مصطلح الشعر العامي أو الشعر الشعبي أو الشعر الملحون تدل كلها على ذلك الشعر الذي ينظم بلهجة من اللهجات العامية العربية على أوزان وقواف مخصوصة، ليست هي الأوزان الخليلية المعروفة في الشعر الفصيح، ويسمى في الخليج النبطي وفي مصر شعر الزجل، ويلاحظ معظم المتابعين للساحة الشعرية العربية تزايداً متسارعاً في الاهتمام بالشعر العامي يترجمه انتشار الإعلام المتخصص فيه، فبعد أن كان الشعر الشعبي ملحقاً بالفلكلور وخارج اهتمامات ثقافة النخبة وبعيداً عن الصفحات الثقافية في الجرائد العربية، أصبح اليوم يحجز لنفسه مكانة يتزايد اتساعها في تلك الثقافة وحيزها على تلك الصفحات، وبعد أن لم يكن له إعلام متخصص، ها هو اليوم يعرف طفرة إعلامية كبرى .

قفزت مجلات الشعر الشعبي في بلدان الخليج من مجلة واحدة هي مجلة الغدير التي تأسست في الكويت في عام 1989 م إلى نحو 25 مجلة اليوم، ووصلت القنوات الفضائية المتخصصة إلى نحو 15 قناة، ناهيك عما في مصر وسوريا ولبنان والعراق واللائحة طويلة، وما على الإنترنت من منتديات ومواقع متخصصة في الشعر الشعبي لا يمكن حصره، وأصبح الشعراء الشعبيون نجوماً في المجتمع يضاهون نجومية لاعبي كرة القدم أو الممثلين، وصار يدون في دواوين تجد إقبالاً كبيراً من طرف القراء، ويكفي أن شاعر العامية المصري المعروف عبد الرحمن الأبنودي قد أصدر حتى الآن عشرين ديواناً طبع بعضها ثلاث مرات وهو رقم قياسي من النادر أن يصله شاعر من شعراء الفصحى، كما انتشرت المسابقات الشعرية والجوائز الأدبية الرفيعة التي ترصد للشعر العامي، وفي المقابل تناقص الاهتمام بالشعر الفصيح وقل حضوره في الصحافة والإعلام وتوقفت معظم المجلات المعنية به وأصبح الباقي يئن تحت وطأة انحسار التمويل، ولم يعد لشعراء الفصيح تلك الجاذبية التي كانت لهم في العقود الماضية، فما أسباب تزايد الاهتمام بالشعر العامي وما أسباب تناقص الاهتمام بالشعر الفصيح؟ وهل يشكل الأول خطراً على الثاني؟

لم يفارق الشعر الشعبي المجتمعات العربية على مر الزمان، ولم تسلم المناطق العربية من اختلاف في لغاتها، فقد كان العرب يتكلمون لغات عدة قبل سيادة لغة الحجاز واعتبارها اللغة الفصحى الجامعة لهم، وكانت بين تلك اللغات أوجه تباين تضيق وتتسع حسب القرب والبعد بين المناطق، فلما انتشرت لغة أهل الحجاز لأسباب سياسية واقتصادية معروفة، قضت على معظم تلك الفروق، فاضمحلت لهجاتهم ولم يبق منها إلا ما تناقله النحويون من شواهد على مذاهبهم في التقعيد أو ما وردت عليه بعض أوجه قراءة القرآن، وذهب معها الشعر الذي يقال بها، ولم يُرو غير الشعر الذي نظمه أصحابه على اللسان السائد، إلا ما قل وندر، ومن المؤكد أنه كانت لتلك اللغات أشعارها الخاصة بها، حيث يمكن اعتبارها الشكل القديم للشعر العامي، أما الشكل الحديث له فهو متأخر نسبياً وتعود نشأته إلى عصور التوسع التي عرفتها دولة الخلافة الإسلامية خاصة في العصر العباسي وما تبعه من الدول المتعاقبة، فقد نتج عن ذلك التوسع اختلاط العرب بشعوب غير عربية واختطاطهم للمدن واستقرارهم فيها، ما أوجد واقعاً لغوياً جديداً امتزج فيه لسان العرب بألسنة أمم أخرى واحتاج فيه الناس في مخاطباتهم اليومية إلى التخفيف من إعراب الألفاظ، ليقتربوا من روح ذلك الخليط المدني، فابتعدوا بذلك عن السليقة العربية الفصيحة التي تقوم على إحكام الإعراب واستقامة البناء الصرفي، فتحدث العامة بلغة ملحونة، واستتبع ذلك أن قرضوا بها شعراً يتامشى في بنائه ووزنه مع لحن تلك اللغة وصيغ القول فيها، ويبدو أن الأمر قد سبق ابن خلدون المتوفى في عام (808ه) بقرون فهو يتحدث عن ذلك اللون من الشعر كواقع في أيامه ويحدد أسباب نشأته قائلاً: اعلم أن الشعر لا يختص باللسان العربي فقط، بل هو موجود في كل لغة سواء كانت عربية أو عجمية ( . . .) ولما فسد لسان مضر ولغتهم التي دونت مقاييسها وقوانين إعرابها وفسدت اللغات من بعد بحسب ما خالطها ومازجها من العجمة، فكان لجيل العرب بأنفسهم لغة خالفت لغة سلفهم من مضر في الإعراب جملة، وفي كثير من الموضوعات اللغوية وبناء الكلمات، وكذلك الحضر في الأمصار نشأت فيهم لغة أخرى خالفت لسان مضر في الإعراب وأكثر الأوضاع والتصاريف وخالفت أيضاً لغة الجيل من العرب لهذا العهد ( . . .) فلم يهجر الشعر بفقدان لغة واحدة وهي لغة مضر الذين كانوا فحوله وفرسان ميدانه حسبما اشتهر بين أهل الخليقة بل كل جيل، وأهل كل لغة من العرب المستعجمين والحضر أهل الأمصار يتعاطون منه مايطاوعهم في انتحاله ورصف بنائه على مهيع (أسلوب) كلامهم .

