إذا كان هبوط الروبوت فيلاي على سطح المذنب «تشوري» الحدث الأهم فضائياً العام الماضي، فإن وصول المركبة «نيو هورايزون» بنجاح إلى أقرب نقطة في مدارها حول «بلوتو» في يوليو الماضي هو الإنجاز الأهم لهذا العام.
استغرقت رحلة المركبة 3463 يوماً أي نحو 9.5 أعوام، قطعت خلالها 2.9 مليارات ميل، ونجحت في التقاط عشرات الصور عن أبعد الكواكب في المجموعة الشمسية بعد وصولها إلى أقرب مسافة منه على بعد 7750 ميلاً، بسرعة تحليق تبلغ 15.41 كم / ثانية ما يجعلها أسرع آلة صنعها الإنسان حتى الآن.
واجتذبت الصور التي بثتها «ناسا» اهتمام قطاع كبير من العلماء والجمهور هواة الفضاء. وأظهرت الصور احتواء الكوكب القزم على كثير من الجبال والوديان. والتقطت «نيو هورايزون» صوراً على درجات عالية من الوضوح لفتحات وفوهات كثيرة على سطح قمره «شارون» يعتقد أنها تشكلت بسبب تغيرات جيولوجية كالبراكين قبل 100 مليون عام.
أكثر التفاصيل التي أذهلت العلماء كانت وجود جو ضبابي وتدفقات جليدية على سطح «بلوتو»، وما زال العالم بانتظار المزيد من الصور التي ترسلها المركبة في مهمتها المستمرة 16 شهراً. وينتظر أن يشهد 2016 اهتماماً متزايداً بتحليل الصور التي بثتها المركبة التي تعد الأولى التي تزور الكوكب المجهول. كانت أولى الصور قد كشفت عن وجود بثور وتضاريس غريبة وثقوب تشبه آثار الأقدام على الثلج، يبلغ قطر بعضها 1000 قدم، ويصل عمقها إلى مئات الأقدام، ويتكون السطح المحيط بهذه الثقوب من النيتروجين الجليدي، ومواد صلبة أخرى يعتقد العلماء أنها تكونت نتيجة عملية التسامي بسبب ضعف الجاذبية والضغط الجوي، حيث تتحول الحالة الجليدية إلى الغازية مباشرة دون المرور بالحالة السائلة.
ومع نهاية العام نشرت «ناسا» أحدث الصور التي التقطتها المركبة ل «نيكس» و«هيدرا» وهما قمران تابعان ل «بلوتو» ظهر فيها الأول مثل حبة الفول وعليه بقعة مظلمة حمراء تشبه عين الثور، يرجح العلماء أن تكون فوهة نيزكية، بينما ظهر الثاني مثل القفازة الرمادية.
بلغت تكلفة مهمة «نيو هورايزون» 650 مليون دولار على مدار 15 عاماً (2001 2016) وصنعت في معهد ساوث ويست للأبحاث. والمركبة مزودة بعدة كاميرات ومعدات علمية منها مطياف لتشتيت الضوء وأجهزة استشعار لرصد الغبار والبلازما.
المثير أن الهدف الأول من رحلة المركبة كان البحث عن كواكب أخرى غير مكتشفة في مدار المجموعة الشمسية، إلا أنها حولت إلى اكتشاف الكوكب الذي لم تزره أي بعثات علمية منذ اكتشافه قبل عقود، في إطار دراسة أوسع لكويكبات «حزام كيبر» الأبعد والأبرد بالمجوعة الشمسية. أما أغرب ما تحتويه المركبة فهو أسماء 430 ألف شخص سجلوها في مشروع «أرسل اسمك إلى بلوتو»، وصور لجميع العلماء والباحثين المشاركين في مهمة المسبار، وجزء من أرض الموقع الذي بنيت فيه المركبة في ولاية ميريلاند، وطابع بريدي عليه إعلان من عام 1991، كتب عليه «بلوتو: لم يستكشف بعد».
العام الأول
الشهر الماضي، أكمل الروبوت «فيلاي» عامه الأول على سطح المذنب «تشوري» بهدف دراسة خصائصه الكيميائية والفيزيائية لمعرفة حقيقة وجود المياه على الأرض، التي يعتقد العلماء أن مصدرها أحد النيازك. وتمكن الروبوت، قبل انقطاع الاتصال به لأشهر بسبب انخفاض درجة حرارة المذنب، من رصد الأوكسجين الجزيئي الذي قالت عنه كاثرين ألتويغ، الباحثة في وكالة الفضاء الأوروبية صاحبة مهمة «روزيتا» العلمية «هذا الاكتشاف لم يكن متوقعاً على الإطلاق، وهذا يجعلنا نعيد النظر في النماذج الموجودة حول تشكل النظام الشمسي».
