إلى وقت قريب كان دور شهود العيان ثانوياً، لكننا مع الأحداث المتسارعة وجدنا أنفسنا على مقربة منهم ونشاهدهم على شاشات التلفزيون ينقلون الأخبار من موقع الحدث ليضاف ذلك إلى دورهم في الكشف عن الجرائم والقضايا السلبية في الشارع . ورغم ذلك، لا تزال فئة لم تتفهم حقيقة هذا الدور، ويتخوفون من الادلاء بشهادتهم خشية تبعات تلك المبادرة .
تزايد اعتماد القنوات عليهم
نجوم الإعلام الجديد
ازداد دور شهود العيان في رصد وتوثيق الحقائق التي يعاينوها بأنفسهم، نتيجة لوجودهم على مقربة من الأحداث التي تحصل في الشارع، ويبادرون نقل المعلومة والتصريح بتلك الشهادات حتى أصبحوا يوصفون بقطب جديد من أقطاب صناعة الإعلام .
يعتبر د .إبراهيم الشمسي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمارات، أن شاهد العيان مندوب أو مراسل صحافي موثوق به، لأنه حاضر في وسط الحدث ويرسل تفاصيل دقيقة ويتم إثباتها في ما بعد من قبل الصحافيين بعد توافر المعلومات الكاملة عنها، ما يدفع إلى القول إن شاهد العيان نفسه يغني عن الإعلام .
ويضيف: في ظل الفضاء المفتوح للإعلام، يمكن لشاهد العيان أن يتكلم بثقة ولا يستطيع أن ينقل معلومات غير صحيحة لأنه لو فعل ذلك فإن المؤسسات الإعلامية ستفضح أمره، بالإضافة إلى سبب آخر يجعل المشاهد يثق بدرجة أكبر بشاهد العيان، وهو أنه المتضرر الحقيقي ويحاول أن ينقل معاناته فلا يبالغ فيها، ولكي يكرس صورة حقيقة في نفوس المشاهدين فأنه سينقل لهم المعلومة بصدق، أو صورة شبه متكاملة، لأنه ينقلها وهو يشعر بالمصاب والحدث، كما أن الحقيقة النابعة من نقطة الحدث تكون الأكثر صدقاً وليس نقل الخبر والصحافي الموجود، لأن شاهد العيان يعيش في عمق الحدث .
ويقول أحمد سالم، إعلامي ورئيس لجنة التربية والإعلام في المجلس الاستشاري في إمارة الشارقة: تلجأ مؤسسات البحث العلمي إلى شهود العيان في متابعة ما يعرف بظاهرة الأطباق الطائرة التي لا يوجد لدينا منها إلا مشاهدات يصفها لنا شهود العيان رغم تصنيفها ظاهرة من ظواهر العلم . ويضيف: تعتمد وسائل الإعلام الحديثة اعتماداً كبيراً على شهود العيان كمصدر من مصادر الأخبار، خاصة في المواقع الساخنة التي تشهد كثيراً من الأحداث المتلاحقة، أو في المناطق الواسعة التي يصعب على الوسيلة الإعلامية تغطيتها تغطية كاملة بشبكة من المراسلين والمندوبين، أو في الأحداث الطارئة والمفاجئة كالكوارث الطبيعية أو الجرائم وسقوط الطائرات وغيرها من الأحداث التي تلجأ فيها وسائل الإعلام إلى أقرب الشهود للحصول على المعلومات الأولية لصناعة الخبر أو المتابعة . هذا يعني باختصار أن شهود العيان يشكلون مصدراً لا يمكن تجاهله، بل إنهم تحولوا في كثير من الأحيان إلى مصدر رئيس وربما شبه الوحيد لتغطية الأحداث .
