في حديثه عن نفسه جاء كلام الرسول صلى الله عليه وسلم بليغاً وفي الوقت نفسه سهلاً ميسور الفهم لكل من يقرأه.
وعلى الرغم من أن كلماته قليلة العدد إلا أن معانيها ومراميها كثيرة تفيض بالإيمان والحكمة فتأخذ بأيدي المسلم إلى الإيمان الحق والسلوك القويم اقتداء بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهذا الحديث نموذج عظيم لهذه المعاني حيث يتناول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، حدثاً مهماً هو شرح صدره،
عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فُرِجَ عن سَقْف بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ - عليه السلام - فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْتلئ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأُفْرِغَهَ فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي).
إن هذا الحديث يبسط أمام المسلمين هذا الموقف الجليل الذي مر به الرسول صلى الله عليه وسلم حيث تولى جبريل (عليه السلام) شرح صدره وغسله بماء زمزم، وقد أشار القرآن الكريم إلى شرح صدر الرسول في الآية الأولى من سورة الشرح فقال عز وجل: «ألم نشرح لك صدرك».
رقة ورحمة
يقول الدكتور أحمد عبده عوض في كتابه (موسوعة بلاغة الرسول): «في الحقيقة فقد غُسل صدره الشريف مرتين، الأولى وهو صغير عندما شُق عن قلبه وغُسل بماء زمزم ثم أعيد مكانه، ثم مُلئ إيماناً وحكمة وكان هذا وهو في الثالثة من عمره، كما تدل الروايات على ذلك، إشارة إلى أن الله تعالى يتولاه بعنايته منذ طفولته، فقد أراد الله تعالى تنقيته من وساوس الشيطان حتى لا تكون عائقاً عن الوصول إلى الكمال، ليكون جهاده بعد ذلك في الترقي إلى أعلى بدل أن يبذل طاقته في مقاومة التدني، وكي يستطيع وقد طَهُرت نفسه أن يطهر غيره».
عن أُبيّ بن كعب أن أبا هريرة كان جريئاً على أن يسأل رسول الله عن أشياء لا يسأله عنها غيره. فقال: يا رسول الله ما أول ما رأيت في أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً وقال: «سألت أبا هريرة إني لفي صحراء ابن عشر سنين وأشهر ، وإذا بكلام فوق رأسي، وإذا رجل يقول لرجل أهو هو؟ قال: نعم. فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إليّ يمشيان، حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأحدهما مسّاً، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه. فأضجعاني بلا قصر ولا هصر، وقال أحدهما لصاحبه: (افلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدري ففلقها فيما أرى، بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغل والحسد، فأخرج شيئاً كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها فقال له: أدخل الرأفة والرحمة، فإذا مثل الذي أخرج يشبه الفضة ثم هزّ إبهام رجلي اليمنى. فقال: اغدُ واسلم. فرجعت بها أغدو رقة على الصغير ورحمة على الكبير».
رعاية إلهية
هذا الحدث وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم لتنقية قلبه، وتصفية ميوله، وإخراج حظ الشيطان منه لتهيئته للنبوة وعصمته من الآثام، والدليل على ذلك أنه كان في شبابه بعيداً عن حياة اللهو والمجون في مكة، طاهراً من الآثام التي تدنس الشباب في مجتمعاتهم، حيث اختاره الله تعالى للرسالة، فاصطنعه لنفسه قبل أن يمنحه النبوة، وعصمه من الشرك وعبادة غير الله، فلا يحل في قلبه إلا التوحيد الخالص، وقد دلت أحداث حياته على تحقق ذلك فلم يرتكب إثماً، ولم يسجد لصنم رغم انتشار عبادة الأصنام في قريش.
وشق الصدر من أدلة صدق نبوته صلى الله عليه وسلم لأنه من تمام الرعاية الإلهية منذ صغره.
وفي المرة الثانية غسل صدره الشريف ليلة الإسراء والمعراج وهو حدث له دلالة حيث إنه طهر بخير ماء على وجه الأرض، وجاءه خير ملك.. وتحول من خير البقاع إلى سيد البقاع، وعرج به إلى خير الأماكن وتلقى خير الكلمات وبلغ أرقى المراتب.
كل هذا يشير إلى دلالة غسل صدره صلى الله عليه وسلم، فقد أراد تعالى أن يطهر قلبه مرة أخرى مما غشيه من أحزان وآلام من قومه، كي يرتقى إلى ربه والقلب صاف والذهن مستعد لاستيعاب معجزة لم تحدث لأحد من قبله، فهنا نرى كيف طهره ربه تطهيراً.
بين المجهول والمعلوم
وفي الحديث تظهر بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم في البناء الفعلي المتنوع بين البناء للمجهول والمعلوم، ما يجعلنا ندرك جانب السرعة في تتابع الأحداث، فكل جملة فعلية في الحديث تمهد للتي بعدها وكل جملة توحي بوجود الأمين جبريل من ورائها.. والجمل نلمح فيها تتابعاً وترتيباً لأحداث تلك الليلة الشريفة.
وقد أسهمت أدوات ربط في تقوية البناء التركيبي، فيأتي الربط بالفاء والربط بثم بعد ذلك إشارة إلى تنوع الحالات، ولكن هذه الحالات جميعاً تشير إلى أن هناك حدثاً سيتحقق وهو شق صدره الشريف.
أما كلمة «الصدر» فهي من الكلمات المحورية في الحديث، وبما أن الصدر هو موضع دخول الوسواس والآفات والشهوات وهو صدر القلب فإن شق الصدر لبلوغ قلبه هنا هو تدرج من العام إلى الخاص.
وتحديد ماء زمزم للدلالة على الفضل والبركة و«طست من ذهب» دلالة على النقاء وعلو المنزلة ثم «طبقه» دليل على حدوث شق حسي لصدره الشريف، «ثم أخذ بيدي» إشارة إلى ملازمة جبريل عليه السلام للحبيب صلى الله عليه وسلم في تلك المرحلة.