يقول مفتي صيدا وأقضيتها الشيخ سليم سوسان إن الباحث لا يمكن أن يجد وحدة أثرية كاملة متكاملة لا تزال على حالها الى اليوم مثل مدينة صيدا القديمة، حيث المساجد العثمانية والمملوكية، والتكايا والزوايا والأسواق المتخصصة بالتحف والساحات والباحات والمقامات لا تزال مقصداً للناس ومحط اهتمام، مدينة تطل على البحر من جهة وعلى السهول والجبال من جهة أخرى تحرسها قلعتان اثريتان واحدة بحرية وأخرى برية.

ويضيف: هذه المدينة كانت لها بوابات لا تزال مواقعها معروفة بأسمائها وان غابت بواباتها الفعلية، كما غاب الحراس الذين كانوا يغلقونها عند المساء ويفتحونها عند الصباح وتحيط بها خانات كانت خارج سورها تطل على البحر وتستقبل في غرفها ومخازنها التجار الآتين من مختلف المناطق اللبنانية والشواطئ العربية انتظاراً للبضائع الوافدة عبر البحر كخان الإفرنج الذي تم تجديده مؤخراً وخان الرز، وحدة أثرية كاملة حافظ عليها أهل صيدا كثروة أثرية للمنطقة العربية بكاملها.

ويرى أن هذه المواقع تمت المحافظة عليها من أهل المدينة لأن معظم العائلات الصيداوية كانت تسكن داخل المدينة القديمة في أحياء تسمى بما اشتهرت به من تجارة كحارة اللوز، وحارة الكشك، وحي السبيل، وغيرها، ولم يتركوها إلا بعد الزلزال الذي ضرب المدينة عام 1956 وأدى الى تصدع بعض المنازل مما اضطر أهلها للخروج منها وبناء المساكن الجديدة في محيطها ووسط بساتينها مما أدى الى توسع الحدود الجغرافية لصيدا، ومازالت كثير من العائلات الصيداوية تحتفظ بملكيتها لتلك البيوت القديمة التي تم ترميمها وتأجيرها لبعض الفلسطينيين وبعض العمال السوريين والمصرين وعائلاتهم، بالإضافة الى بقايا العائلات الصيداوية التي لم تكن لديها الإمكانات اللازمة يوم الزلزال لإيجاد أو بناء المساكن خارجها.

ويذكر المفتي سوسان في حديثه، ان صيدا القديمة وبحكم النظام السكني الذي كانت تعيشه، والتقارب الذي كان يجمعها كعائلات حتى من خلال المباني المترابطة سيباط وهو عبارة عن قناطر تغطي بعض شوارعها في الأحياء الداخلية فتربط بين كل بنائين قريبين، عاشت نوعاً من التكافل الاجتماعي في بعض المواسم كشهر رمضان المبارك، والأعياد الفطر والأضحى والمولد النبوي الشريف ورأس السنة الهجرية، فكان الطعام يوزع على الجيران، وتقام الحفلات والأفراح وحتى المآتم المشتركة كما كانت مقاماتها ملتقى المؤمنين من أبنائها حيث تتم زيارة بعض الذين عرف عنهم التقوى أو الشهادة في سبيل الله لرفع راية الإسلام، فيما تشهد الزاويا حلقات الذكر التي غابت أو كادت هذه الأيام مع غياب العديد من الطرق الصوفية أو انحسار أعداد مريديها.

ويعود مفتي صيدا بالذاكرة الى سنوات الأولى في الدراسة في مدارس المقاصد الإسلامية عند طرف المدينة، حين كان الطلاب يخرجون مع أساتذتهم في نزهات من مدرسة المقاصد الى ساحة الشهداء التي كانت سابقاً عبارة عن بستان كبير مفتوح للزائرين أيام الربيع يقصده الناس من مختلف حارات وأحياء صيدا للنزهة كما يقصده البيارته في نزهاتهم في عطل نهاية الأسبوع.

خصوصية المعمار

ويشير الباحث الدكتور صبحي عبد الله في دراسته المعنونة العمارة الإسلامية في صيدا، الى أن الجوامع التي أُنشئت في مدينة صيدا في العهدين المملوكي والعثماني ما تزال قائمة الى اليوم، وأنه رغم خصوصية فن العمارة الدينية الذي يميز بناء الجوامع خلال كل من هذين العهدين فإن فن العمارة الدينية المملوكية يتميز عما عرفته البلاد الإسلامية من قبل خلال العهود الأموية والعباسية والأيوبية وحتى السلجوقية، وأن فن العمارة في العهد العثماني كان تطويراً لما عرفته الأبنية الدينية في عهد المماليك من ناحية القباب والمآذن والصحون، من حيث تضخيم القباب لإعطاء البناء الديني هيبة أكبر، ومن مساجد هذين العهدين:

جامع البحر: وهو الجامع الوحيد المتبقي بنفس الطراز منذ أيام المماليك والذي يشير النص التاريخي على مدخله الشمالي الى تاريخ بنائه عام 775 ه - 1126 م، وله مدخلان الأول من زاروب (زقاق) سوق الخضار من الجهة الشرقية، والثاني من الجهة الغربية الى المدخلين، وهي الحرم الرئيسي، والمدرسة الواقعة للجهة الغربية منه والمكملة للحرم الرئيسي، والصحن المسقوف وبئر الماء الواقعة بين الجهة الشمالية والشمالية الغربية، والميضأة والمرافق الصحية، ويتميز المسجد بعدم وجود أي قبة في سقف البناء، والعقود الحجرية المتناسقة والفتحات الصغيرة العليا في الواجهات بالإضافة الى استعمال الحجارة البلقاء لإعطاء زخرفة لبعض أقسام البناء.

