صبرت على سوء حظها على مدى 3 سنوات حتى فاض بها الكيل أمام قسوته الزائدة على الحد، وتعذيبه لها لدى أقل هفوة، ولم تجد أمامها سوى اللجوء إلى محكمة الأسرة لتقيم دعوى خلع.
مثل كل فتاة كانت «رانيا» تحلم بالزواج وفستان الفرح والأمومة والحياة الأسرية الهانئة، كما كانت تحلم بالثراء العريض والملابس الأنيقة والسيارة الفارهة والشقة الفخمة. ظلت تحلم وتحلم حتى تفيق من أحلامها على واقعها المرير بكل فقره وحرمانه، فقد وعت على الدنيا فوجدت نفسها الابنة الكبرى لرجل يعمل في وظيفة بسيطة بإحدى الهيئات الحكومية وراتبه الشهري المتواضع لا يكفي لتوفير ضروريات الحياة، من إيجار الشقة ومصاريف الأولاد وتعليمهم فلديه ثلاثة أولاد وثلاث بنات وجميعهم في مراحل التعليم المختلفة، باستثناء «رانيا» التي تعثرت في المرحلة الإعدادية ما دفع والدها إلى الموافقة على رغبتها في ترك الدراسة مبكراً لمساعدة والدتها في المنزل، خاصة وأنها كانت على درجة كبيرة من الجمال وخفة الظل وأيقنت أن مشوار التعليم طويل ممتلئ بالصعاب بسبب فقر أسرتها، رغم هذه الحياة المأساوية الكئيبة وعدم قدرة الأسرة على توفير أية دروس خصوصية، فقد قطع الأب عهداً على نفسه بتعليم أولاده الستة مهما كان الثمن، وكان الثمن من صحته فبعد أن يعود من عمله كان يذهب لمساعدة قريبه إبراهيم في محل الموبيليا الذي يمتلكه، ليقوم بتنظيف المحل، بالصدفة شاهد إبراهيم «رانيا» فجذبه جمالها وأنوثتها ورأى فيها الشباب والصحة التي تجعلها لا تمل من واجباته، فبدأ في التقرب إلى والدها وأخذ يغدق عليه بالهدايا والأموال حتى فوجئ به يزوره في منزله لأول مرة وأحضر معه هدايا فاخرة لجميع أفراد الأسرة إلى جانب كم كبير من الهدايا التي اختص بها «رانيا»، ومن دون مقدمات طلب يد «رانيا» رغم أنها لم تكن قد أكملت الثامنة عشرة من عمرها، وأبدى استعداده لتأمين مستقبلها وتنفيذ جميع رغباتها، في البداية رفض الأب وتعلل بفارق العمر الكبير بينهما لكن الحقيقة أنه كان يعلم «إبراهيم» جيداً وأن الثراء الفاحش الذي يعيش فيه لم يرثه عن أسرته لكنه جمعه في سنوات قليلة تعد على أصابع اليد الواحدة، ولابد أن يكون مصدره مشبوهاً، رغم أن العريس كان أبعد ما يكون عن مواصفات فارس الأحلام التي رسمتها في خيالها، لكن «رانيا» وافقت عليه فقد انفردت بها أمها بمجرد مغادرته للمنزل وأخذت تنفث سمومها في أذنيها بألا تترك جمالها يذبل وألا تعطي نفسها إلا لمن يستحقها ويقدر جمالها. وتلقت أمها موافقتها بالزغاريد لتعلن للجميع أن ابنتها قد أصبحت عروساً، وخلال أيام تم إعلان الخطبة وقدم لها شبكة قيمة، كما تم كل شيء على أكمل وجه من دون أن يكلف الأسرة أية مصروفات ولا تذكر «رانيا» ولو مرة واحدة دخل عليهم المنزل إلا محملاً بالهدايا ونجح في اختراق حصون قلبها، وتمكن بكلماته الرقيقة ووسامته وسيارته الفاخرة من الإيقاع بها فأحبته وتشبعت مشاعرها حتى أصبحت غير قادرة على الاستغناء عنه، حتى تم الزواج بعد 6 أشهر في حفل كبير أنفق عليه «إبراهيم» الكثير لإرضاء عروسه وحتى ينال رضاها، انتهى الحفل وتوجه العروسان إلى شقة الزوجية وكانت موضع حسد الجميع فقد كانت رائعة الجمال، تأسست بأثاث فاخر وديكوراتها أبهرت كل من شاهدها، وشعرت وقتها أنها امتلكت كل شيء الزوج الغني والسعادة الزوجية والبيت الجميل، واعتقدت أنها ستعيش حياة سعيدة وستنتقل من حياتها البسيطة إلى حياة جديدة مملوءة بالبهجة، وبالفعل تحقق لها كل ما تريد