ويدل على صحة رأي ابن خلدون كون كثير من المؤرخين للشعر العامي في كل منطقة من مناطق العرب يفسرون نشأته باختلاط أهل تلك المنطقة مع أمم أخرى فالزجل الذي هو أقراب أنواع الشعر العامي إلى أبنية الشعر الفصيح نشأ في الأندلس بعد اختلاط العرب بالسكان الأصليين وشيوع اللحن في لغتهم ثم انتقل إلى مصر وبلاد الشام، وأما الشعر النبطي فقد نشأ في الجزيرة العربية ماما يلي أرض الأنباط على ما يذهب إليه بعض المؤرخين، وجاء على لغة العامة الملحونة الخارجة عن اللغة المعربة ونشأت أوزانه تبعاً للحون تلك اللغة وإيقاع التكلم بها فشبه لذلك بكلام الأنباط الأعاجم فسمي نبطياً، وبمثل هذا التلاقي والاختلاط نشأت جميع الأنواع الشعرية العامية الأخرى في العراق والشام وبلاد المغرب .

الشعر الشعبي ليس وليد العصر الحديث ولم يكن غائباً عن أي من المجتمعات العربية منذ أمد بعيد، فقد كان هناك دائماً شكل من أشكال هذا الفن الأدبي اللصيق بروح المجتمع المعبر عن أخص خلجاته الغائص في أبعد طبقاته، يعبر به الكبير والصغير، والعامل والعاطل، والحضري والبدوي، وأصحاب الحرف والصناعات على اختلافها عن مكنونات أنفسهم فيصفون أفراحهم وأتراحهم وكل ما يعتريهم من حالات نفسية وكل ما هم فيه من أوضاع اجتماعية، كان هو المتنفس لهم في أعمالهم ومعاناتهم اليومية، لكنه لم يكن يدخل إلى ساحة الثقافة العالمة ولم يكن الذين يتعاطون هذه الثقافة يهتمون به، بل اعتبروه في بعض الأحيان أقل مكانة من الشعر الفصيح، وهذا واضح من كلام ابن خلدون السابق، فرغم موضوعيته في تقديم أسباب نشأة الشعر العامي فإنه ينسبه إلى الفساد وذهاب السليقة والعجمة التي شابت لسان العرب في زمانه، وهذه النظرة المقللة من شأن هذا الضرب من الشعر هي التي ستحكم تعاطي أهل الأدب الرسمي معه على مر العصور العربية اللاحقة وستحدد لذلك موضعه خارج مسطرة الآداب الرسمية المعترف بها، لكن مع النهضة الحديثة وتكون الدولة الوطنية بدأ الوضع يتغير وأصبح كل مجتمع يميل إلى التعبير عن خصوصيته، وإظهار سماته الوطنية، ويتبنى لذلك الأدوات القادرة على إبراز مميزاته تلك الخصوصية من فنون وآداب فكان الشعر العامي أهم تلك الأدوات وأبلغها في إظهار الخصوصية، وتطور الأمر إلى أن صار إلى ما هو عليه الآن من حضور واسع واكتساح للساحة الأدبية .

