يذكر الدكتور أمين دويدار في كتاب صور من حياة الرسول أنه في ذلك العام كانت كل الظروف مهيأة بعد أن استتب الأمن في المدينة بعد خلوها من اليهود، كما أن الأعراب في البادية عرفوا قوة المسلمين وبأسهم في الدفاع عن عقيدتهم، وكذلك قريش عرفت قوة المسلمين بعد أن جربت كل وسائل القوة ولم تستطع أن تنال من الإسلام منالاً، بل كلما حاولت أن تضعفه ازداد الناس إقبالاً عليه .
وفي شهر ذي القعدة من العام السادس الهجري خرج الرسول صلى الله عليه وسلم معتمراً إلى البيت الحرام مع ألف وخمسمئة من أصحابه من المهاجرين والأنصار وساق معه الهدي، وكان المسلمون لا يحملون من السلاح غير السيوف في أغمادها وكانت السيوف من ضرورات السفر في الصحراء، واستخلف الرسول صلى الله عليه وسلم على المدينة عبد الله بن أم مكتوم .
تعنت قريش
وسار الرسول مع أصحابه حتي وصلوا إلى منطقة ذي الحليفة على بعد نحو ستة أميال من المدينة فصلى هناك الظهر، ثم توجه نحو مكة وكان أصحابه يلبون لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لاشريك لك لبيك، وكان كل من يراهم في هذا المظهر يعرف أن المسلمين خرجوا إلى مكة مسالمين لا يبغون إلا أن يؤدوا مناسكهم .
وحين عرفت قريش بذلك أخذتها حمية الجاهلية الأولى وصممت على منع المسلمين من دخول مكة، وأرسلوا خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل على رأس قوة إلى مدخل مكة لمنع دخول المسلمين، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يريد الحرب وكان حريصاً أشد الحرص على أن يجعل رحلته هذه سلمية، وأراد أن يدخل من طريق آخر حتى لا يقابل قوات خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وتضطره قريش للقتال وهو لا يريده، فغير الرسول صلى الله عليه وسلم مكان السير وسار مع أصحابه حتى وصل إلى سهل الحديبية أسفل مكة وأصبح على بعد مسيرة يوم واحد، وهنا بركت ناقة الرسول وطلب الرسول من أصحابه أن ينزلوا في هذا المكان .
وعندما استقر المسلمون في الحديبية جاء بعض رجال قبيلة خزاعة لمقابلة الرسول وأخبروه بأن قريش تمنعه من دخول مكة، فقال لهم الرسول إنا لم نأت لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وإن شاءت قريش أعطيناهم مدة وإن رفضوا لأقاتلنهم على أمري هذا، فرجعوا إلى قريش وقالوا لهم: إن محمداً جاء لا يريد قتالاً، فقال رجال قريش: لا يدخلن مكة علينا عنوة ولا تتحدث عنا العرب بذلك أبداً .
ورأي الرسول أن يبعث رسولاً إلى قريش ليؤكد لهم أنه جاء زائراً ومسالماً لا محارباً، فأرسل لهم خراش بن أمية الخزاعي لكنهم هموا أن يقتلوه، فأراد الرسول أن يرسل إليهم رجلاً يكون أكثر إليهم رحماً فأرسل عثمان بن عفان وأبلغهم رسالة الرسول لكنهم رفضوا وظل عثمان في مكة ثلاثة أيام حتى شاع بين المسلمين أنه قُتل .
بشرى إلهية
ويذكر الدكتور محمد الدسوقي في كتاب أيام في حياة محمد أنه بعد موقف قريش من عثمان بن عفان لم يعد هناك بد من أن تقابل القوة بالقوة، فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين لمبايعته للقتال فتهيأوا للحرب، ولم يكن الصحابة يحملون من السلاح غير السيوف وكانوا يعلمون أنهم يجازفون بحياتهم في هذه الظروف لأنهم لم يكونوا مستعدين لقتال فنزل فيهم قول الله عز وجل: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزاً حكيماً .
وعندما علمت قريش بذلك أرسلت سهيل بن عمرو مع نفر من رجالها للتصالح مع الرسول على أن يرجع ولا يدخل مكة هذا العام، واستقبله الرسول صلى الله عليه وسلم واتفق معه على هدنة بين المسلمين وقريش مدتها عشر سنوات، وأن يؤجل المسلمين عمرتهم للعام المقبل، وأن يردوا إلى قريش من جاءهم منها ولا ترد قريش من جاءها من المسلمين، وأن يكون التحالف حراً خلال هذه الهدنة فمن شاء أن يحالف المسلمين من العرب فلا حرج عليه ومن شاء أن يحالف قريش فلا حرج عليه أيضاً، وقبل الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الصلح .
وأقام الرسول صلى الله عليه وسلم بالحديبية عدة أيام وبعد ذلك عاد إلى المدينة وفيما هو في الطريق نزلت عليه سورة الفتح، وقرأ على أصحابه إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً فعرف الصحابة أن فتح مكة مقبل بإذن الله، وعاد المسلمون من الحديبية وقد اطمأنت قلوبهم وسكنت جوانحهم وأيقنوا أن الله أراد بهم الخير، وأن فتح مكة قريب بإذن الله .