وعن تحفظاته على الاعتماد الكلي على شهود العيان، يقول هذا المصدر لظروف كثيرة، منها عدم التخصص من جانب وعدم القدرة على وصف الحالة وتشخيص الحدث والتعبير عن المشهد بدقة وشفافية من جانب آخر لا يعتبر مصدراً دقيقاً للأخبار، فعند سقوط طائرة مثلاً إن لم يكن شهود العيان على معرفة بهذا الجسم سيعطوننا معلومات غير دقيقة أو خاطئة بعض الأحيان، كما أنهم تحولوا في كثير من الأحيان إلى مصادر مشوهة للأخبار من خلال افتعال الأحداث أو المبالغة في الأرقام أو التحيز أو تفعيل الجوانب الشخصية وطغيان الانحياز، وظهر ذلك جلياً في الأحداث التي شهدتها دول عربية، إذ بالغ بعض شهود العيان في أعداد المتظاهرين مثلاً، وتحدثوا عن مظاهرة مليونية فيما أعداد المتظاهرين لا يتجاوز عشرات الآلاف ويبالغون في أعداد القتلى والضحايا وحجم الخسائر اعتماداً على انتماءاتهم أو تحيزهم أو سعيهم لإيصال رسالة محددة . ويتابع: الدعاية السياسية في القنوات الإخبارية والإذاعات الموجهة تلجأ كثيراً إلى استخدام تعبير شهود العيان لتمرير آرائها السياسية وحملاتها الدعائية من خلال نشر تلفيقات خبرية أو شائعات أحياناً والتستر خلف تعبير شاهد العيان، خوفاً من الانكشاف أمام الجمهور أو المحاسبة أو الملاحقة القانونية، لذا فالاعتماد عليهم معيار لدرجة المهنية والنفوذ الإعلامي للوسيلة وقدرتها على الوجود بمعنى أنه كلما قل الاعتماد على شهود العيان وزاد الاعتماد على المصادر الرسمية والحقيقية والمراسلين التابعين للوسيلة كلما زادت قوتها والعكس صحيح .
ويشير إلى أن أهمية شاهد العيان تزداد عندما يكون حاضراً بالصوت والصورة أمام الكاميرا، وليس عبر الهاتف، إذ يستطيع أن يبالغ كيفما يشاء من دون رقيب . ويقول لشهود العيان صلاحية، فهناك شاهد عيان طازج وهو في موقع الحدث، وهناك من تأتي بهم وسائل الإعلام لاحقاً لقدرتهم على التذكر والاحتفاظ بالصورة في أذهانهم وذاكرتهم، ويعتمد هذا على قوة الحدث، فمثلاً شهود عيان نكبة فلسطين يملكون القدرة على تذكر الحادثة رغم مرور عشرات السنين عليها لشدة وقعها عليهم وعمق تأثيرها في نفوسهم بخلاف شهود عيان شاهدوا مثلاً قبل أيام شجاراً بين مجموعة من الناس في أحد الأحياء الشعبية .
وعن النتيجة التي خرج بها من الأحداث الأخيرة يقول سالم: رأيت كثيراً من شهود العيان الذين استخدمتهم وسائل الإعلام ووجدت أنه إلى أي مدى يمكن استغلال هؤلاء وبطريقة غير دقيقة، ومن ذلك على سبيل المثال لجوء وسيلة إعلامية لعرض شاهد عيان يقول إن أول قتيل في حادثة كنيسة القديسين في الإسكندرية كان مسلماً يبيع المصاحف، والسؤال: كيف استطاع شاهد العيان أن يعلم أنه أول قتيل وأنه مسلم ويبيع المصاحف في حين أن الناس مازالوا يحملون الأشلاء من موقع الحدث . فهذا يعتبر علمياً وإعلامياً محاولة لاستخدام شهود العيان لخدمة رسالة معينة وإن كانت نواياها سلمية وتتمثل في تأكيد اللحمة الطائفية بين المسلمين والأقباط في مصر على سبيل المثال .
يقول محمد يوسف، معد ومقدم برامج بقناة نور دبي: الصحافي نفسه هو شاهد العيان الذي ينقل الصورة بموضوعية إلى المشاهد، حيث بإمكانه أن يقول: إني رأيت الحدث، وهو بذلك يتحمل المسؤولية الشخصية ومسؤولية الوسيلة الإعلامية التابع لها، ولكن لشاهد العيان أيضاً دور في نقل تلك الصورة بدرجة لا يمكن لنا التحكم بمصداقية قوله، فغالباً ما يتم الاستعانة بشهود العيان لتكملة مصداقية الخبر، والاعتماد عليهم بشكل كامل لا يعطي المصداقية الكاملة . ويضيف: الخبر القوي هو الذي يصدر من مصدر مسؤول واضح ورسمي، وهو المتداول بشكل عام في الوسط الإعلامي، لكن غياب تلك المصادر يجعلنا نستعين بشهود العيان، ومن غير المعقول أيضاً أن يتكلم المصدر الحكومي بلسان المعارضة، أو أن تتكلم المعارضة بلسان الحكومة في الإعلام، بمعنى أن كل جهة تتكلم عن نفسها ولها الصلاحية في أن تتوسع في الحادثة التي وقعت من جانبها، لذا لا يمكن الاعتماد على جهة أخرى بمبعد عن الواقعة، فمثلاً صورة مبنى محترق لا تستطيع أن تدلنا على الفاعل، إلا بوجوده في الصورة، وإن توفر صورة الفاعل، عندها يمكننا الاعتماد عليها بشكل رسمي وموضوعي .