وبعد غيبوبة استمرت قرابة 7 شهور استيقظ «فيلاى» وفاجأ الفلكيين في وكالة الفضاء الأوروبية «ايسا» برسالة جاء بها «مرحباً أيتها الأرض.. أتسمعينني؟».
وأشار العلماء إلى أن عودة الحياة إلى المجس كانت بسبب تعرضه لأشعة الشمس من جديد، عندما اقترب المذنب بسرعة من الشمس ما ساعد على شحن خلاياه الشمسية بالطاقة.
وبطارية «فيلاى» تكفي لعمله 60 ساعة فقط، ونتيجة لخلل في عملية الإنزال بسبب سرعة الرياح ألقى بالمجس بعيداً عن النقطة المخططة له، فسقط على منحدر لا تصله أشعة الشمس الكافية لشحن بطاريته، لذا فضل العلماء إغلاق المعدات في المجس حتى يتعرض المذنب للشمس.
وبحسب أندريا أكومازور، المدير في مشروع «روزيتا»، ينهي المجس «فيلاى» مهمته في سبتمبر المقبل، ولم تحسم حتى اليوم مسألة، إن كانت المركبة ستظل تدور حول المذنب، أم سيختار العلماء إسقاطها على المذنب لالتقاط صور أخرى.
الهوس الأكبر
«المريخ ليس هو الكوكب الجاف القاحل الذي كان يعتقد في الماضي. اليوم نعلن أنه في ظروف معينة يمكن العثور على مياه سائلة على المريخ. ووجودها يعني أن الكوكب لا يزال نشطاً جيولوجياً، ويزيد نسبياً من احتمال وجود كائنات حية بسيطة على سطحه».
كانت هذه عبارات جيم غرين، مدير قسم علوم الكواكب في «ناسا»، في مؤتمر صحفي موسع في واشنطن سبتمبر/ أيلول الماضي لإعلان أهم الاكتشافات الحديثة التي غيرت نظرة العلماء للكوكب الأحمر. وحسم 2015 جدلية وجود المياه على المريخ بالتأكيد على وجودها، بعد حل لغز الندوب الطبوغرافية التي تحمل بصمات تدفق المياه والتي اكتشفتها قبل سنوات.
المثير للاهتمام أن إعلان «ناسا» حسم وجود الماء السائل على المريخ، ارتبط بتأكيدها عدم قدرتها الوصول إلى الماء المريخي من المجس كوريوستى الذي تقف على بعد 30 ميلاً فقط من مكان الماء السائل بسبب القوانين الدولية. وأشارت «ناسا» ضمن إعلانها عن وجود المياه على المريخ إلى معاهدة الفضاء الخارجي الموقعة 1967 التي تحظر على أي مجس فضائي الاقتراب من مصادر الماء في الفضاء خوفاً من تلويثه بجراثيم وميكروبات أرضية، وبالتالي تفسد التجارب الخاصة بالبحث عن الحياة المريخية.
أما المشكلة الثانية التي تمنع «كوريوستى» من الوصول إلى الماء على المريخ فهي التضاريس نفسها، إذ تحيط بالماء السائل المنحدرات الشديدة التي لا يمكن للمركبة اجتيازها. لذلك من المفترض تجهيز عربات مريخية في المستقبل يمكنها عبور هذه التضاريس، وهو الأمر الذي لن تتمكن «ناسا» من تنفيذه قبل 2020، ولن تتداركه وكالة الفضاء الأوروبية التي ترسل أول مجساتها إلى المريخ 2018 «أكسو مارس» الذي سيختص بدراسة المادة العضوية الحية على الكوكب.
وللمرة الأولى هذا العام، تعرضت مركبات «ناسا» الفضائية المختصة باكتشاف المريخ لخطر بعد اقتراب نادر للمذنب «سايدنج سبرنج» من المريخ. وتركزت المخاوف من الغبار الذي سيخلفه المذنب عند مروره والذي يشكل تهديداً للمركبات الفضائية، لذا اختارت تعديل مدارات مركباتها بحيث تكون خلف الكوكب خلال الفترة الأكثر خطورة من مرور المذنب. و هناك 3 مركبات ل «ناسا» تدور حول الكوكب، إضافة إلى 2 آخرين أحدهما للهند، والآخر لوكالة الفضاء الأوروبية.
