوّرة. إنه أوّل رائد للحداثة البحرية، بحسب الشاعر عبدالعزيز جاسم في كتابه «مجهول البحر ومعلومه»، إصدارات دائرة الثقافة في الشارقة ٢٠٠٢، هذا الملاّح الشاعر أدرك تماماً أن «شاطئيته»، هي على نحو ما «شاطئية العالم».. يقول عبدالعزيز جاسم في الكتاب نفسه.. «..امتد تأثير ابن ماجد في الملاّحين الهنود والزنوج والعرب والشولهان والإندونيسيين والصينيين والأوروبيين».
إن من يُدقق في «شاطئية» ابن ماجد، «وهي «شاطئية جلفارية» يجد أنها في الأساس فضاء شعري جاذب للمغامرة، وأياً كانت شخصية ابن ماجد الملاحية، ذات تكوين علمي فلكي جغرافي، فإن الأساس في هذه الشخصية هو «الشاعر» في رأيي الشخصي، الشاعر الذي دفعه حسّه المغامر إلى الوصول إلى بحر الهند والبحر الأحمر وسواحل شرق إفريقيا وبحر الخليج العربي.. يقول عبدالعزيز جاسم في المصدر نفسه.. «لقد استطاع أن يملأ القرن الخامس عشر بحسّه وعلمه ورسوماته واختراعاته وكشوفاته ومؤلفاته البحرية ومصطلحاته».. وجميعها صادرة عن مخيّلة شعرية شواطئية.
(٣)
الفضاء «الشاطئي» الشعري الذي كان يتحرّك فيه الشاعر أحمد راشد ثاني، ١٩٦٢- ٢٠١٢، هو «شاطئية» مدينة خورفكان الملمومة مثل محارة لؤلؤية بين الجبال والبحر. إنه كائن شاطئي، مائي، بحري على رغم الحضور القوي لشخصية الجبل في خورفكان، مسقط رأس أحمد، وأفقه الأرضي المطرز بالنخيل.
يقول أحمد راشد ثاني في مجموعته «جلوس الصباح على البحر»، إصدارات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات ٢٠٠٣:
«طَيْرٌ يعرف أنّ له في الصبح نشيداً
يقطعه، فتضج به الغابات
ويكبرُ فيه العشب
وتمضي الأنهار إلى رغبتها
ويؤوب البحرُ إلى وطنه».
«أنسنة البحر».. هذا هو العنوان الذي كان هاجس أحمد راشد ثاني، وغيره الكثير من شعراء الماء، إن البحر بالنسبة للشاعر «الشواطئي» هو كائن مرئي، ملموس، مسموع، ومُخاطب دائماً على نحو هادئ وطيّب وجميل. البحر كائن يشعر بالشاعر «الشاطئي»، ويتشارك معه في «صناعة» النصّ المائي المشتق من الأزرق الكلّي الذي هو اللون التاريخي للبحر.. اللون الذي استعاره آلاف الشعراء منذ هوميروس، وإلى اليوم.
(٤)
مخاطبة الشاعر، أو مخاطبة «الشواطئ» للبحر تحمل أحياناً وجهاً صوفياً، وأحياناً تحمل هذه المخاطبة كينونة تشكيلية، وأحياناً تحمل المخاطبة صيغة تأملية.
في المختارات الشعرية التي نقلها إلى العربية صالح علماني، وعاصم الباشا للشاعر الإسباني رفائيل البيرتي، ١٩٠٢ - ١٩٩٩، وصدرت عن دار الفارابي في العام ١٩٨١ سنكون في قلب هذه المخاطبات، ووجهاً لوجه مع البحر، لا بل يصدر «البيرتي» كتاباً في العام ١٩٢٤ بعنوان «بحار في اليابسة»، نعيد للقارئ شيئاً من روحه المائية.
يقول «البيرتي»:
اعصروني فوق البحر، تحت الشمس
وكأن جسدي مزقة من شراع
* * *
لماذا أحضرتني، يا أبي إلى المدينة؟
لماذا بعثتني من البحر؟
* * *
سعيداً جداً سأكون في أحد بساتين البحر
* * *
صباح بارد.. أيكون البحر قد مات؟
* * *
أيها المجذّفون، جذّفوا..
* * *
حتى لا تنام الكرة
إلاّ في حنجرة البحر
* * *
إذا مات صوتي على البرّ
ارفعوا إلى مستوى البحر
ودعوه على الضفة
ونصّبوه قبطاناً
مجموعة شعرية لرفائيل البيرتي كأنها بحر أو حوض هائل من الماء.. حوض متوسطي «شواطئي»
(٥)
في قصيدة «آلات الفجر» للشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين في مجموعته «النّازلون على الرّيح»، دار الآداب للنشر والتوزيع ٢٠١٣، ترد كلمة (البحر) إحدى عشرة مرّة، وترد في القصيدة نفسها، وهي قصيدة طويلة، مفردات تحيل إلى البحر مثل: كبحّار الموج، الماء، الغَمْر، الشاطئ.. وجميعها تقوم على روح شعرية صوفية، يقول:
«هذي كلماتي،
حَضَرت عند الفجر
تماماً عند صلاةِ الفجرْ.