يتفق معظم الباحثين على أن الشعر الفصيح يشهد تراجعاً كبيراً، ويرى الباحث عبد الله الطابور أنما أن تراجعه ليس وليد اللحظة الحاضرة بل هو نتاج قرون سابقة من الانحطاط ضعف فيها الشعر العربي وقل الاهتمام به، وقد شهد الشعر العامي خصوصاً النبطي في الخليج ازدهاراً كبيراً في تلك الفترة، ومع بداية القرن العشرين أسس تجار اللؤلؤ في الإمارات مدارس لتعليم اللغة العربية والدين الإسلامي واستجلبوا لها المدرسين من جميع أنحاء الوطن العربي، وكانت تلك المدارس بداية لنهضة ثقافية كبيرة، حيث تخرج منها مثقفون وعلماء وأدباء كثر ازدهرت على أيديهم حركة الشعر العربي الفصيح وتعاظم الاهتمام به، وكان من أثر نشاطها وقوتها أن المستعمرين الإنجليز وقفوا في وجهها بحظرهم استيراد الكتب العربية التي كانت تأتي من مصر ولبنان، فكانوا يصادرون تلك الكتب ويغرمون من يأتي بها، سعياً منهم إلى قطع المنطقة عن أفقها العربي والاستئثار بها، وقد أعاق حصارهم ذلك حركة تطور الشعر الفصيح والثقافة العربية لعقود، ما أفسح المجال للشعر العامي أن يلعب دوراً أكبر في حياة المجتمع ويكون له صوت مسموع باعتباره حاضراً دائماً، ورغم الحصار فإن الحركة الثقافية تواصلت ونمت بشكل كبير وازدهر الشعر، لكنه كان يمكن أن يأخذ دوراً أكبر وحضوراً أوسع لو لم يشهد ذلك الحصار .

ويضيف عبدالله الطابور أن انقسام الوطن العربي إلى أقطار عدة نجم عنه سعي كل قطر إلى إبراز خصوصيته وإلى التعبير بلغته المحلية، فكان للشعراء الشعبيين حضور على الساحة الوطنية ما اضطر الإعلام إلى الانفتاح عليهم وعلى إنتاجهم، وهو ما زاد في ظهور الشعر العامي في كل قطر من الأقطار العربية، وقد أشاع ذلك أيضاً التعاطي باللغة العامية في كثير من وسائل الإعلام الخصوصية في تلك الأقطار، وحدثت ردة عن اللغة الفصحى، وكان لغياب التوعية بخطر الردة عن الفصحى على وحدة الأمة وهويتها المشتركة، وعدم وجود برنامج لحمايتها دور في هذا التراجع .

أما الدكتور محمد ولد عبدي الباحث في هيئة الثقافة والتراث في أبوظبي فيوافق على الرأي القائل بأن الشعر الفصيح تراجع، ويعدد أسباب ذلك في انعزال اللغة الفصحى في إطار أكاديمي صرف وعدم مواكبتها لمجريات الحياة اليومية، ما جعلها بعيدة عن المتلقي، والوجدان الجمعي وذاكرة المجتمع الذي يتكلمها، وحفظها لقصص وحكايات الإنسان العادي، بعكس العامية الثرية بالتعبيرات والاستعارات والمجازات المستخلصة من واقع الحياة والمعبرة بحميمية عن الأفراد ما أكسبها قدرة على مواكبة أحداث حياة الناس وتطوراتها، وجعلهم أميل إلى التعبير بها عندما يريدون ملامسة أعماق الذات أو الوجدان الجمعي، كما أن اللهجة المحلية قادرة على مواكبة كل التحولات المادية والفكرية التي يخضع لها المجتمع، من خلال استيعاب الجديد الناشئ عن الاحتكاك بالآخر ما جنبها أزمة التعبير عن الجديد وأزمة المصطلح التي تعاني منها الفصحى عندما تواجه اختراعاً جديداً أو تعبيراً لا تعرف كيف تستوعبه، فالدارجة إما أن تدخله بلفظه الأجنبي كاملاً أو تحرفه ليناسب صيغها الصرفية، ومن أسباب هذا التراجع الرغبة الداخلية لدى كل مجتمع عربي وكل قطر إلى التميز، وإظهار الخصوصية تأكيداً لوطنيته أو قطريته، فكان التشبث بالمنجز الإبداعي المحلي أحد أهم السبل إلى ذلك المسعى .