وكان مرور المذنب فرصة مهمة لناسا لوضع «نظام مروري» جديد هناك يمنع اصطدام المركبات الفضائية بالأجسام السيارة من جانب، ومع غيرها من المركبات التي تدور في مدارات متقاطعة مماثلة.
ويهدف النظام المروري الجديد حول المريخ إلى المحافظة على الأقمار النشطة، وغير النشطة وحمايتها من الاصطدام بالمركبات الفضائية، والحصول من الجميع على معلومات أفضل وأكثر تنسيقاً.
«السبات الشتوي» في رحلة الكوكب الأحمر
هذا العام رفعت «ناسا» من استعداداتها الجادة لإرسال أول مهمة مأهولة إلى المريخ في 2030، وعادت إلى الواجهة نظرية «السبات الشتوي» إذ يعتبر طول المدة الزمنية المطلوبة للوصول إلى المريخ أحد أهم تحديات الرحلة.
وللتغلب على هذه المشكلة يدرس العلماء وضع رواد الفضاء في حالة سبات كتلك المستخدمة في غرف العناية الطبية الفائقة، والتي تمتد بحدها الأقصى أسبوع، لكن «ناسا» تستهدف مد الحالة من 90 إلى 180 يوماً لاختصار عناء الرحلة التي ستمتد إلى عام وربما أكثر. وعند تطبيق حالة السبات على رواد الفضاء ستنخفض درجة حرارة أجسادهم إلى 31.9 ما يؤدي إلى انخفاض حاد في معدل النبض والقلب والتنفس، وتتم العملية باستخدام أنبوب خافض لحرارة الجسم يدخل من الأنف. ويحصل الجسم على حاجته من المواد المغذية عبر الوريد مباشرة، ويتناوب أعضاء الفريق خلال رحلتهم على الدخول في حالة السبات ضمن فترات زمنية تتحدد حسب حالة أجسادهم.
وعلى الأرض بدأت «ناسا» بعزل 6 متطوعين سنة كاملة في قبة في هاواي على الساحل الشرقي لجزيرة «ماونا لوا» في تجربة هي الأطول تمهيداً لإرسال البعثات المأهولة إلى المريخ.
وإلى جانب التأثيرات الجسدية في المتطوعين، تولي «ناسا» اهتماماً كبيراً لرصد التفاعلات الاجتماعية لهم بين الفرق المشاركة بهما. وتقول كيم بينستد، المشرفة على المشروع «أحد أهم الدروس المستفادة من هذه التجارب أنه لا يمكن تجنب وقوع نزاعات ، سيقع ذلك حتماً في الرحلات الطويلة حتى بين الأشخاص الأكثر لطفاً».
وجهات مستقبلية
كل خمسة أعوام، تراجع وكالة «ناسا» برنامجها الخاص باستكشاف الكواكب. وقبل أشهر قليلة غربلت الوكالة ثمانية وعشرين مقترحاً لاحتمال استكشاف ثلاثة أو خمسة مواقع من المجموعة الشمسية. وفي النهاية سيكون هناك فائز واحد فقط يحدد العام المقبل، ليحظى بأحدث بعثة استكشافية تبلغ تكلفتها 450 مليون دولار، ولتنطلق في وقت ما في أوائل 2020.
دورية NATURE ألقت الضوء على أهم الاقتراحات وأرخصها التي تدرسها الوكالة، نعرضها فيما يلي:
- كوكب الزهرة: تولي «ناسا» هذا الكوكب مزيداً من الاهتمام العقد المقبل خاصة بعد نجاح المسبار الياباني «أكاتسوكي» Akatsuki بمحاولته الثانية لدخول مدار الكوكب مطلع الشهر الجاري.
ويعد الزهرة من أكثر جيران الأرض إهمالًا، فلم تزره بعثة استكشاف الكواكب منذ إنهاء رحلة المسبار «ماجلان» عملها بعد الهبوط المحكم على سطح الزهرة عام 1994. وزارت هذا الكوكب بعثة وكالة الفضاء الأوروبية «فينوس إكسبريس» Venus Express في الفترة من 2006 حتى 2014.
