علاء الدين محمود

«البصيرة من عين الروح تفتح في مقام الفؤاد للأولياء»، ذلك مقام عين البصيرة عند أهل الطريق من السالكين المحبين، يبينها عبد القادر الجيلاني، فالعين كما القلب لها مكانتها عند المتصوفة، وفي ذلك يقول أحدهم:

قلُوب العَارفينَ لَهَا عُيُون
                تَرَى مَا لا يُرَى للنَّاظِرِينَا
وأجْنِحَة تَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ
               إلَى مَلَكُوتِ رَبِّ العَالمِينا

فعين البصيرة هي غير البصر العادي لدى الإنسان، هي التي تنظر بقوة من الله وترى ما لا يرى، فيظل الإنسان أعمى إلى أن يعمر قلبه بالحب والإيمان في طريق العشق الأكبر، حتى إذا ما تأكد في قلبه وتملكه، اتسعت الرؤية لديه، وأعياه حتى أن يعبر عما يراه بالقول، فقد أوتي من لدن الله ما لا يمكن أن يوصف بالكلمات، وفي ذلك يقول أحد أساطين العشق الصوفي «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة»، بل ويرى المتصوفة أن القلوب تتلف وتصاب بالعمى عندما تطمس البصيرة، فما تراه عينها هي الزاد من الحب للقلب، فإذا عمر به لن يشغله شاغل عن الله تعالى، ولن يغشاه حب الشهوات وطلب الدنيا والتقصير في عبادة الله، بل صار مبلغ همه الاجتهاد في الوصول إلى طريق الحق والجمال، والأنس بالله سبحانه وتعالى، هو اتجاه خالص من الجمال تمتلئ فيه الجوارح بالحب، فتنفتح الطرق أمام العين للرؤية الخاصة، ينكشف عنها حجب تراكمت بالابتعاد عن طريق الحق عز وجل، فإذا ما سار واقترب وترك المعاصي، رفعت عنه الحجب شيئاً فشيئاً، وصار يرى ما لا يُرى.
إن عين البصيرة عند الصوفية وأقطابهم الكبار هي التي تجلي الظلمات، وتنفتح على أكوان من النور، فتطلع على المعارف والمعاني، وفي ذلك يقول الشيخ الياقوت: «واعلم أن البصر والبصيرة متقابلان في أصل نشأتهما، فالبصر لا يُبصر إلا الأشياء الحسية الحادثة، والبصيرة لا تُبصر إلا المعاني القديمة الأزلية، فإذا انطمست البصيرة كان العبد مفروقاً عن الله، لا يرى إلا الأكوان الظلمانية الحادثة»، إن درر المعاني وأسرارها وإدراكها، هي العوالم التي تنشدها تلك العين، التي تعمر النفس والعقل معرفة ومحبة وجمالاً وقرباً من الله تعالى.
والبصيرة كذلك هي عين القلب والفؤاد التي ترى حقائق الأشياء وبواطنها، فإذا كانت العين العادية المجردة، هي تلك التي تبصر صور الأشياء وظواهرها، فإن عين البصيرة التي ترى ما وراء تلك الظواهر وتطلع على ما يقف خلفها من معنى، فتمثل بذلك كل الحواس، لذلك يلقب الصوفي الذي ارتقى مدارج في العلم ب«العارف بالله»، هو الذي انفتحت بصيرته واتسعت رؤيته فوصل إلى منازل رفيعة من العلم.