ونقلها زوجها إلى حياة أكثر انفتاحاً وجلب لها ما لذ وطاب من أنواع الطعام وأغدق عليها بالملابس الفاخرة والهدايا الثمينة، ومن بينها سيارة أحدث طراز ومرت الأيام هادئة لم تعرف المشكلات طريقها إليهما، وشعرت بأنها في نعيم كبير وأنها جمعت معاني السعادة في دنياها داخل شقتها الجميلة، ولم يعد ينقصها شيء وكل آمالها أن يديم الله عليها هذه النعمة وهذا الحب، ومضت الليالي السعيدة تتوالى في هدوء ويتجرع الزوجان كؤوس الحب دون منغصات حتى اكتشفت بعد أقل من عام واحد أن زوجها يتاجر في المخدرات، فطلبت منه البعد عن هذه التجارة المشبوهة بسبب المخاطر الكثيرة التي يمكن أن يتعرض لها، لكنه أكد لها أن المستوى الذي يعيش فيه ليس من وراء عمله كتاجر موبيليا بل من أرباح تجارته في المخدرات وأنه كان يتعاطى المخدرات ومعظم دخله كان يذهب إلى تجار المخدرات، حتى عرض عليه أحدهم أن يشاركه في التوزيع فوافق، وبعد فترة قصيرة وجد أنه يكسب الكثير من الأموال وأعجبته التجارة فاستقل بنفسه وتوسع وتضاعفت ثروته، لم تعرف كيف تتصرف وهل تطلب الطلاق وهي ما زالت عروساً وماذا عن الجنين الذي نبت في رحمها؟ وبعد تفكير طويل قررت أن تستكمل حياتها معه والتزمت الصمت ما دام الأمر بعيداً عنها وعاشت معه 4 سنوات لم يهنها أو يجرحها بكلمة ولم تطولها يده يوماً، وكانت كالملكة المتوجة على العرش جميع طلباتها مجابة دون مناقشة، لكن السعادة لم تدم طويلاً فقد أهملها زوجها وبدأ يتردد على الحانات والملاهي الليلية ويجالس النساء حتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي، ويتركها وحيدة تحرقها نار الغيرة وعندما فشلت في إعادته إلى رشده طلبت الطلاق وصممت عليه حتى طلقها، بعد أن تنازلت عن جميع مستحقاتها، وعلمت بعد الطلاق بفترة قصيرة أنه سقط في قبضة الشرطة وصدر الحكم بسجنه 10 سنوات.
مرت عليها ثلاث سنوات وهي في بيت أهلها ومعها طفلتها وبالطبع وكأي مطلقة فقد تم فرض العديد من القيود عليها، ولم يكن أمامها سوى الموافقة على الزواج من أول رجل يتقدم إليها، وكان «حامد» يكبرها ب13 عاماً، مطلق ولديه ثلاثة من الأولاد، تمت مراسم الزفاف سريعاً وبعد أيام قليلة اكتشفت الكارثة الكبرى، زوجها كسول يكره العمل ولا يمتلك أي ذرة من النخوة فهو يتزوج بالنساء ليس حباً فيهن أو في أجسادهن، لكن لكي يستغلهن، فهن مصدر دخله الوحيد بعد ما نفد ميراثه من والده وعليهن أن يبحثن عن الرزق بأية وسيلة. المهم أن يستولي على الحصيلة وطبعاً لا يسأل عن مصدر الأموال أو كيف حصلن عليها، والغريب أنه كان يتولى القيام بجميع الأعمال المنزلية من دون شكوى أو ملل!
لم يكن أمامها سوى الصبر على قدرها وسوء حظها المركب فليس لديها خيار آخر، لكن أمام قسوته الزائدة عن الحد وتعذيبه لها لدى أقل هفوة حيث كان يقيد يديها وقدميها بالحبال ويلقى الماء المغلي على جسدها، وفي إحدى المرات حلق شعر رأسها «زيرو» وهددها بتشويه وجهها، كان من الطبيعي أن تنفر منه وترفض معاشرته، خاصة أنه لا يدعوها إلى الفراش إلا بعد أن يكون قد تشبع بالمخدرات وتحول إلى حيوان يود إشباع رغبته بأي شكل، فكان ينهال عليها بالضرب ويحصل على ما يريده بالقوة مما زاد من نفورها منه والكراهية تجاهه، حتى فاض بها الكيل بعد 3 سنوات من الزواج، وقررت أن تفوز من الغنيمة بالإياب، طالبته بالطلاق بهدوء وأبدت استعدادها للتنازل عن جميع مستحقاتها الشرعية، لكنه رفض كنوع من العناد فلجأت إلى محكمة الأسرة وأقامت دعوى خلع.