وعن مقاطع الفيديو التي عرضتها القنوات التلفزيونية ولاتزال تعرض للأحداث الجارية في المنطقة، بأنه لا يمكن تكذيبها لأنها ترصد الصورة الحقيقية لنا، ورغم ذلك توجد لقطات غير واضحة وأخرى يمكن الاعتماد عليها، فيمكن التعليق على المبنى المحترق أن المعارضة من قامت بحرقه، فلم لا تكون الحكومة هي التي فعلت ذلك مثلاً؟
ويوضح د .نصر محمد عارف، أستاذ العلوم السياسية في جامعة زايد، أنه يتم اللجوء إلى شهود العيان عندما تحرم وسيلة الإعلام مراسلها للوجود في منطقة الحدث نتيجة لمنع الدولة أو عدم التمكن من ذلك، لذا فأصبح شهود العيان يشكلون الامتداد للإعلام الفضائي الانترنتي الحديث، والآن أصبحت معظم الحقائق تعتمد على شاهد العيان الذي يعد شخصاً غير متخصص وينقل جزءاً من الحدث، واللجوء إلى شاهد العيان أول رسالة يتم توجيهها وتؤكد أن هناك تضييقاً على الإعلام أو محاولة إخفاء الحقائق .
ويؤكد أن دور شاهد العيان يكتسب أهمية عندما تُرتكب جرائم بحق البشر، ولكن خطورته هو أنه ينقل جزءاً من الحقيقة من وجهة نظر أحد الأطراف، من ثم تكون الحقيقة مبتورة أو مشوهة، لأنه جزء من الحدث وليس طرفاً محايداً، ومن ثم فإنه يختار الجزء الذي يريد أن ينقله ويتجاهل عمداً أجزاء أخرى تغير الحدث بدرجة كبيرة . لذلك لا ينبغي، حسب عارف، اللجوء إلى شاهد العيان إلا في حالات محددة وضيقة، وإلا سيتحول العالم إلى فوضى وسيفقد الإعلام دوره، ويصبح الأمر صراع وجهات نظر تغيب الإعلام الذي يحاول تقديم وجهة نظر محايدة للطرفين المتنازعين .
ويرى أن شهود العيان لا يشكلون تعزيزاً للإعلام، لأنه لا ينحصر في نقل مجموعة صور، إنما هو قراءة للأحداث، وإن تعذر إمكانية الحضور الإعلامي لتغطية الحدث فيكتفي بالمصورين الموجودين لالتقاط الصور فقط، لأن في الإعلام المرئي تتكامل الصورة والكلمة، ولكن وجود الصحافي على أرض الحدث وتقديمه لآراء شهود عيان مختلفة يساعدان في معرفة الحقيقة وليس البث المباشر لرأي شاهد العيان .
تأكيداً لأن شهود العيان يلعبون دوراً كبيراً في التغطية الإعلامية يقول د .السيد بخيت، أستاذ الإعلام بجامعة الشارقة: يزداد دورهم في الدول التي تمارس فيها الضغوط والقيود على العمل الإعلامي، وفي هذا الظرف بدأ شاهد العيان يأخذ أكثر من شكل، وأحياناً يكون المصدر الوحيد للخبر، ورغم أنه في الفترة الأخيرة قد لعب دوراً حاسماً في رصد الأزمات، إلا أن له مزايا وعيوب .
ويذكر بخيت مزايا الاستعانة بشهود العيان عندما يكونون المصدر الوحيد للمعلومة لغياب الصحافيين وتقييد العمل الإعلامي، وعندما يكون شاهد العيان من منطقة الحدث، أو أنه شاهد الحدث بنفسه، يكون قادراً على وصفه، بشكل أكثر قرباً من الحقيقة .
