إعداد: محمد هاني عطوي
منذ ثلاثين عاماً وهي تجسد السحر الفرنسي على الشاشة، لذا نجدها في فيلمها الجديد "لقاء"، حرة، ومحبة ورومانسية . إنها النجمة صوفي مارسو التي حاول المخرجون تبشيع وجهها النضر لتبدو قبيحة على الشاشة، ولكن عبثاً، ومنهم المخرج جان بول ليلي أونفيلد، كي تؤدي دور المرأة المعنفة التي تصل إلى مرحلة تجعلها تدفع بزوجها من شرفة الطابق الخامس من أحد مباني العشوائيات التي تنتشر في ضواحي المدن الفرنسية، ثم أتت محبطة حتى آخر رمق لتسلم نفسها في الليلة ذاتها إلى الشرطة . المشهد نفسه تكرر مع الممثلة ميو ميو التي جسدت دور الشرطية في فيلم "أوقفوني" .
اليوم تعيد مارسو التجربة مع الممثلة ميو ميو، وتعكف على القراءات الأولية للسيناريو وكتابة الملاحظات كي تقدمها للمخرج، وتقول زميلتها ميو ميو: "في صباح كل يوم تأتي صوفي إلى منزلي على الدراجة، لأننا نسكن في الحي نفسه، وفي كل مرة، أتساءل: كيف سيعملون كي يشوهوا وجهها النضر وهي قد تجاوزت الأربعين (47 عاماً)، ومازالت كما هي؟" . وتضيف ميو ميو أن كثيراً من النساء في سنها يفعلن المستحيل كي يظهرن جميلات، أما هي فتبدو على طبيعتها ببشرتها النضرة المملوءة، إلى درجة أن المخرج رسم لها ندبة على ذقنها ونكش شعرها، ومع ذلك لم ترفض صوفي، بل على العكس كانت سعيدة لتجسيد هذه الشخصية .
هذه الشخصية تركت في صوفي مارسو أثراً عميقاً، فهي تعرف النساء المعنفات في بيئتها، كما أن العنف المنزلي هو موضوع مألوف بالنسبة إليها . وليس فيلم "كلمني عن الحب" (مع نيلز أرستروبز وجوديث جودريش)، وهو أول فيلم روائي طويل لها صورته مخرجةً في عام ،2002 سوى تجسيد حي لانفصالها المضطرب عن أندريه زوالوسكي بعد ثمانية عشر عاماً من الزواج، حيث عانت معه أموراً كثيرة: إدمانه الكحول، والعدوانية، والاعتداء اللفظي، والضجر واليأس، وقد كشف هذا الفيلم جانباً مظلماً لم نكن لنتصوره أبداً في حياة صوفي مارسو . كما أن فيلم "أوقفوني" ضرب على وتر حساس جداً في حياتها، وعندما حضرت مع الممثل كريستوف لامبير شريكها في الحياة منذ سبع سنوات، لمشاهدة عرض الفيلم، خرجا والدموع في عيونهما، كما لو أن محنة هذه المرأة أحيت لديها ذكريات مؤلمة كادت أن تودي بها إلى حافة الدمار .
عن ذلك تقول صوفي: "أحمل في نفسي قدراً كبيراً من الحزن"، والواقع أنه رغم امتلاكها الجمال والمال والشهرة، لم تكن الحياة وردية بالنسبة إلى هذه الفتاة التي ولدت في أسرة متواضعة جداً، عاشت من عرق جبينها في شقة صغيرة ومتواضعة للغاية، حيث كان والداها يعملان ثماني عشرة ساعة يومياً مقابل أجر بخس . كان والد صوفي سائق شاحنة، ووالدتها امرأة قوية، متسلطة مثل جدتها تدير حانة .
كانت صوفي في التاسعة من العمر عندما انفصل والداها، فكيف يمكن لفتاة في هذا العمر أن تنشأ في هذا الوضع الأسري الصعب؟ ولكن بعد سنوات قليلة، ارتبط والداها مرة ثانية من أجل إنقاذ أسرتهما . نشأت صوفي مع شقيقها سيلفان الذي يكبرها بسنتين، وشيدا حياة من دون مشورة متخصص تربوي أو نفسي، ومن دون هاجس النجاح الذي يبحث عنه الوالدان لأولادهما . تقول صوفي: كان والداي طيبين وكريمين وعلمانا العمل الخير والصادق، وأنه على كل إنسان أن يعيش حياة تسمى "الكفاح من أجل الحياة لبناء مستقبل أكثر إشراقاً"، ولكن كل ذلك للأسف لم يكن محاطاً بالتفكير الإيجابي، بل كان مغلفاً بشيء من التشاؤم والاقتناع بأنه رغم كل شيء فلن نصل إلى وضع أفضل، كل شيء كان في حياتي صعباً جداً . هذا الأمر جسده والدها عندما تقدمت صوفي وهي في سن الثالثة عشرة من العمر لاختبار التمثيل في فيلم "الحفلة"، حيث كان يعتقد أنها لن تُقبل، ويبدو أنها كانت طريقة للتحضر لخيبة الأمل، وربما لحمايتها من الهرب . ولكنها فازت بالفعل ولم يقدّر والداها السيد والسيدة موبو بشكل جيد الاضطراب الذي بدا في حياة ابنتهما .
تتحدث صوفي عن تلك المرحلة: لم يكن هناك أي شخص يمكنه أن يقدم لي المشورة، وكنت أعود إلى المنزل في حي جنتيلي بمفردي في سيارة الأجرة التابعة للإنتاج . وعندما تركت المدرسة لم يكن هناك أحد يمكنني التحدث إليه .
