لكل مجتمع شروطه الخاصة في الزواج، وفي مجتمعاتنا العربية يلقي البعض باللوم على الضوابط التي تضعها بعض العائلات لاختيار زوجة لابنهم أو زوج لابنتهم، وفي الحالتين تقف هذه الضوابط التي يفرضها كبار العائلة، ويرفضون التفريط فيها أمام اتمام العديد من حالات الزواج لتكون النتيجة انتشار ظاهرتي العنوسة لدى البنات، وارتفاع سن الزواج لدى الشباب.
س.س مدرسة تقول: أنا من عائلة محافظة، كان شرط والدي ان يكون العريس من نفس عائلتنا وكنت ارفض طريقته في التفكير لأنني كنت اشعر بأن شرطه هذا غير عادل، ولكني لم املك القدرة على المعارضة لشعوري بالإحراج في ابداء رأيي فيما يتعلق بهذا الموضوع ولكنه تخلى عن هذا الشرط أخيراً بعدما رأى ان كل اقاربي تزوجوا من خارج العائلة حتى بدأت اشق طريق الثلاثينات بلا زواج حينها فقط اقتنع بزواجي من انسان ينتسب لعائلة اخرى، حتى اختي تزوجت من عائلة مختلفة ليست من مدينتنا نفسها، ولكننا ضد الزواج من بلد آخر، فيجب ان يكون الشخص المتقدم للزواج من جنسيتنا نفسها.
وبجرأة تحيطها روح من السخرية قالت ر.ش مدرسة: فرض علي مجتمعي واقعاً قبلته على نفسي، فتاة تخطت الثلاثينات بخمسة أعوام بلا بيت مستقل ولا زوج ولا اطفال، انتظرت رجلاً من قبيلتي نفسها حتى تزوج جميع رجال القبيلة وبقيت أنا، تقدم لي الكثير من خارج القبيلة، ولكن رغبتي في الزواج لم يعد لها وجود فقد اعتدت الرفض، والآن أنا عانس بكافة المقاييس ولا يهمني الأمر كثيراً.
ع.ح طالبة جامعية تقول: أهلي لهم عادات معينة في الزواج يتمسكون بها وهي عادات تضايقني كثيراً، فحين يتقدم لي أو لإحدى اخواتي شخص من خارج قبيلتنا، يجتمع والدي بأعمامي وأخوالي ليسألهم ان كان أي منهم يريد خطبتنا لأبنائه قبل ان يتفق مع الشخص المتقدم من خارج القبيلة، وهذه الطريقة تحرجني أنا واخواتي، وحاولت ان اشرح لوالدتي الأمر إلا أنها تعرف والدي جيداً فهو غير مستعد لتعديل هذه العادة التي ورثها عن والده.
طابور الزواج
أما ج.م طالبة جامعية فتقول: من المستحيل لدى عائلتي ان تتزوح الفتاة الصغرى قبل الكبرى، فيجب ان نصطف في طابور حتى يأتي النصيب بالتدريج، اختي الصغرى تقدم لها اشخاص من ذوي الأخلاق والمكانة، ولكنهم قوبلوا بالرفض لأنها يجب أن تنتظرني أنا واختي الكبرى لنتزوج وبعدها تستطيع الزواج، وهذه العادة يطبقها اعمامي جميعاً. حتى إن واحدة من بنات اعمامي وصلت الى عمر كبير بلا زواج ومازالت تقف عائقاً في وجه زواج اخواتها الأصغر منها، وهذا في رأيي ظلم لهن.
ويبدو ان عادة الزواج من الأقارب مازالت عرفاً سائداً لدى البعض كما أكد علي. س موظف الذي قال: أنا من عائلة نشأت على عادة الزواج من الأقارب، لأن القريب يحرص على الفتاة ويخاف عليها ويهتم بها اكثر من الغريب، بالنسبة لي فأنا متزوج من ابنة خالتي، واخي متزوج من ابنة عمي، وقليل من افراد عائلتنا تزوجوا من خارج العائلة، حتى ان علاقاتنا الأسرية تكون اقوى بهذه الطريقة، ومن خلال تجربتي بقريبتي أؤيد زواج الأقارب ولكني في الوقت نفسه لا اعارض الزواج من خارج محيط العائلة ان كان الشخص مناسباً.