وعن العيوب، يقول: يمكن لشاهد العيان أن يظهر الحدث من منظور أهدافه، حيث إنه لا يملك الخبرة الإعلامية لنقل الحدث لأنه لا يميز بين المعلومة والرأي، وقد يكون شاهد الحدث ولا يستطيع أن يعبر عنه بالشكل المطلوب، بينما الصحافي يملك تلك الخبرة ويعتمد على المعلومات والوثائق في نقل الأخبار . مع ذلك من الممكن أن تنطبق تلك العيوب على الصحافي نفسه، ومن الممكن أيضاً أن يقدم الشاهد المعلومة كما يقدمها الصحافي . ويضيف: ظاهرة شهود العيان قديمة، إلا أنها أخذت شكلاً جديداً وخاصة في الفترة الأخيرة، مع زيادة الناس الذين أسهموا بتمثيل دور شهود العيان وبدؤوا التزود بالخبرة لنقل الحدث، بل أصبح شاهد العيان يبادر ويتطوع لتغطية الحدث محبة بهذا الواجب، ونلاحظ انتشار هذه الظاهرة في المنطقة عامة، حيث أصبح دور شهود العيان ينتشر بدرجة كبيرة مع الاهتمام الثقافي والديمقراطية التي نشهدها بشكل عام، بالإضافة إلى التقليل من الخوف والإمكانات التكنولوجية ووسائل الاتصال وحب الظهور في الوسائل الإعلامية وتقديم العمل الإعلامي .
ويرى أننا يجب أن نتغاضى عن العيوب، كي يصبح شاهد العيان مصدراً إعلامياً مفيداً لتقديم تغطية إعلامية أكثر عمقاً مع الخبرة الزمنية التي سيتم اكتسابها، بحيث يظهر إعلام بنوعية جديدة لا تقدمها وسائل الإعلام الأخرى .
عوامل مساعدة
على ضوء الأحداث التي جرت في تونس ومصر وما يجري في دول أخرى، هناك مجموعة عوامل عززت من دور شهود العيان حسب د .حسنين علي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة زايد، الذي وصف الإقبال على شهود العيان في الوسائل الإعلامية بأنه ظاهرة .
العامل الأول، برأيه، يرتبط بحالة التعتيم الإعلامي، الذي تفرضه دولة ما على ما يجري فيها، والثاني طبيعة الأحداث على الأرض، إذ إن الثورات عموماً تنتشر على نطاق واسع، ومراسلو الوسائل الإعلامية لا يستطيعون أن يشغلوا تلك المساحات كاملة، وهنا يبرز دور شهود العيان . أما العامل الثالث فهو متعلق بتداخل الأحداث وتفرع الوقائع، حيث يجد شهود العيان متسعاً من الحرية للإدلاء بالمعلومات . ويؤكد أن الاستعانة بدور شهود العيان بعامة إيجابي، ولكنهم قد يتبنون موقفاً ويبالغون فيه، إلا أن الصورة تدعم الحديث، لذا يمكننا الوثوق بأقوالهم .
إحدى وسائل كشف الجرائم
عيون أمينة في كل مكان
مع تطور أسلوب الحياة، وما أفرزته من تبعات جديدة، ينعم بها الناس، تركت أثرها في مناحي الحياة كافة، تظهر مهام جديدة لكل فرد يعيش في المجتمع، وعليه أن يعمل بصورة صحيحة، وأن يكون طرفاً إيجابياً في تصويب الأخطاء وتوجيه الأجهزة الأمنية إلى مكامن السلبيات التي يشاهدها في الشارع . وبدأت هذه الأجهزة تعتمد على مشاهدات الجمهور كوسيلة من وسائلها لضبط الحالات السلبية تلك .
يقول المقدم جمال الجلاف نائب مدير الإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية لشؤون الإدارة والرقابة في دبي من واجبات المحقق أن يجمع أقوال شهود العيان حول الحادثة، وسؤال كل منهم عن كيفية معرفته بالحادثة ووقت وقوعها، والاستفسار عن سبب وجوده، وهل له علاقة بالمجني عليه أو المتهم، لتعزيز الدليل والإجراءات القانونية، وقد يكون لدى شاهد العيان الأدلة التي تستعين بها الجهات القضائية لعملية التحقيق، فأحياناً يعتبر من إجراءات السلطة القضائية سماع أقواله لإصدار الحكم، لذا فيجب أن يكون شاهد العيان صادقاً بإفادته، سواء من خلال السماع أو المشاهدة التي يفيد بها الجهات الأمنية، ولا يكون هناك أي تزوير أو كذب، لأن ذلك جريمة يعاقب عليها القانون .
ويضيف القيادة العامة بشرطة دبي بشكل عام تتلقى المعلومات من أي شخص حول أي فعل مخالف للقانون، عن طريق اتصاله بالجهات الأمنية، سواء بغرفة العمليات أو إدارة الشرطة أو الإدارة العامة للتحريات، لينقل المخالفة ليتم التحرك الأمني بشكل سريع للتعرف إلى الجريمة والمتهمين .