عرفت النجاح في سن الرابعة عشرة، وبدأت صوفي تتعلم التدخين، وعندما أرادت أن تذهب إلى مخيم العطلة أبدى أولاد الجيران امتعاضهم عندما شاهدوها وهي تضع أولى خطواتها على سلم الشهرة، ولم يكن والداها من الذين يتأثرون كثيراً بما يقال في وسائل الإعلام عن حياة ابنتهما، فالأفلام وأغلفة المجلات هي أمور لا تعني كثيراً في المنزل، نظراً لغياب الثقافة .
وتقول صوفي: صحيح أن والديّ لم يفلحا كثيراً في تعليمي وتربيتي، لكنهما علماني شيئاً مهماً وهو أن أكون واقعية لأواجه مشكلات الحياة بشتى أشكالها، وربما كان هذا أفضل درس تعلمته في حياتي .
بالفعل استطاعت مارسو أن تصبح نجمة عالمية بفضل إصرارها على تثقيف نفسها، ولذا وجه لها الصينيون دعوة شخصية للاحتفال بالعام الوطني الجديد على القنوات التلفزيونية الصينية، وبدت صوفي قادرة على طهي الطعام مع ابنتها البالغة 11 عاماً .
عام ،2002 تعرضت صوفي لحادث من بعض الأشرار وهي في سيارتها، أجهضت على إثره ابنتها جولييت التي كانت تنتظر ولادتها . في ذلك الوقت كان عمر ابنها فانسان 6 سنوات وهو من زوجها أندريه، أما الآن فقد بلغ الثامنة عشرة، وهو يتميز بشخصية قوية جداً ويتحدث ثلاث لغات (الإنجليزية والفرنسية والبولندية)، ويدرس في إنجلترا .
رغم أن صوفي عاشت مع زوجها السابق أندريه زوالوسكي حياة مضطربة وكان يكبرها بستة وعشرين عاماً، وكانت له سلطة كبيرة عليها، فإن الزوجين كانا يتقنان فن الإثارة، وإبراز صفات كل منهما الآخر بشكل إيجابي، فقد صرح أندريه إلى مجلة "باري ماتش": "لقد منحتني صوفي شيئاً لم يكن لديّ، وهو معنى الرغبة في العيش وحب الحياة، فابتسامة صوفي المشرقة المبهرة الساحرة هي المرهم والترياق" .
ولكن ما إن توقف ترياق صوفي حتى تحولت حياة زوالوسكي إلى حجيم . ويقول: "بعد انفصالنا توقفت عن كل شيء، وكنت في حالة حداد" . لقد كرس زوالوسكي نفسه للكتابة والأدب فألف أكثر من عشرين كتاباً منها "الخيانة" (2003) الذي ترجم إلى اللغة الفرنسية، والذي يناقش فيه حكايته بشكل مفصل مع صوفي مارسو، ويصف فيه العاملين في هوليوود ب"المقرفين"، علماً أن صوفي وجدت الحب مرة ثانية هناك في هوليوود مع جيم ليملي المنتج الأمريكي لأفلام 3 والرسومات .
استقرت صوفي في باريس مع نجم اختارته حينما أخرجت له فيلمه "مفقودة دوفيل"، حيث صرحت أنها استسلمت لسحره ولطفه، وروح الدعابة لديه، إنه كريستوف لامبير المعروف بأنه من الممثلين الذين ينشرون أجواء جيدة أثناء التصوير، وهو ناجح في مجال الأعمال التجارية (الوجبات الجاهزة)، ويعمل في الفندقة، والإنتاج، ومن المدافعين عن الطبيعة . وقد أنشأ موقعاً على الإنترنت للتبرعات ولقي تشجيعاً من صوفي، والآن نشر رواية عنوانها "الفتاة جالبة الحظ"، يروي فيها الفنان مشكلته مع الإدمان على الكحول وكيف أن صوفي أنقذته من الهلاك وساعدته للتغلب على المرض . وتقول صوفي معلقة على ذلك: "في خضم هذه العلاقة، هناك رغبة في تحقيق التوازن والانسجام . ونحن نعيش عيشة يدعم كلانا الآخر بشكل إيجابي" .
عام ،2010 نالت صوفي جائزة مهرجان كابور عما قدمته من أفلام طوال حياتها الفنية، وعندما صعدت صوفي على المسرح لتقديم الشكر، فوجئ الجميع بأنها تقدم الجائزة لكريستوف لامبير، وقالت بصوت يرتجف: "لقد وقعت في حب كريستوف وأقول له: صبغت شعري باللون البلاتيني لأبدو شقراء لأتجول معك في مترو الأنفاق (ملمّحة لفيلم "مترو الأنفاق")، ولأكون معك "أبدية"، (ملمحة لمسلسل "هايلاندر")، ولكن قبل كل شيء، أود أن أكون "أبدية" للتمتع معك باللحظات التي علينا أن نحياها معاً" .
أضافت صوفي: أنا لا أعبّر عن مشاعري بسهولة وبشكل إيجابي، بل أجد صعوبة في قول الأشياء . إظهار السعادة أكثر صعوبة عليّ من إبداء التعاسة .
الزوجان يعيشان بين قارتين: كريستوف في أمريكا حيث ابنته اليانور (20 عاماً)، وصوفي في فرنسا، ويتشاركان في كل المناسبات .