كنتُ وقفتُ على شرفة بيتي
من جهة الغربِ
وكنت سألت البحر
إذا ما كان سيسمح لي
أن أسمع صوت الموج..»
وفي مكان آخر يقول.. «أشعرُ أن البحرَ أسيرٌ في كفّي كالعصفور»، ويقول.. «.. أخذتُ عصا وشققتُ بها جِلْدَ البحر..»، ويقول «.. أخبط فوق الرمل بأسمالي../.. غَسَقٌ فوق الموجِ يذوب وحبرُ البحر يروب..».
إن الرموز الصوفية في قصيدة محمد علي شمس الدين هذه واضحة تماماً، وكلّها تدور حول «ثيمة» البحر،.. ومن هذه الرموز:.. الوقت سراب، فليبقَ الخارج في الخارج، والدّاخل في الدّاخل، ما نفع الماء المتدفق فوق إناءٍ مُغلق، أخبط فوق الرمل بأسمالي، تنهضُ حين أكلمها، من فرط الشوق.. وإلى آخر هذه الإشارات والرموز والمخاطبات التي تجمع وتطرح في البحر، وبكلمة ثانية يتحول البحر إلى فضاء ثقافي فكري فلسفي.
(٦)
من «أنسنة» البحر، إلى وصفه كائناً مُخاطباً، إلى فن اشتقاق غنائيته، وفي كل الأحوال هو كائن.. يبتسم وَيُحاوَرْ.
البحر من مُخاطَب إلى مُحاوَر في هذه القصيدة للوركا بعنوان «أغنية ماء البحر» - «..لوركا.. مختارات من شعره - الطبعة الأولى ١٩٨٠ - دار المسيرة بيروت»..
في قصيدة أغنية ماء البحر: ترجمة: عدنان بغجاتي..
هذا الجو الحواري - الغنائي:
- ماذا تبيعين أيتها الشابة المهمومة..؟
- أبيع يا سيدي ماء البحار
- ماذا تحملين، أيتها الشابة السمراء مشوباً بدمك؟
-أحمل يا سيدي ماء البحر
- هذه الدموع المالحة.. من أين تجيء يا أماه؟
- أبكي يا سيدي ماء البحار.
- وهذه المرارة الكئيبة يا قلب.. من أين تنبع؟
- ما أشد مرارة ماء البحار.
* * *
بالطبع، تُقرأ هذه القصيدة «الشواطئية» في أكثر من مستوى.. من المستوى الرمزي إلى المستوى الواقعي، ومن مستوى «الحوار» إلى المستوى الغنائي الذي عرف به لوركا الذي بث في حوارياته المسرحية أيضاً روح الشعر.
(٧)
الشاعر الإسباني «لويس ثرنودا»، ١٩٠٢ - ١٩٦٣، يذهب إلى مستوى شبه قصصي وهو يرسم البحر من داخله أو من «أحشائه» إن جازت العبارة، إنه اللاّمرئي من هنا من «الشاطئ» حيث الأعماق، الزخرفية، الملوّنة، العجائبية.. يقول.. «كان هناك في أعماق البحر لؤلؤة وزمّارة قديمة، وكانت طبقات الماء الرقيقة تبتسم بعذوبة كلما جرت بالقرب منها.. سمّوهما: الصديقين:
..كان هناك طفل غريق بجوار شجرة من المرجان. الذراعان الباهتان والغصون المضنية تشابكا بقوّة: سمّوهما العاشقين.
«..كان هناك بقايا عجلة تدحرجت من مسافة بعيداً، وطائر محنّط راح، وهو الغريب الأنيق يفزع الأسماك التي فوجئت به..» ترجمة د. عبدالغفار مكاوي، من كتاب «ثورة الشعر الحديث من بودلير إلى العصر الحديث - الهيئة المصرية للكتاب ٢٠١٣».
يتوق الشواطئي إلى الصور السريالية المطروحة تحت الماء، وإلى ذلك المدى الأفقي الملوّن بالمرجان. إنها الصور المائية التي يتعذّر مشاهدتها أو «مخاطبتها» على الشاطئ في مثل هذا الوضوح القصصي التشكيلي.
شفقة
عند الشاعر الإيطالي جوسيبي أنجارتي، 1888 1970
، البحر يثير الشفقة.. ويموت. يقول «أنجارتي»:
«ما عاد يرعد، ما عاد يهمس البحر/ البحر، يثير الشفقة أيضاً / البحر، سحب غافلة تحرّك البحر/ البحر، الدخان الحزين يترك الآن فراشه البحر/ البحر، هو أيضاً مات»