هذه الصورة لا تعني أن الشعر العامي لا يحتوي على مقومات الإبداع، أو أنه لا يمتلك من الأدوات الفنية التي تخوله أن يصل إلى أسمى درجات الجمال الفني، كما يستطيع الشعر الفصيح ذلك، بل هو يمتلك الأدوات التي تؤهله لذلك، وربما يكون توغله في وجدان المجتمع وامتلاكه جدة العبارة وسخونتها يجعله أسرع إلى ذلك من غيره من الفنون الأدبية، كما يرى ذلك الدكتور جورج زكي الحاج أستاذ الأدب العربي في الجامعة اللبنانية في حوار سابق له مع جريدة المساء الجزائرية فهو يقول في سياق مقارنة بين هذين النمطين الشعريين هناك شعر في العامية يفوق بآلاف المرات مستوى الشعر بالفصحى، وأؤكد أنّ 85 في المئة من شعر الفصحى يمكن أن يرمى في البحر ولا يحزن عليه، بيد أنّ هناك قصائد في العامية تفوق بروعتها قصائد كبار شعراء الفصحى، وأنا أحكي عن العامية المتطوّرة كاللبنانية، مثل شعر سعيد عقل أو ميشال طراد أو الرحباني، حتى إنّ هناك شعراء مثل أسعد سابا وأسعد سبلي، نزلت أسماؤهم في قاموس لاروس وهم لا يعرفون الكتابة بالفصحى، فهم شعراء عاميون فقط، لكنهم طرحوا أفكاراً عالمية، وربما تكون قدرة اللهجة على التكيف مع الواقع ومستجداته واستيعاب الأسماء والمصطلحات الجديدة هي ما يسهل على الشاعر العامي مهمة اختراع صوره وانتزاعها من الواقع بسهولة، مستعيناً بذلك المخزون اللفظي المتجدد في هذه اللغة الذي لا يهتم في الأصل باستجابته لقواعد لغته، ومناسبته لبنائها الصرفي، كما هو حال شاعر الفصحى الذي يقف حائراً أمام وصف أشياء الحياة وما تقذفه التقنية كل يوم من مخترعات لا يجد لها مقابلاً في لغته الأصلية، فيكلفه ذلك عناء شديداً، ويحتم عليه أن يتولى هو نفسه اختراع الألفاظ واشتقاق الصيغ لتلك الأشياء كي يستطيع وصفها .

أما في ما يتعلق بخطر الشعر العامي على الشعر الفصيح فإن الباحثين يكادون يجمعون على أنه ليس له خطر عليه وإن كان يوجد مثل ذلك الخطر فهو ضيئل ومحدود، ولن يطول أمده، والشعر الفصيح يستمد قوته من صلابة اللغة الفصحى وقوة مرجعيتها وإرثها الحضاري ويرى الدكتور جورج زكي الحاج في المقابلة المذكورة آنفاً أن الفصحى ليست ركيكة إلى هذا الحد حتى تنهار أمام أيّة حركة رغم كلّ المعاناة التي تعانيها، والمصرية انتشرت كثيراً، حيث إنّ هناك آلاف الدواوين بالعامية لم تؤثّر في الفصحى، فبقي الأزهر مرجعاً ومجمع اللغة العربية كذلك، إضافة إلى لبنان الذي تفاخر بضمّها عدداً لا يحصى من الأدباء، لديها شعر عامي جيّد جداً، وبقي من يتكلّم الفصحى جيّداً، هذه الصلابة في أرضيه الشعر الفصيح تجعله غير مهدد بالشعر العامي، بل هو يشكل ثراء له كما يرى عبدالله الطابور، وشرط ذلك عنده أن يوجد الشعراء القادرون على الاستفادة منه تصويراً ولغة، فالشعر كما قال لا حدود له، ولا أطر تسد طريقه، فهو مفتوح على كل اللغات يأخذ منها ويعطي، وخصوصاً إذا كانت تلك اللغات لهجات داخل جسم اللغة الواحد فالأخذ أسهل والاقتباس أسلس، وكان نزار قباني يستفيد من العامية ويوظفها في شعره، وفي تاريخ الشعر الإماراتي أمثلة لذلك فقد كان الشاعر سلطان بن اسليم والشاعر مبارك الناخي متمرسين بالشعر النبطي ووظفوا خبراتهما فيه في أشعارهما بالفصحى .