حسن.م محاسب قال: عاداتنا وتقاليدنا تفرض شروطاً معينة في الزواج فنحن عائلة محافظة، والزواج لدينا ينحصر بشكل كبير ضمن نطاق العائلة أو العائلات الأخرى من المنطقة أو المدينة نفسها، ولكن يجب ان تكون عائلة معروفة، ومشهود لها بحسن السمعة، نادراً ما يتزوج افراد عائلتنا من بلد آخر أو حتى من مدينة أخرى، فالعرف السائد لدينا هو الحفاظ على اسم العائلة الذي يكبر ويستمر بهذه الطريقة.
نورة.م موظفة تقول: لا اشترط ان يكون المتقدم لابنتي من العائلة نفسها ولكني اشترط ان تتزوج الكبرى قبل الصغرى، فأنا لا أريد ان أؤذي مشاعر الكبرى لأن زواج اختها الصغرى قبلها يجعلها تشعر بأنها غير مرغوبة أو ان اختها افضل أو اجمل منها وهذا سيؤثر في نفسيتها، ويجب ان تفهم ابنتي الصغرى هذا المبدأ وتتقبله.
بلا شروط
وتقول أم محمد سيدة أعمال: لا شروط لدي في الزواج، ولا أرفض تزويج ابنتي من رجل من عائلة اخرى حتى تكاليف الزواج لا احبذ المبالغة فيها، فالزواج مؤسسة بين شخصين وليس تجارة، كما أن كل انسان يأخذ نصيبه ولذا فأنا لا اعارض زواج ابنتي الصغرى قبل الكبرى، وأرى ان مجتمعنا أصبح الآن أكثر وعياً في هذه الأمور فقد اختلف الوضع عما كان عليه في السابق حيث كان الأهالي سابقاً يعقدون الأمور بشكل كبير ويضعون شروطاً كثيرة وتعجيزية مما ينتج عنه كثير من المشاكل.
وتوافقها الرأي مها حماد ربة منزل وتقول: الزواج أولاً وأخيراً قسمة ونصيب ويجب ألا نضع شروطاً تزيد الأمور تعقيداً، فأنا مغتربة عن بلدي ومن الصعوبة ان اضع شروطاً تحدد مواصفات الشخص المتقدم لابنتي، فبهذه الطريقة لن تتزوج أبداً، والشروط في نظري هي أول سبب للعنوسة، كل ما يهمني ان يكون الشخص على دين وخلق والأفضل ان يكون من جنسيتنا، ولكن ان كان من بلد آخر ومناسباً فلن اقف في وجه هذا الزواج.
أما بثينة.م طالبة فتقول: ليس لأهلي أي شروط في الزواج إلا أن يكون الشخص حسن السيرة والسمعة، فزواج القرابة ليس شرطاً لدى عائلتي، كما اننا نؤمن بالنصيب فمن جاء نصيبها فلتتزوج ولا نربط زواج الصغرى بالأخت الكبرى فهذه الشروط سبب لعنوسة مضمونة.
وعي كبير
أ.س طالبة جامعية تقول: عائلتي على وعي كبير بأضرار الزواج من الأقارب لذا لا تصر عليه ولا تتخذه شرطاً أساسياً في الزواج، ولكننا في الوقت نفسه لا نرفضه ان كان هذا القريب مناسباً، وأنا سعيدة لأنني من عائلة متفهمة لهذه الأمور فأنا أرى معاناة من حولي من الصديقات اللواتي يضع آباؤهن شروطاً تعسفية ظالمة لبناتهم، وأتعجب من طريقة تفكيرهم.
