هو قابوس بن وشمكير بن زياد بن وردان شاه الجيلي. كنيته ابو الحسن ولقبه شمس المعالي وكان أمير جرجان وبلاد الجبل وطبرستان من قبل الخليفة العباسي الطائع لله، وهو الذي خلع عليه لقبه أيضاً حين ولاه سنة 316ه. وقد ظل في ولايته حتى خلعه عنها عضد الدولة البويهي سنة ،371 ففر قابوس لاجئاً الى خراسان. ثم استعادها سنة 388ه، واشتد في معاقبة خصومه، فنفر منه شعبه، وقامت الثورة ضده، مما جعل عصره مملوءاً بالقلاقل والاضطرابات وانتهى الأمر بخلعه وتولية ابنه. وكانت نهايته محزنة للغاية، إذ اكره على الفرار الى بسطام، فأقام في إحدى القلاع الى ان مات سنة 403ه، ودفن بظاهر جرجان.
ظروف قاسية
كان شمس المعالي ديلمي الأصل، مستعرباً. وكان نابغة في الأدب والانشاء، وقد ترك وراءه ديوان رسائل بعنوان: كمال البلاغة، عمل على تحقيقه نعمان الأعظمي ومحب الدين الخطيب، ونشر لأول مرة في المطبعة السلفية على نفقة المكتبة العربية سنة 1341ه. ونحن نجد في هذا الديوان آثار الظروف القاسية التي عاناها في حياته السياسية، مما جعل رسائله تتسم بطابع الحزن الذي غلب على شعره ونثره. وقد بكى ملكه الضائع على يد ابن بويه، فخرج من بلاده حائراً، مكسوف الخاطر، تماماً كما حدث مع المعتمد بن عباد الأندلسي، يقول شمس المعالي في ذلك:
لئن زال املاكي وفات ذخائري
وأصبح جمعي في ضمان التفرق
فقد بقيت لي همة ما وراءها
منال لراج أو بلوغ لمرتقي
ولي نفس حر تأنف الضيم مركباً
وتكره ورد المنهل المترنق
فإن تلفت نفسي فلله درها
وان بلغت ما ارتجيه فأخلق
ومن الأبيات المشهورة له، والتي تضمنت حكمته وتجربته في الحياة:
قل للذي بصروف الدهر عيرنا
هل حارب الدهر إلا من له خطر
أما ترى البحر تعلو فوقه جيف
وتستقر بأقصى قاعه الدرر
فإن تكن نشبت أيدي الزمان بنا
ونالنا من تمادي بؤسه الضرر
ففي السماء نجوم ما لها عدد
وليس يُكسف إلا الشمس والقمر
قواعد جديدة للنثر
وفي كتاباته النثرية يتألق شمس المعالي في سماء النثر الفني الجميل، وقد اعتبر نثره اعجوبة الاعاجيب في فن الإنشاء، لأنه نثر مصنوع صناعة دقيقة جداً لا يدرك كنهها إلا الفحول. وقد اهتم بهذه الرسائل عبدالرحمن البيزدادي، وهو من القدماء، وقد اختار من رسائله ما اسماه كمال البلاغة، وتعتبر دراسة اليزدادي لنثر قابوس بن وشمكير، من أهم الدراسات الفنية، لأنها تضع قواعد جديدة للنثر الفني لم تذكر عند قدامة بن جعفر وهي تعد اربعة عشر نوعاً منها:
1- المجنح كقوله: صام عن جواب ما نفد اليه، ونام عما لزمه في حق الاعتماد عليه.
2- الممثل كقوله: ولا يعجبني ان يكسو ضوء مكارمه كلف الخمول، ويأذن لطوالع معاليه بالأفول.
3- المجانس كقوله: اين الطبع الذي هو للصدود، وللتألف ألف ودود.
4- مشابهة الصورة: كقوله: إذا حالف، فأحسبه قد خالف، وإذا أعار، فأحسبه قد اغار.
