هذا ما سنتحدث عنه في حلقات من خلال دراسات وتفاسير وآراء لعدد من علماء علوم القرآن.
«واضرب لهم مثلًا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعنابٍ وحففناهما بنخلٍ وجعلنا بينهما زرعًا».. (الكهف: 32).
مشهد اليوم لجنتين مثمرتين توافرت لهما كل أسباب النمو والإثمار والحماية والرعاية، قال المفسرون: هما جنتان من أعناب يحيط بهما النخيل العالي الجميل، والزروع التي تملأ الفجوات الكبيرة لترسم هذه الزروع مع النخيل وعرائش العنب وبعض النباتات الحولية المثمرة منظراً رائعاً، ويشق الجنتين نهر لريهما، وبالإضافة إلى ذلك فقد من الله تعالى على صاحبهما بكثرة الرجال (وأعز نفرا) وبالقدرة على الإنفاق عليهما (وكان له ثمر) أي أن صاحب الجنتين له مصادر مالية أخرى غير محصول العنب والنخل.. وكلها خيرات أنعم الله بها على عبده، وميزه دون غيره ليشكر خالقه ويطعم البائسين، لكنه استعلى وأخذته العزة بالإثم فأصبح من النادمين.
بطر وغرور
«قصة الرجلين والجنتين ترسم أنموذجين واضحين أحدهما معتز بزينة الحياة، والآخر معتز بالله تعالى وكلاهما أنموذج إنساني لطائفة من الناس: صاحب الجنتين نموذج للرجل الثري الذي تذهله الثروة، وتبطره النعمة، فينسى القوة الكبرى التي تسيطر على أقدار الناس والحياة، ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى، فلن تخذله القوة ولا الجاه، وصاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتز بإيمانه، الذاكر لربه، يرى النعمة دليلاً على المنعم، موجبة لحمده وذكره، لا لجحود، وتبدأ القصة بمشهد الجنتين في ازدهار وفخامة: «كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا، وكان له ثمر» فهما جنتان مثمرتان من الكروم، محفوفتان بسياج من النخيل، تتوسطهما الزروع، ويتفجر بينهما نهر».
إنه المنظر البهيج والحيوية الدافقة والمتاع والمال: «ولم تظلم منه شيئا»، ويختار التعبير كلمة (تظلم) في معنى تنقص وتمنع، لتقابل بين الجنتين وصاحبهما الذي ظلم نفسه فبطر ولم يشكر، وازدهى وتكبر، وها هو ذا صاحب الجنتين تمتلئ نفسه بهما، ويزدهيه النظر إليهما، فيحس بالزهو، وينتفش كالديك، ويختال كالطاووس، ويتعالى على صاحبه الفقير، «فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً»، ثم يخطو بصاحبه إلى إحدى الجنتين، وملء نفسه البطر، وملء جنبيه الغرور، وقد نسي الله، ونسي أن يشكره على ما أعطاه، وظن أن هذه الجنان المثمرة لن تبيد أبداً، وأنكر قيام الساعة أصلاً، وهو يظن أنها لو قامت فسيجد هنالك الرعاية والإيثار، أليس من أصحاب الجنان في الدنيا فلابد أن يكون جنابه ملحوظاً في الآخرة!، «ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً وما أظن الساعة قائمة، ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً»، وهنا ترسم الآيات صورة لحال هذا الرجل، إنه الغرور الذي يجعل ذوي الجاه والسلطان والمتاع والثراء يتخيلون أن القيم التي يعاملهم بها أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم حتى في الملأ الأعلى! فما داموا يستطيلون على أهل هذه الأرض فلابد أن يكون لهم عند السماء مكان ملحوظ».
عزة الإيمان
وتنتفض عزة الإيمان في النفس المؤمنة، فلا تبالي المال والنفر، ولا تداري الغنى والبطر، ولا تتلعثم في الحق، ولا تجامل فيه الأصحاب، قال المفسرون..
هكذا يستشعر المؤمن أنه عزيز أمام الجاه والمال، وأن ما عند الله خير من أعراض الحياة، وأن فضل الله عظيم وهو يطمع في فضل الله، وأن نقمة الله جبارة، وأنها وشيكة أن تصيب الغافلين المتبطرين، وفجأة ينقلنا السياق من مشهد النماء والازدهار إلى مشهد الدمار والبوار، ومن هيئة البطر، والاستكبار إلى هيئة الندم والاستغفار، فلقد كان ما توقعه الرجل المؤمن: «وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا».
مشهد شاخص كامل، الثمر كله مدمر كأنما أخذ من كل جانب فلم يسلم منه شيء، والجنة خاوية على عروشها مهشمة محطمة، وصاحبها يقلب كفيه أسفاً وحزناً على ماله الضائع وجهده الذاهب، وهو نادم على إشراكه بالله، يعترف الآن بربوبيته ووحدانيته، ومع أنه لم يصرح بكلمة الشرك، إلا أن اعتزازه بقيمة أخرى أرضية غير قيمة الإيمان كان شركاً ينكره الآن، ويندم عليه ويستعيذ منه بعد فوات الأوان، ويسدل الستار على مشهد الجنة الخاوية على عروشها، وموقف صاحبها يقلب كفيه أسفاً وندماً، وجلال الله يظلل الموقف، حيث تتوارى قدرة الإنسان.
يقول الشيخ الشعراوي في تفسيره: «هاتان صورتان واقعيتان في المجتمع: كافر يستكبر ويستغني ويستعلي بغناه، ومؤمن قنوع بما قسم الله له»، وانظر إلى الهندسة الزراعية في قوله تعالى: «جعلنا لأحدهما جنتين من أعنابٍ وحففناهما بنخلٍ وجعلنا بينهما زرعاً»، فقد علمنا الله تعالى أن نجعل حول الحدائق والبساتين سوراً من النخيل؛ ليكون سياجاً يصد الهواء والعواصف، لقد غره واقع ملموس أمام عينيه استبعد معه أن يزول عنه كل هذا النعيم، ليس هذا فقط، بل دعاه غروره إلى أكثر من هذا فقال: «وما أظن الساعة قائمة..»، فأطلق لغروره العنان».
لذلك نرى أن سيدنا جعفر الصادق - رضي الله عنه - وكان عالماً بكنوز القرآن، ورأى النفس البشرية، وما يعتريها من تقلبات تعكر عليها صفو الحياة من خوف أو قلق أو همٍ أو حزن أو مكر، أو زهرة الدنيا وطموحات الإنسان فيها، قال «عجبت لمن طلب الدنيا وزينتها، صاحب في الدنيا المتطلع إلى زخرفها كيف لا يفزع إلى قوله تعالى: «ما شاء الله لا قوة إلا بالله..»، (الكهف: 39)، فإني سمعت الله بعقبها يقول: «فعسى ربي أن يؤتين خيراً من جنتك»، (الكهف: 40)، فإن قلتها على نعمتك حفظت ونمت، وإن قلتها على نعمة الغير أعطاك الله فوقها.