والقرآن الكريم في بنائه الأخلاقي للإنسان جاء بكل ما هو راق ومتحضر، وسما بسلوكه فوق كل الصغائر، ورسم له حياة راقية تغلفها المعاني الإنسانية الرفيعة ليكون إنساناً سوياً، قادراً على التعايش والتعاون مع كل المحيطين به، مترفعاً عن الصغائر، متجنباً للرذائل، مجسداً صورة زاهية لدينه، ملتزماً في سلوكه وأخلاقه وتعاملاته مع الناس جميعاً بما كان عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذي قال عنه خالقه "وإنك لعلى خلق عظيم" .
جعل القرآن الكريم صلة الرحم فضيلة من أعظم الفضائل، وحث المسلم على أن يتحلى بها ليحظى برضا الخالق والمخلوق، وعلق اكتمال إيمان الإنسان على مدى التزامه بهذه الفضيلة، وحذر القرآن في عدد من آياته من رذيلة قطع الرحم، وهدف القرآن من الحض والتحذير هو مصلحة الإنسان، فغياب هذا العطاء الإنساني "صلة الرحم" يؤثر في جميع أفراد المجتمع، سواء المقدم للعطاء أو المستفيد منه على السواء .
يقول العالم الأزهري، د . محمد أبو ليلة، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر: صلة الرحم التي أولاها القرآن أهمية خاصة من أعظم الأخلاق التي تقوي عروة الدين، وتعزز قيمة النسب، وتؤسس للعلاقات الطيبة بين الناس، كما أنها تساعد على استقرار الأسر والمجتمعات، وعلى شيوع روح الحب والتآلف والتعاون بين أفراد المجتمع، وتجعل الكل يعيش في سكينة وطمأنينة، ذلك أن من أهم سمات المجتمع المسلم الترابط والتحاب والإيثار والتعاون .
وصلة الأرحام، كما يقول د . أبو ليلة، كصلة أعضاء البدن الواحد بعضها ببعض، فبهذه الصلة تتحقق سلامة البدن وقوته، كما أنه باختلالها أو فقدانها يصير البدن ضعيفاً عاجزاً، ثم لا يلبث أن يكون جثة هامدة .
وعلامات صلة الرحم في منظومة القرآن الأخلاقية، كما يقول د . أبو ليلة، كثيرة ومتنوعة حيث حث القرآن على الإحسان إلى الوالدين وذكرهما في سياق الأمر بعبادة الله وحده، يقول سبحانه: "واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً"، كما قال سبحانه: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً" . . كما حض القرآن على صلة الرحم فقال سبحانه: "وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً" .
واجب . . ومستحب
* لكن ما هي الرحم التي حث القرآن الكريم على التواصل معها؟
قسم بعض العلماء الرحم التي ينبغي أن توصل إلى صنفين هما:
- رحم عامة، وهي رحم الدين، وصلتها تكون بالتواد والتناصح والعدل والإحسان والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة .
- ورحم خاصة وهم الأقارب بدءاً من الأبوين والجدين ومروراً بالأشقاء والشقيقات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وكل من يتفرع عنهم ويتصل بهم، وهم الذين أشار إليهم الحق سبحانه في قوله: "وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض"، والرحم الخاصة تشمل أيضاً كل من يتصل بهم الإنسان بصلات نسب، وصلة هؤلاء تكون بمودتهم والتواصل معهم، وتقديم كل مساعدة لمن يحتاج منهم، وتفقد أحوالهم، والتجاوز عن زلاتهم، وفي ذلك قال القرطبي: "فالصلة درجات بعضها أرفع من بعض وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام، ومع كونها واجبة في الجملة وقطيعتها معصية كبيرة، فإنها تختلف باختلاف القدرة والحاجة فمنها واجب، ومنها مستحب، فمن وصل بعض الصلة ولم يصل غايتها لا يسمى قاطعاً، ولو قصر فيما يقدر وينبغي له لا يسمى واصلاً" .