الجامع العمري الكبير: وهو يقع بالقرب من القلعة البرية على تلة مرتفعة تشرف على البحر الى الشمال من مدرسة المقاصد الخيرية الإسلامية بالقرب من الحمام المعروف باسم حمام الورد، ويتألف المسجد من صحن نصفه مسقوف ونصفه مكشوف، تحيط به أروقة جانبية من ثلاث جهات ومن الحرم أو قاعة الصلاة، ويتم الدخول الى الجامع من خلال البوابة الرئيسية الشرقية للبناء والواجهة المحيطة بهذا الدخل عبارة عن جدار حامل مقفل كلياً بالحجارة ويزين وسطه عقد مجري مسقوف.

ويعود المسجد إلى العهد الصليبي الذي غلب عليه في ما بعد الطابع العثماني، وقد تم استحداث المدخل تحت عقد حجري حيث تعلوه قنطرة مزخرفة بالحجر الأبلق وتزين طرفيه شمعتان من المرمر وزخرفة هندسية، فيما يتميز رواقه الجنوبي بقباب حجرية ثلاث نصف دائرية.

جامع باب السراي: ويعرف أيضاً باسم جامع المحتسب، وهو داخل صيدا القديمة وضمن أسواقها وتحديداً للجهة الجنوبية الشرقية في خان الأفرنج المعروف أيضاً باسم خان المير وعلى امتداد زقاق جامع أبي نخلة للجهة الشرقية منه حيث توجد ساحة مستديرة تتوسطها فورة ماء كانت معدة قديماً لبيع الخضار والمواشي ومكاناً لإقامة المحتسب وسمي بباب السراي لقربه من السراي التي أُنشئت أيام حكم الأمير فخر الدين المعني الثاني. ويعود إنشاء المسجد للعام 598 ه / 1202.

جامع قطيش: شيده الشيخ علي قطيش عام 1001 للهجرة/1592 م وهو لا يزال محافظاً على معالمه المعمارية العثمانية الأصيلة وزخارفه الرائعة، ويقع داخل مدينة صيدا القديمة على بعد مائة متر جنوب جامع الكيخيا والعمري الكبير وهذه الجوامع الثلاثة مع منابرها من الرخام الأبيض.

الجامع البراني: وهو أول مسجد شيد خارج أسوار صيدا القديمة، وكلمة البراني العامية تعني الخارجي وهو يقع أمام بوابة صيدا القديمة التحتا، وقد شيد في عهد الأمير فخر الدين بين الأعوام 1595 /1634 م، وفيه مدفن الأمير ملحم والأمير سيف الدين ولدا الأمير فخر الدين المعني الثاني.

جامع البطاح: ويقع داخل مدينة صيدا القديمة على بعد خمسين متراً جنوبي جامع قطيش للجهة الجنوبية الشرقية منه، تدخل إليه من زقاق طوله مائة متر مسقوف بعقود حجرية كما هي الحال في أسواق صيدا القديمة، وأصل تسمية هذا الجامع يعود لوجود مدفن أحد الأولياء فيه ويسمى الشيخ علي الغزي معتمد أهل صيدا، ويبدو أن الاسم مشتق من كلمة بطح التي تغني غلب أي رمى خصمه أرضاً على وجهه. ويقال إنه كان يدخل الى صيدا ليلاً ضبع مخيف، فدخل الضبع ذات ليلة الى الجامع وشرب الزيت الموجود في السراج فمات وتوجد في صيدا عائلة تحمل هذا الاسم وتقول ان أحد أفرادها هو الذي بطح الضبع وهو مدفون في الغرفة الملاصقة للجامع.

جامع الكيخيا: وهو داخل مدينة صيدا القديمة ويعرف أيضاً باسم جامع الكتخدا او جامع الكاهيا وهي تعود الى أصل فارسي لغة وتعني سيد المنزل وكانت لقباً عثمانياً لمن يشغل منصب وكيل أعمال الباشا، وقد بني هذا الجامع على يد مصطفى الكتخدا عام 1013 ه/1624 م أي بعد حوالي 25 عاماً على بناء جامع قطيش وفي نفس المرحلة التاريخية لبناء جامع البراني، وهو ينقسم الى أربعة أقسام: الصحن، والغرف الجانبية، والحرم، والمئذنة، وهو من الطراز المعماري نفسه لجامع الشرفلي في اسطنبول، وسقف الحرم فيه تعلوه مجموعة من القباب الدائرية، بالإضافة للصحن والغرف الجانبية، ويمثل بناء الجامع، المدرسة أو الكلية، الذي عرفته البلاد الإسلامية منذ القرنين الثاني والثالث عشر.