ويتفق الدكتور محمد ولد عبدي مع رأي الطابور في أنه لا خطر على الشعر الفصيح من العامي بل قد يكون فيه ثراء له، ويقول إن الذين ينظرون إلى مفهوم الوحدة من منظار ضيق يرى أنها تعني المماثلة التامة في كل شيء يظنون أن شيوع الأشعار العامية واللهجات المحلية فيه خطر على الشعر الفصيح، لكن إذا نظرنا إلى الوحدة بمفهومها الواسع الذي يقتضي التنوع، ويراعي خصوصيات كل مجتمع أو منطقة أوفئة، ويعتبر أن وجود تلك الاختلافات الصغيرة هو ثراء للمجموع، وكما يقول الفرنسيون لا شيء أسمى من الوحدة في التنوع، ووجود أنماط شعرية متعددة في كل منطقة من مناطق العرب هو رافد للشعر الفصيح الذي هو ناظم للقول الشعري لدى العرب، إذا نظرنا من هذا المنظار فسنجد أنه لا خطر على أحدهما من الآخر وأن في تفاعلهما ثراء واستمرارية وجود وقدرة متجددة على التطور .

ويركز الدكتور أحمد الزعبي رئيس قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة الإمارات على المستوى الثقافي للمتعاطين لكلا النمطين ونوعيتهم لنفي خطورة أحدهما على الآخر فكلا النمطين الشعريين تجاورا عبر الأزمنة والأمكنة، ولم يهدد أحدهما الآخر أو يأخذ مكانه، بل زاوج بعض الشعراء بينهما وأبدع في كليهما، وسيظل للفصيح جمهوره من المثقفين والمتخصصين وللعامي جمهوره، وخاصة تلك الأشعار العامية المتميزة التي كتبها بيرم التونسي أو صلاح جاهين مثلاً، أو تلك الأشعار التي أصحبت أغنيات مشهورة لأم كلثوم وفيروز، أما القلق الذي ينتاب بعض الدارسين للشعر العامي، فسببه الرئيسي أن الشعر العامي محدود الانتشار ويقتصر على أهل اللهجة التي يقال بها، وذلك لصعوبة بعض المفردات غير الفصيحة التي يجهلها أهل المناطق الأخرى، أما الفصيح فيستطيع كل عربي مثلاً أن يفهمه من دون عناء .

إن المشكلة الرئيسة في الشعر فصيحاً كان أو عامياً في ظاهرة تراجع مكانته من قائمة اهتمامات الإنسان المعاصر الذي شغل بأشياء أخرى كثيرة في عالم التكنولوجيا والإعلام والفضائيات والإنترنت وغيرها، الأمر الذي جعل الأدب والثقافة بعامة والشعر بخاصة في ذيل القائمة من اهتمامات إنسان هذا العصر .

أما الدكتور حسام النعيمي أستاذ فقه اللغةما والمستشار اللغوي في تلفزيون الشارقة فيوافق على مبدأ عدم خطورة الشعر العامي على الفصيح، لكنه يذهب مذهباً آخر في تبرير رأيه فهو يعتبر أنه رغم الضجة الإعلامية الحاصلة حول الشعر العامي الآن ورغم فتح القنوات أمامه، فإن ذلك لن يؤثر في الأمد البعيد في الفصيح لأن الشعر الشعبي مكبل بمحليته التي تجعله غير قادر على الذهاب بعيداً خارج الإطار الجغرافي والاجتماعي الذي يتكلم اللهجة التي يكتب بها، ولا يمكن أن يعم على القارئ العربي في أنحاء الوطن العربي، فهو من هذه الناحية يحمل بذور عجزه عن الاستمرار، وعدم قدرته على تشكيل تواصل عريض برقعة الوطن العربي، وكشاهد على ذلك يضرب النعيمي مثلاً بالشعر المحلي الذي يكتب في الموصل والذي يجد أبناء بغداد صعوبة في فهمه وشعر بادية العراق حيث لا يفهمه أهل المدن، وشعر الشيوخ والمخضرمين لا يفهمه اليوم فئات الشباب الجديدة فهذه الاختلافات وعوائق التفاهم تفقد أشعار العاميات قدرتها على الحلول محل الشعر الفصيح الذي يبقى هو الطريقة الوحيدة في النظم الأدبي القادرة على جمع شتات الأمة ومخاطبتهما .

ويضيف النعيمي أن لغة الشعر العامي هي لغة الكلام اليوم وتلك سريعة ومتغيرة بينما لغة الشعر الفصيح هي اللغة المكتوبة وهي قارة وثابتة ولا تؤثر فيها عوامل الاندثار والاضمحلال التي تهدد لغة الخطاب اليومي .