نادرآً ما ارتبط الشعر، كما الفن بوجه عام، بلحظات السعادة والفرح بل كان في أغلب الأحيان ينبثق من مناطق أخرى متصلة بالقلق والحزن والتوتر وانعدام الأمان . وقد يكون ذلك عائداً إلى تراجيديا الوجود الانساني التي يلفها الفقدان وفوات الأوان من كل جانب . ولعل قصيدة الانسان الأولى بدأت مع هبوط آدم وحواء من الفردوس، حيث راح الشعر يملأ المساحات الثقيلة الفاصلة بين ماضي الزوجين المترع بالدعة والهناءة والطمأنينة وبين حاضرهما المثخن بالمكابدات والآلام وقلق الإقامة على الارض . ولأن الانسان كائن آيل إلى الشيخوخة والموت بالضرورة فهو يجد في الشعر والفن بعضاً من العزاء .

لكن الأغنية التي يطلقها البشر علي البرزخ الفاصل بين موتين، وفق شوبنهاور، غالباً ما تثقلها الغصات والهواجس السوداء والخوف من المجهول .

لا يعني ذلك أن الشعر بمجمله قد استسلم لليأس والخوف وأن الشعراء جميعهم تحولوا إلى مروجين للإحباط والإنهزام أمام قدرهم المحتوم، بل ثمة من عرف كيف ينجو من المأزق عبر التحديق في الجانب المضيء من العالم أو النصف الملآن من الكأس بدءاً من الأبيقوريين الذين رأوا في الوجود العابر مناسبة لالتهام الحياة واقتناص جمالياتها ولذائذها، مروراً بشعراء التصوف الذين رأوا في روح الكون ما يوصلهم إلى الطمأنينة والغبطة الكلية، وليس انتهاء بالشعراء الذين مجدوا الحب ووهبوا أنفسهم وشعرهم لنداءاته، سواء كان حباً للمرأة أم للوطن والحرية والعدالة المنشودة . وعلى مر العصور كان ثمة اشراقات فرح متقطعة تنبعث من النصوص الشعرية التي خلفها لنا الأسلاف عبر نشيد الأناشيد العابق بروائح الشهوة والعشق أو نماذج الشعر الصوفي الرافلة بفرح الحضور الإلهي عند رابعة العدوية وابن عربي وجلال الدين الرومي، أو قصائد عمر بن أبي ربيعة ونزار قباني التي تتقاطع عند إعلاء المرأة جسداً وحضوراً وطاقة إغواء .

سيكون من الصعب بالطبع أن أتمكن في هذه العجالة من رصد النصوص والتجارب الشعرية والشواهد المتباينة التي تنتصر للفرح والأمل والتفاؤل بالحياة من جهة أو لتلك التي تميل إلى التشاؤم والحزن السوداوي من جهة أخرى . ولكن ما استوقفني في الفترة الأخيرة هو صدور ديوان جديد للشاعر السوري شوقي بغدادي بعنوان ديوان الفرح بما بدا دون قصد بالطبع نوعاً من الرد المتأخر على ديوان آخر لمواطنه الراحل محمد الماغوط بعنوان الفرح ليس مهنتي الذي صدر قبل أكثر من أربعة عقود ونصف من الزمن . ومن يعود إلى ديوان الماغوط المذكور لا بد أن يتنسم جواً من المرارة والسخط والتبرم من الحياة يشيع بين ثنايا السطور ويلقي بظلاله على مناخات القصائد: دموعي زرقاء من كثرة ما نظرت إلى السماء وبكيت، دموعي صفراء من طول ما حلمت بالسنابل الذهبية وبكيت، فليذهب القادة إلى الحروب، والعشاق إلى الغابات، والعلماء إلى المختبرات، أما أنا فسأبحث عن مسبحة وكرسي عتيق، لأعود كما كنت، حاجباً قديماً على باب الحزن، ما دامت كل الكتب والأساطير والدساتير، تؤكد أنني لن أموت إلا جائعاً أو سجينا .

وفي قصيدة أخرى يتمنى الشاعر لو يستيقظ من نوماه فيرى المقاهي والمدارس والجامعات مستنقعات وطحالب ساكنة وخياماً تنبح حولها الكلاب .

هذه النظرة إلى العالم لم تكن بعيدة عن الكثير من أعمال شوقي بغدادي السابقة وهو الذي تقاسم مع الماغوط الهزائم نفسها والغصات نفسها وحظي بنصيبه من الشقاء العربي المزمن . ولكن فجأة وفي مطالع ثمانيناته يخرج بغدادي على قرائه بديوان شعري مغاير ينضح بالفرح والبهجة والتصالح مع الذات، ومستهلاً ديوانه المذكور ببيان نثري أقرب إلى محاكمة الماضي المثخن بالندب والبكاء والتفجع منه إلى أي شيء آخر . وكما يفعل المتصوفة في تربصهم بلحظة النيرفانا العابقة بالنشوة ينصح بغدادي بتعلم التركيز، شأن بوذا، على نقطة واحدة في تأمل الوجود إلى ان تنفتح أخيراً موهبة الفرح الطالع من الأعماق حيث يتحول الانسان إلى نغمة صغيرة في سيمفونية الوجود الكوني .

أما قصائد الديوان فتتوزع بين عناوين مختلفة عابقة كلها بالحياة الظامئة دائماً إلى التفتح مثل البرعم وجسد يؤلف موسيقاه ومعجزة الياسمين واقتناص اللذة والطيران وغيرها .

لا يأبه شوقي بغدادي وهو يغص في شيخوخته بالآلام الكثيرة التي تعصف بجسده وروحه ولا بحروب البشر ونزاعاتهم من حوله ما دامت الحياة ما تزال قابلة للعيش والشمس ما تزال تطلع كل صباح . لذلك يعلن رغم كل شيء: ما ألطف هذي الدنيا/ما أجمل دهشتها بي/ما أعجب ما تمنحني منها أو من نفسي/ما أبدعها شمسي .