وأي مكالمة تردنا للتبليغ عن مخالفة نتعامل معها بحسن النية، إذ إننا نسجلها ونعالجها بكل جدية، ويتم بعد ذلك التأكد والمراجعة لمعرفة مصداقية البلاغ، وتخرج دورية لمتابعة الأمر، والتحقق من أنه بالفعل توجد هناك مخالفة، وتتم الإجراءات حسبما تشاهده الدورية .
وللتحقق من مدى صحة الإبلاغ، يقول الجلاف: أحياناً يتم الإبلاغ نتيجة سوء فهم حول مشكلة أسرية من أحد الأطراف، ولكن بشكل عام فمعظم البلاغات تكون صادقة نتيجة لتمتع الناس بثقافة جيدة في التعامل مع الأجهزة الأمنية في مثل هذه القضايا، لذا نتعامل مع بلاغاتهم كمعلومة نعمل بموجبها، وكمعزز لذلك نقوم بالتأكد من ناحيتنا .
وفي ما يخص التخوف من قبل بعضهم من أن الابلاغ سيسبب لهم مشكلة، يقول نطلب من كل شخص شاهد جريمة أو سمع بها، أو أي مشكلة وأمر سلبي من شأنه إلحاق الأذى بالمصلحة العامة بضرورة الإبلاغ عنها، فذلك يحقق الأمن للمجتمع، وتعاون الجمهور معنا إنما يعكس الحرص على السلامة العامة، فلا حاجة لمثل هذه التخوفات، لأنه لن يحاسب أحد عن النية الحسنة، ومن ناحيتنا لن نثقله بالإجراءات القانونية، إنما يقع عليه فقط الإبلاغ ونحن نتخذ الإجراءات القانونية لملاحقة المتهمين، باستثناء الجرائم الجنائية الكبيرة، حيث يتم الاستماع لشهود العيان لتعزيز التحقيق، ويعكسه، فمن يشاهد ما ذكر ولا يبلغ عنه سيكون بلا شك طرفاً سلبياً يضر نفسه والمجتمع .
ولكي يأخذ القانون مجراه في محاسبة المتهمين، لا بد من الاستعانة بشهود العيان، إذ يقول عادل محمد غنيم مستشار قانوني في دبي يصدر القاضي الجنائي الحكم على المتهمين استناداً إلى أقوال شهود العيان الذين يحضرون المحكمة كشرط أساسي لأخذ أقوالهم، مع ضرورة تأكيد أنهم شاهدوا الحادثة بأعينهم، أو أن فلاناً قد ارتكبها .
ويذكر نوعين من شهود العيان الذين تؤخذ أقوالهم في المحكمة، وهما: شهود الإثبات، أو شهود الإدانة، الذين شاهدوا الحادثة وقامت النيابة بجلبهم، والنوع الآخر من الشهود هم شهود النفي . ويقول: الذي يتم اتهامه بجريمة، عليه أن يثبت أن ليس له علاقة بها، ولم يكن في موقع الحدث ساعة ارتكابها، لذا فإن الشهود يشكلون الفصل في القضية، حسب عقيدة القاضي بصحة أقوالهم، فالذي شاهد الحادثة عن بعد قد تختلف شهادته عن الموجود على مقربة منها، وهنا إذا كانت الأقوال متفقة في الجوهر مع اختلافات بسيطة، فلا يوجد مشكلة في ذلك، وبعكسه لا، أما العقوبة فيقدرها القاضي طبقاً للقانون .
ويوضح غنيم أن شهادة الزور التي يدلي بها أحدهم قد تكون سبباً مباشراً في إصدار حكم بحق أحد المتهمين، كأن يحكم على أحدهم بالإعدام، وبعد تنفيذ الحكم يتبين أن تلك الشهادة كانت زوراً، سيتم القصاص من ذلك الشاهد وينال العقوبة التي تسبب بها، ويكون الإعدام بانتظاره، لأنه كان سبباً في إعدام شخص بريء .
ويؤكد أن محكمة الجنايات الدولية نفسها تعتمد على شهود العيان، ويتم الاعتماد عليهم بشكل مطلق عندما لا تتوافر مستندات، وبخاصة الشهود الناجون من الموت خلال أحداث معينة.