الدكتور جمال البح رئيس منظمة الأسرة العربية قال: يمر العالم العربي بمرحلة اجتماعية حرجة وخصوصاً في الأمور المتعلقة بالزواج بعدما اصبح الزواج من الأمور الثانوية لدى الشباب، فإن شعر الشاب بوجود مشاكل فإنه سيعزف عزوفاً تاماً عنه أو سيحل هذه المشكلة بزواجه من اجنبية وهو لا يعلم أنه بذلك يخلق مشكلة أخرى أكثر خطورة. ومع أن زواج الأقارب نوع من العرف السائد إلا أن الاسلام حث على التغريب في الزواج كما ورد في مقولة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: غربوا في النكاح لأن زواج الأقارب له تأثير سلبي ويعد سبباً لأمراض وراثية وهذا مثبت طبياً، وأمراض اجتماعية وهذا يحدث في حالة الطلاق فتتبعثر علاقات الأسر الى تربطها صلة القرابة وتتشتت وتتفرق وتدفع العائلتان ضريبة الطلاق.
ويضيف: الحكمة تقول، إن الزواج من غير الأقارب أفضل، وقال ابن خلدون ان المجتمعات التي تدخل في المدنية والحداثة تتخلى عن ثوابتها وعاداتها الاجتماعية، ومجتمع الامارات دخل في المدنية وزاد الوعي فيه من هذه الناحية إلا ان البعض لايزال متمسكاً بأفكاره وتقاليده السابقة مما يتوجب زيادة التوعية والبرامج التثقيفية الخاصة بهذا الموضوع، ويتساءل: لماذا يخير المجتمع ابن العم في الزواج من القبيلة نفسها أو من خارجها بينما يفرض على الفتاة الزواج من القبيلة نفسها؟ فالشاب له حق الاختيار والفتاة مجبرة على القبول فقط بمن قد يكون غير مناسب أو كفء لها، مع أن نسبة زواج الفتاة من الأقارب تعادل 10%، ومن غير الاقارب 90%، فلماذا نحرمها حقها في الزواج من شخص من خارج محيط عائلتها إلا أنه يناسبها أكثر من قريبها لمجرد اختلاف اسم عائلته؟ أليس هذا ظلماً للفتاة؟
مصلحة الابناء
أما فيما يتعلق بزواج الترتيب وهو رفض تزويج الاخت الصغرى قبل الكبرى فهذا ايضاً مرفوض وفيه ضرر كبير فقد قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه وهذا هو شرط الاسلام في الزواج، حسن الدين والخلق، فالإصرار على تزويج الكبرى قبل الصغرى يضر بعلاقة الاختين حيث تشعر الاخت الصغرى بأن اختها تقف عائقاً أمامها وتحرمها حقها في الزواج من شخص كفء صاحب خلق ودين وهنا احب ان أوجه نصيحة لكل أولياء الأمور بأن عليهم النظر ملياً في قضية عمر الفتاة والتي تعتبر فترة الزواج المناسبة لها ما بين 20 ،30 فلا يحرموها فرصة الزواج ان كان الشخص المتقدم لها مناسباً.
محمد عبدالرحمن مدير ادارة الأحوال الشخصية في محاكم دبي قال: لم يضع الاسلام شروطاً من ناحية الزواج إلا أن يكون الشخص المتقدم للزواج على خلق ودين، فلم يشترط الاسلام زواج الأقارب أو الترتيب في الزواج كضرورة زواج الكبرى قبل الصغرى بل ان الاسلام يفضل الأباعد في الزواج لما في ذلك من توسيع الاختلاط بين العوائل كما قال تعالى: وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا.
ربما كانت شروط الأب في اصراره على الزواج من نفس القبيلة لما يرى فيه مصلحة ابنته ومصلحة العائلة كمنع الشقاق مثلا وهذا شيء جيد، ولكن ان كان منعه لابنته من الزواج من شخص كفء على خلق ودين منعاً تعسفياً لا يوافق أي مصلحة لابنته فهنا يلحقه الإثم لقول الرسول الكريم: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، فإن لم تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عظيم.