خرجت حملة نور الدين الثالثة إلى مصر سنة ،1168 بزعامة شيركوه الذي اصطحب معه ابن أخيه صلاح الدين أيضاً.
وهنا نتوقف قليلاً أمام حدث تحرص المراجع المعاصرة على إبرازه يتمثل في تمنع صلاح الدين عن الاشتراك في الحملة الثالثة، ومن ذلك ما يرويه ابن الأثير من أن صلاح الدين قال لعمه عندما دعاه إلى المجيء في صحبته إلى مصر في المرة الثالثة والله لو أعطيت ملك مصر ما سرت إليها، فلقد قاسيت في الإسكندرية وغيرها ما لا أنساه أبداً. كذلك يروي أبو المحاسن أن نور الدين قال لصلاح الدين اخرج مع عمك أسد الدين، فامتنع صلاح الدين وقال يكفي ما لقيناه من شدائد في تلك المرة، فأجبره نور الدين على الخروج. أما ابن شدّاد فيروي عن صلاح الدين أنه قال بنفسه كنت أكره الخروج في هذه الواقعة، وما خرجت مع عمي باختياري. وفي رأينا، أن المؤرخين إنما قصدوا من تلك الإشارات إيضاح أهمية الدور الذي يلعبه القدر والنصيب المكتوب، وكيف أن نور الدين ألح على صلاح الدين في الذهاب إلى مصر دون أن يدري أن صلاح الدين هذا سيكون منافسه في المستقبل، وأنه سيستغل ثروة مصر للوقوف في وجهه، وأنه سيرثه في دولته. كذلك كيف أتى صلاح الدين إلى مصر كارهاً دون أن يدري أنه على موعد مع القدر، وأن نجمه لن يلبث أن يتألق في تلك البلاد. ويؤكد القاضي ابن شدّاد هذا المعنى الأخير عندما يعقب على تمنع صلاح الدين عن الحضور إلى مصر بالآية الكريمة: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ.
دخول القاهرة
وسواء حضر صلاح الدين مع عمه شيركوه راضياً أم كارهاً، فالمهم أنه وصل إلى مصر سالماً في أواخر سنة 1168 وقد فرح أهل مصر بشيركوه فرحاً عظيماً، واستقبلوه استقبال البطل المخلص عند وصوله إلى القاهرة. وعندما رأى عموري الأول التفاف أهل مصر حول شيركوه وترحيبهم به بوصفه مدافعاً عن الإسلام، لم يستطع البقاء في البلاد واضطر إلى أن يسحب رجاله وينصرفوا عائدين إلى بلادهم بخفى حنين، خائبين مما أملوه. أما شيركوه، فقد عسكرت قواته عند أرض اللوق على باب القاهرة، فاستدعاه الخليفة العاضد الفاطمي إلى القصر وخلع عليه خلعة الوزارة ولقبه بالمنصور، وأخذ أرباب الدولة يترددون إلى خدمته كل يوم.
وقد اجتمع أعيان الدولة بمصر عند شيركوه وقالوا له شاور أفسد العباد والبلاد، وقد كاتب الفرنج، وهو يكون سبب هلاك الإسلام وطالبوه بقتله. وهكذا انتهى الأمر بقتل شاور وولده الكامل في يناير سنة 1169 وقيل: إِن الخليفة العاضد الفاطمي شارك في المؤامرة التي عصفت بشاور. وبعد ذلك، دخل شيركوه وصلاح الدين القاهرة ظافرين حيث أباحا للناس نهب قصر شاور.
في منصب الوزارة
وشاءت المقادير أن يموت شيركوه بعد شهرين أي في مارس سنة 1169 وعندئذٍ خلفه صلاح الدين ليجني ثمرة جهده. ذلك أن الخليفة العاضد ولّى الوزارة لصلاح الدين وهو في الحادية والثلاثين من عمره. وهنا أيضاً تحرص بعض المراجع على الإشارة إلى تمنّع صلاح الدين يوسف عن قبول منصب الوزارة، ولكنه ألزم به، وأحضر إلى القصر، وخلعت عليه الوزارة. ويعلق أبو المحاسن على تمنع صلاح الدين عن قبول منصب الوزارة بقوله وإن الله ليعجب من قومٍ يقادون إلى الجنة بسلاسل. ويبدو أن قيام صلاح الدين في منصب الوزارة لم يتم دون معارضة أو منافسة من جانب كبار الأمراء النورية. ذلك أن جيش شيركوه في مصر كان يضم جماعة من أكابر أمراه نور الدين، مثل عين الدولة الياروقي وقطب الدين خسرو وسيف الدين عليّ بن أحمد المشطوب وشهاب الدين الحارمي خال صلاح الدين.. وجميع هؤلاء تطلعوا إلى الوزارة عقب وفاة شيركوه. ولكن الخليفة العاضد الفاطمي أصر على اختيار صلاح الدين بالذات للوزارة، وربما ظن العاضد الفاطمي أن صغر سن صلاح الدين وعدم خبرته سيجعلان منه أداة سهلة في يد الخليفة، يستغلها في القضاء على بقية أعوان شيركوه من القادة العتاة. ويذكر ابن الأثير أن أصحاب الخليفة العاضد قالوا له: ليس في الجماعة أضعف ولا أصغر سناً من يوسف (صلاح الدين)، والرأي أن يولّى (الوزارة) فإنه لا يخرج من تحت حكمنا.
ولكن صلاح الدين لم يكد يتولى الوزارة حتى خيّب ظن الخليفة الفاطمي، إذ شرع في استمالة قلوب الناس إليه، وبذل من الأموال ما كان أسد الدين شيركوه قد جمعه فمال الناس إليه وأحبوه.. وضعف أمر العاضد. ثم إن صلاح الدين أخضع مماليك شيركوه، وسيطر سيطرة تامة على الجند، بعد أن أحسن لجميع العسكر الشامي والمصري فأحبوه وأطاعوه. وكان ذلك في الوقت الذي أمده نور الدين بقوة جديدة من العسكر، فيها شمس الدين توران شاه بن أيوب، أخو صلاح الدين.