ومن صلة الرحم التي أمرنا بها القرآن الكريم "الإصلاح بين الأقارب"، فالمسلمون جميعاً كما يقول د . أبو ليلة مأمورون بإصلاح ما فسد من العلاقة مع الأقارب عملاً بقول الله سبحانه: "فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم" فإصلاح ذات البين واجب شرعي، استبقاء للعلاقات وحفاظا على المودات بين الأهل، وإلا تمزق المجتمع وأصبح مجتمعا محارباً، وأصبح المسلمون شديدي البأس فيما بينهم، واختفت بسبب هذا الجفاء وتلك القطيعة مظاهر الرحمة والتواد من المجتمع المسلم، ولذلك كان ثواب واصل الرحم البركة في العمر، والسعة في الرزق، كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "من سره أن يبسط له في رزقه أو ينسأ له في أثره فليصل رحمه"، وفي رواية أخرى: "من سره أن يمد له في عمره، ويوسع له في رزقه، ويدفع عنه ميتة السوء، فليتق الله وليصل رحمه" .
وفي هذا الحديث تحذير واضح من قطع الأرحام، لأن قاطع الرحم والعاق لوالديه لا يكون في قلبه تقوى، ولا في ضميره خوف من الله تعالى .
سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس خير؟ فقال: "خير الناس أتقاهم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم" .
بر الوالدين
وانطلاقاً من عناية القرآن بصلة الرحم، كانت عناية رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بها، حيث تعددت توجيهاته الكريمة حثاً على هذه الفضيلة لكي يتخلق بها كل مسلم يريد أن يعيش سعيداً في دنياه، ويقابل خالقه يوم الحساب وهو مطمئن، مستريح الضمير إلى حسن عمله وعظيم أجره . وكان عليه الصلاة والسلام أوصل الناس جميعاً للرحم، وكان يحب من يصل رحمه ويثني عليه، وقال صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" .
ولذلك عندما جاءه رجل يسأله: "دلني على عمل يدنيني من الجنة ويباعدني من النار . .قال صلى الله عليه وسلم: "تعبد الله وحده ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل رحمك" .
وإذا كانت الرحم درجات بعضها أحق من بعض، فإن بر الوالدين أول ما يجب الوفاء به في أكمل صورة قولاً وعملاً . كما أنه في المرتبة الثانية بعد الإيمان بالله . وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله: مَن أبر؟ قال: "أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ذاك حق واجب ورحم موصولة" . وقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس قائلاً: "يد المعطي العليا وابدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك" .
وبر الأم، كما وجهنا رسول الله، مقدم على هؤلاء جميعاً . فقد جاءه رجل يسأل: "من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال أمك وكررها ثلاثاً، قال ثم منْ؟ قال أبوك، ثم أدناك فأدناك" .
وليس المراد بالصلة أن يصل الإنسان والديه وأهله إن وصلوه، لأن هذا مكافأة، بل أن يصلهم وإن قطعوه .
مكاسب دينية ودنيوية
ومكاسب ومنافع صلة الرحم التي فرضها علينا الخالق ودفعنا إليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دفعاً من خلال توجيهاته الكريمة كثيرة ومتنوعة، فصلة الرحم كما تقول الداعية والفقيهة د . عبلة الكحلاوي أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر تحقق للواصلين مكاسب ومنافع دينية ودنيوية عدة، من أبرزها: البركة في الرزق لحديث رسول الله: "من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه" .
كما أنها تجلب لصاحبها رضا الله سبحانه وتعالى، لأنه أمر بصلة الرحم وإدخال السرور على الأرحام، والواصل لرحمه طائع لربه، ملتزم بما أمر، راجياً رحمته وعفوه وكرمه، وعطاءه، وما أعظم عطاء الخالق للطائعين الواصلين لأرحامهم .
وصلة الرحم- إلى جانب ما تقدم - تزيد في عمر الواصل، حيث يقول صلى الله عليه وسلم: "صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر" . وفي حديث آخر عن عائشة رضي الله عنها قال صلى الله عليه وسلم: "صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمرن الديار ويزدن الأعمار" .
وصلة الرحم تنشر بين الأهل والأقارب كل صور المودة والرحمة وتملأ قلوبهم بالحب وتوثق عرى التراحم والتعاطف، قال صلى الله عليه وسلم: "تعلمون من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر" .
القرآن يحذر
وكما حثنا القرآن على التخلق بصلة الرحم وحثنا على صلة أرحامنا والإحسان إليهم بكل صور الإحسان، حذرنا من رذيلة قطع الأرحام، وأنذر الخالق سبحانه كل من يتورط في هذا السلوك قاصداً مستهتراً بصلة رحمه بأشد أنواع العقاب، فيقول سبحانه: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام" .
ذلك أن قطع الأرحام من كبائر الإثم وأقبح المنكرات، وهو يدل على قسوة القلب وجمود العاطفة، ومن تلوث به لا يرجى منه خير .