السلبية تعني ضعف الثقافة الأمنية
الخائفون يمتنعون عن الشهادة
هناك نوع من الجرائم والحوادث تحصل في الخفاء بمنأى عن أعين الناس، فتبقى لغزاً إلى أن يتضح أمرها بالتقصي والتحري من قبل رجال الأمن، ونوع آخر منها يحصل أمام أعين الناس، ويكون لهم الدور الرئيس في وصول رجال الأمن إلى الحقيقة .
وشهود العيان أنفسهم في هذه الحالة ينقسمون إلى نوعين، فمنهم من يكسر حاجز الخوف ويوصل المعلومة، كما شاهدها بعينيه، ونوع آخر يتكتم عليها لدواعي الخوف من أن يكون طرفاً في الحادثة أو يتم استدعاؤه بين الفترة والأخرى للادلاء بشهادته، فيختصر المشقة على نفسه بعدم التدخل .
يقول مدحت السيد، مندوب مبيعات في الشارقة، لدى ملاحظتي القريبة للحوادث اليومية التي أشاهدها في الشارع، أحاول المساعدة ضمن حدود المعقول، من دون التعمق في ذلك، ولو كانت تلك المبادرة ستجلب لي الأخذ والرد والمساءلة القانونية، فسوف أستغني عنها أيضاً، مهما كانت النتائج لاكتفائي بمشاغلي الشخصية .
يصف عبدالرحمن رشيد، محاسب في مركز تجاري في الشارقة، سلوكه بالحيادية تجاه أي قضية، وإن كانت شهادته عامل فصل في قضية تتعلق بمصير أحد الناس، ظناً منه أن تدخله هذا قد يجلب له استجواباً يومياً من قبل الجهات المعنية، فينعكس ذلك على وقته والتركيز الذي ينبغي توافره في العمل، بالاضافة لانعكاسه على أوقات فراغه، التي يحرص ألا يضيعها في أي شيء كان، خصوصاً أن كل فرد منا يواجه يومياً سلسلة من المشكلات والهموم التي تجعله لأن يكون بمنأى عن أي منغص آخر يزيد من توتره النفسي .
ويضيف: من المحتمل ان أشاهد الظاهرة السلبية من نقطة واحدة، ولا تكتمل لدي الرؤية الواضحة . ومن الممكن أن تزيد أفادتي من تذبذب الرؤية لدى المحققين، ما ينعكس سلباً على المتهمين، حيث إن الحكم على أحد الطرفين بناء على أقوالي غير المكتملة قد تسبب في إلحاق الأذى، لذلك لا أرغب في أن أكون طرفاً في القضية بمجمل الأحوال، بل أفسح المجال لمن هم أقرب لنقطة الحدث .
ويؤكد أشرف محفوظ مندوب مبيعات في دبي، دور الجهات المختصة بمتابعة تلك الحالات في نشر أرقام هواتفها التي يمكن للناس أن يتواصلوا معهما من خلالها . ويقول: يمكننا أن نبلغ عن تلك الحالات في المناطق التي لا يوجد فيها رجال الأمن، إن كان الوقت يسمح بتبليغهم والحضور قبل انصراف الفئة السلبية التي تخرق القانون، إلا أن غالبية تلك المواقف تحصل خلال ثوان معدودة، لا يسعف الوقت بالتبليغ عنها أو تصويرها .
ويضيف: سبب آخر يجول في ذاكر الناس وهم يتابعون الحدث السلبي في الشارع لدى التفكير بالابلاغ عنه، إذ إنهم يتوقعون أن رجل الأمن الذي يودون الاتصال به من الممكن ان يكون منشغلاً بشيء آخر أكبر وقعاً من الذي يحدث .
وحيث لا توجد لائحة من المخالفات التي يحاسب بموجبها المخالف، فلا يستطيع المرء أن يتكهن إذا كانت الحادثة التي يشاهدها هي بالفعل مخالفة للقانون أم لا، خصوصاً أنه لا يملك الصلاحية في توقيف مرتكبها في الشارع واستدراجه إلى نقطة معينة بمساعدة مجموعة من الناس حتى حضور رجال الأمن، ما يشكل نقطة غامضة لديه تدفعه ألا يكون صاحب مسؤولية عن موقف من الممكن ان يحاسب عليه نتيجة جهله بالقوانين .
ويتابع: شاهدت حادثة دهس طفل بالسيارة، حيث اجتمع من حوله لفيف من المارة، قاموا بالتبليغ، لكني حتى الآن لا أعلم ما أفعله بالضبط لو تعرضت لموقف يتعلق بحياة شخص، وأنا الشاهد الوحيد فهل من الصواب أن أبلغ الشرطة، حيث من المحتمل أن أتهم بإيذائه، أو أقوم بحمله لأقرب مستشفى، أو أقوم بالإبلاغ عن الحادثة وأترك المكان، أو اعتبر أنني لم أشاهد شيئاً وانصرف .