مسجد القلعة البحرية: وهو مشاد داخل القلعة البحرية مقابل صيدا القديمة، لجهة الشمال، والتي بنيت بين عامي 1227/1228 م لتحصين مرفأ صيدا وتأمين العمليات البحرية على يد الصليبيين، والجامع خال من النصوص الكتابية التي تدل على تاريخ إنشائه، ويتميز بفن البناء المعماري والإنشائي للقبة وطريقة استنادها الى عقود أربعة وهو مسجد إسلامي بدائي بسيط.

مسجد أبي نخلة: ويقع داخل مدينة صيدا القديمة في منطقة حي السبيل محاطاً بالأسواق الشعبية، ويعتقد أنه كان في الأصل برجاً عسكرياً لخان الإفرنج الذي يبعد عنه حوالي مائة متر، وهو مسجد بسيط، يضم الحرم مع قاعة صلاة مقببة أُضيفت إليها قاعة مستطيلة غير مقببة وفيه مقام أبي نخلة، لذا يرجح البعض أن يكون قد جرى بناء المسجد في مرحلة لاصقة لبناء المقام لإقامة الصلوات فيه لزوار المقام، وفي المسجد عدة لوحات تشير أولاها الى مقام الشيخ محمد ابو النخل والثانية لسبيل عند مدخل المسجد أنشأ هذا السبيل المبارك الفقير الى ربه مصطفى آغا مهردار بن اسحق باشا سنة 1038، والثالثة أصلح شأن هذا السبيل محمد بن علي اورفلي سنة 1161، فيما تشير لوحة داخل الجامع الى ابن نخلة كولي وابن الوزير ابن الأمير المحترم وانه بني سنة 1159.

جامع المجذوب: يقع مدخل صيدا القديمة ويدخل اليه من شارع الشاكرية وعند بوابة الشاكرية عند مدخل صيدا القديمة وقرب مقبرة كانت موجودة لآل المجذوب. وكان عبارة عن زاوية عمد محمد المجذوب الى توسعتها ليتمكن من هو خارج السور من تأدية الصلاة فيها والمبيت في الجامع عند الضرورة للانتظار لحين فتح البوابة صباحاً للدخول الى المدينة، وتشير اللوحة على الباب الرئيسي ان التوسعة جرت عام 1292 ه/1875 م ويبدو أنه كان يضم مدرسة دينية وفق سجلات الأوقاف.

وفي صيدا القديمة مجموعة من المقامات والزوايا الدينية، والمقام هو عادة بناء بسيط يقع عادة خارج المناطق السكنية بهدف تخليد ذكرى رجل صالح أو امرأة صالحة ولزيارته والتبرك به.

وفي صيدا مقامات كانت مقامة ولم يعد لها أثر اليوم كمقام الشيخ قاسم، ومقام الشيخ عبد الله، ومقام الشيخ موسى، ومقام الرزدار، أما المقامات المتبقية فهي مقام ابي نخلة، مقام النبي يحيى، مقام أبي روح، مقام شرحبيل بن حسنة، مقام الشيخ عمر الجلالي، ومقام الست نفيسة.

أما الزوايا في صيدا القديمة فهي نوع من الأبنية الدينية الإسلامية التي انتشرت في العهد العثماني لا مئذنة لها ولا منبر الا انها تضم عادة ميضأة وفي بعض الأحيان يدفن مؤسسها ضمنها أو بالقرب منها وهي بناء صغير لإقامة الصلوات الخمس ما عدا صلاة الجمعة والعيدين وكانت تستعمل لتعليم القرآن واللغة العربية وأحياناً للاستشفاء وكانت تاريخياً مقرات لأهل الطرق الصوفية تقام فيها حلقات الذكر.

حرف وواقع

وقد عرفت صيدا الكثير من الحرف الشعبية والصناعات، منها ما غاب، ومنها ما يزال مستمراً الى اليوم ومنها:

حرفة المقاهي: وكان منها في العهد العثماني قرابة 19 مقهى، تقدم القهوة والشاي والاراكيل (او النراجيل) وكانت رائجة صيفاً وشتاءً ويأتيها الحكواتي ليقص على روادها الاقاصيص الحماسية كقصة عنترة العبسي والملك الظاهر بيبرس والملك سيف بن ذي يزن وأبو زيد الهلالي وغيرها ولم يبق منها اليوم الا بعض المقاهي القليلة التي يأتيها الناس في أوقات فراغهم، وكان آخر الحكواتية الحاج ابراهيم محمد الحكواتي الذي توفي عام 1980 ولم يظهر أحد بعده وكان من أشهر حكواتية العهد العثماني احمد بن محمد اللاذقاني وعبد الخالق المصري.