ونحن نكتفي بهذه الأمثلة من الأنواع الفنية التي استخرجها اليزدادي من نثر قابوس، مع أنه كان مفتوناً به فتنة مطبقة، وخير شاهد على ذلك هو تعليقه على قوله: قد خلد ذلك في بدائع الاخبار، وكتب بسواد الليل على بياض النهار، فقال اليزدادي:
هذا كلام لا اعرف في جودة صنعته وغرابة معناه كلاماً: لأنه مثل سواد الليل بالمداد، وبياض النهار بالقرطاس. وهما شيئان ليس لهما نظيران في البقاء. وهذه القرينة الثانية، نتيجة طبع كالماء رقيق، وصنع في تأليف الكلام دقيق. وليس مما يسمح به طبع الكتّاب، وتفي به قرائحهم، فإني قد اجلت الفكر في عدة الفاظ رائية الأواخر، فلم أجد منها ما يقع موقعه في الوفاق. وكان ما أتى وحضر في غاية النفور منه والشذوذ عنه، ولا يعرف ما اقوله إلا من يعالج التسجيع.
نحت الكلام
وتعتبر هذه الرسائل الفنية لشمس المعالي، من الذخائر النثرية النادرة في التراث العربي، وهي تمتاز بشدة الأسر واطراد الفن في جميع اجزائها، بحيث يمكن ان يقال إن هذا الرجل كان ينحت الكلام كما ينحت الفنان الصخر، من أجل صناعة غرائب التماثيل، والواقع أن ما يؤخذ اليوم على كتاب الرسائل، انهم كانوا يجمعون بين الصور المختلفة في الجملة الواحدة، دون ان يلاحظوا ما يجب ان يكون بين تلك الصور من الروابط المعنوية. فحين يقول الثعالبي مثلا: يغرس الدر في أرض القراطيس، وينشر عليه أجنحة الطواويس فإننا نجد في ذلك اخيلة متنافرة ليس بينها رابط جامع، وان بدت لبعضهم نهاية في الحسن والرواء. وشبيه من ذلك قول الثعالبي نفسه في أبي الفرج الببغا: له كلام، بل مدام، بل نظام من الياقوت، بل حب الغمام. إذ الانتقال بين هذه الصور مشتت للخيال، ومبدد للمعنى الذي يريد الكاتب بلوغه في الاذهان.
تحليق واسفاف
حقيقة ان نثر قابوس بن وشمكير، على الرغم من دقيق صنعته، فإننا نراه يحلق أحياناً ويسف أحياناً اخرى. فانظر مثلاً الى قوله في وصف نثر ابن العميد: ولو كنت عرفت تفاضل الكلام، وميزت بين المنسم والسنام، لما قابلت بصفيري زئيره، وما ساجلت ببعيثي جريره. فنحن نجد ان الربط بين هذه الصور مرهق للخيال خصوصاً حين قابل بين المنسم والسنام والصفير والزئير، ثم انتقل من ذلك ليقول: وما ساجلت ببعيثي جريره إذ من الصعب على القارئ ان يفهم الاشارة الى البعيث وجرير، من بين شعراء النقائض في العصر الأموي.
ان نثر قابوس بن وشمكير لا يخلو ايضاً من المبالغات والتهويلات، الى جانب التزامه صنعة النثر الفني في كل ما يكتب، حتى في الموضوعات الفلسفية. فهل كانت الفلسفة تستطيع ان تتحمل اثقالها بالسجع والموازنة والجناس، لولا موهبة شمس المعالي الفذة؟ ثم ان المبالغة في كتابات قابوس بن وشمكير، ليست في الواقع إلا وثبة من وثبات الخيال الانساني الذي يقدر ما ينتظر له من البأس والقوة في عالم الوجود. والانسان في اليوم، هو الذي يحقق جميع الخيالات التي مرت بأذهان الكتاب العرب القدماء، من الحديث عن الطيران، الى الحديث عن الأمور الغريبة التي تقع في الحياة، وتبعاً لذلك نستطيع ان نرى في الاختراعات العصرية، تمثلات، لأوضاع كثيرة من مصطلحات البلاغة العربية والبيان المعجز، إذ تصبح أكثر المجازات التي استعملها الكتاب العرب القدماء، اشبه بالحقائق كما تصبح أكثر المبالغات التي تحدث عنها النقاد القدماء، تعابير عادية لا شطط فيها ولا جمود في حياتنا الراهنة التي تتحقق فيها غرائب الأمور.