من خلال احتكاكه وتواصله اليومي مع الناس، وعدم رضاه في الوقوف عاجزاً في التعبير عن رأيه، يقول ماهر الرمحي، مهندس ومدير مصنع أثاث في دبي: طلبت كشاهد عيان في قضية، لأن أحد الطرفين كان يود انكار الحق وتبرئة نفسه من الخطأ، والغريب في الموضوع هو أنه تمت معاملتي أثناء توجهنا للتحقيق كمذنب، حيث لم يفرق رجال الشرطة بين الذي يسعى لأن يظهر الحق وبين المتهمين في القضية، والضحية والمجرم، لذلك نجد الناس يتهربون من الأدلاء بشهاداتهم .
ويضيف: رغم ذلك يمكن ان أشهد مرة أخرى على حادث لكنني لن أتدخل في أمر يسبب لي المضايقة، كأن أجد شخصين يتشاجران في الشارع، فلا ضرورة لتدخلي، إلا إذا كان الموقف يحمل طابعاً أكبر من ذلك .
يستذكر محمد غازي، مدير مشتريات في مجموعة بن زايد في دبي، انه وجد شخصاً في الستينات من عمره مغشياً عليه على الرصيف في شارع عام في إحدى مناطق دبي، تجمع الناس من جنسيات آسيوية من حوله، من دون أن يبادر أحدهم بمساعدته أو الاتصال بالاسعاف، إنما اكتفوا بمشاهدته وهو يطلب المساعدة منهم .
ويضيف: اتصلت بخدمة الاسعاف، وأعطيت العنوان، وبالفعل حضر المسعفون خلال دقائق معدودة، وقاموا بإجراء الفحوصات الأولية، وتبين فيما بعد ان ذلك الشخص طبيب في المستشفى الكندي، وهو مصاب بمرض القلب . وبعد وصول رجال الاسعاف والشرطة إلى مكان الحادثة، اخبرتهم بأني من قام بالاتصال بهم، وبالفعل كان رد فعلهم ايجابياً نحو هذا التصرف، وتم استجوابي من خلال توجيههم بضعة اسئلة حول الحادثة .
عمرو أبوشقرة، طالب جامعي، يقول: من الممكن ان أبلغ عن ظاهرة سلبية صغيرة، كالسرقة والحريق وما شابه، أما إذا كانت كبيرة كالقتل مثلاً، ولم يكن ثمة شهود آخرين سواي، فأنني بلا شك سأبتعد، وأحاول ألا يكون لي أية بصمة في الحادثة، تحسباً لأي إجراء من شأنه أن يثير الشكوك حولي .
ويضيف: أقصى حدود المساعدة التي يمكن أن أقدمها، الابلاغ عن الحادثة من دون كشف هويتي أحقق الرضا عن نفسي بمد يد المساعدة، وأضمن لنفسي السلامة والشكوك التي من الممكن أن تراود المحققين حول علاقتي بتلك الجريمة .
ويقول صدقي نجاد، كاتب ملفات في شركة تجارية في الشارقة: الجميع متفقون حول المواقف الايجابية التي يتصرف بها الناس في الشارع، أما بخصوص السلبية منها، فالأمر مرهون بحساسية المشهد ومتسع الوقت الذي نملكه للتدخل .
ويضيف: إن وجدت ظاهرة سلبية، أو أي موقف يتطلب التدخل الشخصي، فلن أبخل بذلك إن سمح لي الوقت، وبعكسه سأكمل طريقي وأفسح المجال للآخرين أن يقوموا بهذا الواجب بالنيابة عني .
وعن الظواهر السلبية الصغيرة التي تسبب الازعاج للناس والتي تحدث في الشارع يقول: يمكننا من خلال إسداء النصح ان نغير السلوك الخاطئ، كي نكون طرفاً ايجابياً في تلك السلوكيات قبل التوجه إلى الابلاغ عنه . ويستثنى من ذلك الظواهر الكبيرة التي تتطلب التدخل مهما كان السبب .
يؤكد ناجي خلفان جاسم الزعابي، موظف متقاعد في أبوظبي، أن الكشف عن السلبيات ضروري، وإنه خلال فترة عمله قام برصد أكثر من حالة خطيرة تتعلق بقضايا التزوير، وأبلغ الجهات المختصة بها، حيث تم القبض على المتهمين، وتحويلهم الى القضاء ومحاسبتهم .