واقترح المهتمون بكوكب الزهرة كل أنواع البعثات لاستكشاف ثاني الكواكب بعيداً عن الشمس. وكثير من هذه البعثات اعتمد على أجهزة رادار مدارية لاختراق سحبه الكثيفة من مداره، ولمشاهدة الطبيعة السفلية الحارة والنشطة بركانيّاً. وبتحليق بعثة «فيريتاس» VERITAS المتوقعة فوق الموقع نفسه، وهي بعثة من شأنها أن تنتج خريطةً عالية الدقة لسطح الكوكب، ستتمكن من تحديد ما إذا كان سطح الزهرة تتحرك طبقاته، مثلما يحدث في المناطق النشطة بركانيًّا وزلزاليًّا على سطح الأرض، أم لا.
- أقمار المريخ: منذ عام 2001 أرسلت «ناسا» سبع مركبات فضائية إلى المريخ، لكن ليس إلى قمريه «فوبوس، وديموس». وتدرس الوكالة 3 اقتراحات مختلفة لإرسال بعثات استكشافية إليها، لكن السؤال الأهم: لماذا كل هذا الاهتمام؟ والإجابة: لأنه لا أحد يعرف تماماً من أين جاء هذان القمران. قد يكونان من بقايا تكوّن المريخ قبل 4.5 مليون سنة، أو بقايا تصادم وقع بين الكوكب الأحمر، ونيزك ضخم في الآونة الأخيرة، أو بقايا عشوائية لكويكب، أو مواد أخرى اجتمعت بفعل جاذبية المريخ.
- براكين الكواكب: عادة لا تثور البراكين الأنشط في المجموعة الشمسية على كوكبنا في آيسلندا أو هاواي، بل على «قمر آيو»، الذي تسخن قشرته بفعل قوة شد جاذبية المشتري القوية. ولتجنب أكبر قدر من إشعاع المشتري الخطير، ستحلق بعثة رصد بركان آيو (IVO) في مدارات عملاقة، وستمر بالقرب من كوكب المشتري و«آيو» مرة واحدة فقط في كل دورة. وستحلق فيما وراء «آيو» تسع مرات، بحيث تصور البراكين في النهار، وفي الظلام. وفي ليلة رأس السنة الجديدة من عام 2028، ستحلق البعثة عبر أعمدة يقذفها بركان «بيليه».
- الكويكبات:تلقى المقترحات الاستكشافية الخاصة بالكويكبات والأجسام الصغيرة السيارة اهتماماً أكبر لدى قطاع كبير من علماء «ناسا». وتحظى أسماء محددة لبعض الكواكب بأعلى قدر من الترشيحات، ومن المنتظر تخصيص واحدة من الرحلات إلى صخرة معدنية تدعى«سايكي» Psyche، ربما تشبه نواة الأرض. أما بعثة مستكشف الكويكب الثنائي «باسيكس» BASiX، فستعمل على إحداث تفجيرات صغيرة على سطح الكويكب الثنائي، لمعرفة أثر الانفجارات على حركات الجاذبية.
وهناك أفكار أخرى أكثر جموحاً منها زيارة إحدى البعثات إلى تسعة صخور فضائية صغيرة، بعضها يقع في حزام الكويكبات بين المريخ والمشتري، وبعضها يندفع بشكل خطر من الأرض؛ لمعرفة ما الذي يجعلها مختلفة عن الكويكبات الكبيرة، مثل «فيستا»، و«سيريس»، اللذين تدور حولهما الآن مركبة «ناسا» الفضائية «دون».
«ماسينجر» يتقاعد بعد خدمة 11 عاماً
مع نهاية إبريل/ نيسان الماضي، اختتم مجس الفضاء «ماسينجر» مهمته التي استمرت 11 عاماً بالارتطام بسطح كوكب عطارد بعد التقاط عشرات الآلاف من الصور لسطحه. ووقتها قال جون جرانسفيلد، مدير الرحلات الفضائية في «ناسا»: «بعد ارتطام «ماسينجر» بسطح عطارد نحتفل بانتهاء أكثر الرحلات الاستكشافية الفضائية نجاحاً حتى الآن، ولسنوات مقبلة سنستمر في تحليل الكثير من المعلومات التي رصدها المجس حول الغلاف الغازي للكوكب، وتربة سطحه، وتركيبها الكيميائي، أملاً في الحصول على إجابة عن الأسرار الكثيرة التي تحيط بالكوكب الأقرب إلى الشمس في المجموعة الشمسية».
وبتقاعد «ماسينجر» يودع العالم أحد أهم المجسات التي تعد إنجازاً علمياً كبيراً للفريق الهندسي في صناعة وتطوير المجسات الدقيقة التي غيرت كثيراً من المعلومات عن أعضاء المجموعة الشمسية والتي فاقت كل التوقعات.