ويصف الزعابي تهاون البعض في رصد تلك الحالات بالضعف، باعتبار ان المسؤولية والتدخل المباشر يمنعان وقوع أية سلبيات، خاصة ان التجاوب تقابله الجهات المعنية بالثناء والشكر، لذا فإن التذرع بحجج واهية في عدم توصيل الصورة السلبية لتلك الحالات يسهم في انتشارها . والحد منها يتم بالمساعدة الجماعية والتكاتف .
ويرى معتز خطيب، مدير مبيعات في المنطقة الحرة بدبي، أن شهود العيان، بامكانهم أن يجسدوا دور الرقيب على السلبيات التي تحدث في الشارع ونقلها بكل أمانة لرجال الأمن، كي يقوموا بدورهم بمتابعة عملهم .
ويقول: إذا كان هناك متسع لتقديم الخير فلما لا نقدمه، وإذا كان الوقت لا يسمح لنا أن ندلي بشهادتنا في الوقت المطلوب فالهاتف باستطاعته ان يتكفل بالأمر، إذ إنني شهدت على حادثة معينة، وأدليت بشهادتي لرجال الشرطة في مكان الحدث . ثم تواصلوا معي بالهاتف لاستكمال بقية الاستجوابات، إلى أن انتهى التحقيق وظهر الحق .
ويؤكد الخطيب ان عدم استطاعتنا تصحيح الأخطاء أحياناً لا يبرر عدم الشهادة أمام العدالة، فغياب رجال الأمن في لحظة وقوع حادثة ما لا يعني ان الصورة الحقيقية سيتم اختفاؤها فمازال هناك أناس يستطيعون أن يرصدوا تلك الحالة ويحملوها بكل أمانة انطلاقاً من أننا جميعاً معرضون لمثل تلك المواقف، ويجب أن نحرص أن يكون حق الجميع مصاناً من خلال الشهادة التي ندلي بها .
كريم عبدالمنعم، موظف طيران في الشارقة، يقول: هناك عادات سلبية نلاحظها في الشوارع العامة، وعلى الرغم من ان هذه السلبيات يتم ملاحقتها من قبل رجال الأمن، إلا انها تحتاج الى التعاون من الناس، فمثلاً لاحظت قبل فترة تجمع بعض الشباب من جنسيات آسيوية للعب القمار في الشارع، ولأنني لا أملك أرقام هواتف الجهات المختصة بمعالجة تلك الحالة، قمت بإبلاغ صديق لي، يعمل مستشاراً قانونياً، ووعدني أنه سينقل رسالتي إلى الجهات المختصة .
تأكيداً على الواجب الانساني في كشف النقاط السلبية وتسليط الضوء عليها من خلال المبادرة الشخصية، يقول صلاح محمد الكاشف، مسؤول مصنع في الشارقة: إذا تساهلنا مع هذا الواجب من خلال عدم الابلاغ في اللحظة المناسبة، بلا شك أن هناك من سيقوم به عوضاً عنا، لذا فلما لا نكون أصحاب المبادرة، لخلق جو من المثالية في نفوس الآخرين، ولما لا نكون نحن أصحاب الثواب؟
ومثالاً على تلك المبادرات، يقول الكاشف: انقلبت بي سيارتي في طريق عام في منطقة نائية، وساعدني المارة ولم يتركوني في حالة الاصابة البليغة التي تعرضت لها، بل امتدت مساعدتهم بعد تسجيل القضية والادلاء بشهادتهم وتواصلهم معي هاتفياً .
جرت العادة أن يقوم الناس بتصوير مقاطع فيديو لبعض المواقف وتبادلها لغرض التباهي بوجودهم في مكان الحدث لحظة وقوعه، لكن هذه المقاطع لا تتقدم كأدلة إلى الجهات المختصة، فمازال الاعتماد الكامل على آراء وأقوال شهود العيان .
ويقول وليد عبدالستار علي، مندوب في شركة تجارية بدبي، يبقى توثيق الحالات السلبية بتصويرها بالصوت والصورة بالهاتف أمراً مستبعداً، إلا لأغراض شخصية لا علاقة لها بمساعدة رجال الأمن في الكشف عن الحقيقة، بل الاعتماد مازال على ما تراه العين .
ورغم ذلك، يمكن لرجال الأمن أن يوثقوا الحادثة من خلال مقطع فيديو ويستفيدوا منه للحد من تلك الظواهر.