الاختلاط بين الأقارب والمحارم واحدة من أكثر المسائل التي قد تعرض العلاقات الأسرية للقطيعة أو ارتكاب المحرمات، حيث قد يؤدي تواجد ذوي المحارم في مكان واحد في كثير من الأحيان، وانكشاف بعض العورات بين أقارب الدم والنسب، وتخطي الضوابط الشرعية الواجبة في غض البصر وستر العورة إلى الوقوع في الخطأ أو إثارة الحساسية بين الأقارب، وربما تقع بعض الممارسات المحرمة على نحو ما نسمعه من حين إلى آخر .
السؤال: ما حدود العلاقة المشروعة بين المحارم؟ وكيف نسد بضوابط الإسلام كل منافذ الشيطان؟
الدكتور محمد رأفت عثمان، أستاذ الشريعة، عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، يعترف بخطورة الاختلاط غير المنضبط بأحكام الشرع بين أهل المحارم، ليس فقط من ناحية الغريزة والشهوة، بل من ناحية العلاقات النفسية والأسرية بين أهل الدم والنسب .
ولعل أبرز أسباب هذا الخطر هو جهل بعض الناس بالضوابط الشرعية أو تجاوزها تحت داعي القرابة، ولكن الواجب ألا يتعدى أحد حدود الله الواجب تطبيقها على النفس قبل القريب، ومنذ الصغر وقبل الكبر .
بداية يعرف الدكتور رأفت المحارم فيقول: إن كل رجل حرم الإسلام على المرأة الزواج منه بشكل مؤبد ونهائي، وكل امرأة حرم الإسلام على الرجل الزواج منها حرمة مؤبدة، هم من المحارم .
وهم على وجه التحديد سبعة محارم بسبب النسب من النساء، وهن: الأم والبنت والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت . وأيضاً أربعة محارم بسبب المصاهرة من النساء، وهن: زوجة الأب وزوجة الابن وأم الزوجة وبنت الزوجة (التي في عصمة الرجل) .
كما أن هناك محارم بسبب الرضاعة، وهن الأم المرضعة وكذا الأخوات من الرضاعة . يضاف إلى هذا حرمة أخت الزوجة، إذ يحرم زواجها على الرجل ما دامت أختها في عصمته، ولهذا فالحرمة هي في الجمع بين الأختين، وهي لهذا تسمى حرمة مؤقتة .
وهذه المحرمات ثابتة بالقرآن والسنة وإجماع العلماء والعرف الشرعي، كما في مثل قوله تعالى: "حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفوراً رحيماً" .
إذن فتحديد المحارم معروف شرعاً، ولكن المشكلة في حدود الاختلاط والنظر بين المحارم .

" . .إلا ما ظهر منها"

ويضيف د . عثمان: الإسلام من منطلق خصوصية المحارم والصلة الاجتماعية الموجودة، وحتى لا يثقل على الأهل عند التعامل اليومي بعضهم مع بعض، تخفف بعض الشيء في النظر إلى المحارم .
فالنظر إلى الأجنبية أي غير المحارم معروف أنه لا يجوز شرعاً من حيث المبدأ الشرعي، خاصة في سن البلوغ، وعند الفتنة والخوف منها، وعند عدم وجود ضرورة للنظر مثل التعليم أو العلاج .
أما المحارم فيجوز للرجل أن ينظر من ذوات محارمه إلى الشيء الذي جرى العرف الغالب على ظهوره مثل الرأس والرقبة واليدين والقدمين . وهذا هو المعنى المقصود عند غالبية العلماء من قوله تعالى "إلا ما ظهر منها" وذلك في سورة النور: "ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء" .
وهكذا حددت الآية المحارم الذين يجوز لهم أن يروا ظاهر الزينة، أو كما يقال فقها: "العورة المخفقة" . أما "العورة المغلظة" أي القبل والدبر في الرجل والمرأة وما حولهما، فيحرم على المحرم أن يراها من محرمه كما أجملت الآيات .
وعدم جواز كشف المحارم إلا ما يظهر من الزينة، خلق وسلوك إسلامي، سد الله به باب الفتنة وأغلق منافذ الشهوة، وحمى عفاف الأنوثة كما صان شهامة الرجولة .
ولهذا ننصح النساء بعدم الإسراف في ارتداء الثياب القصيرة بين المحارم حتى لو كان المحرم أخاً أو أبناً أو والداً أو عماً .

الحمو والأطفال والنساء

واستكمالاً لهذا الحكم الشرعي، يشير الدكتور رأفت عثمان إلى ثلاثة أحكام شرعية مهمة، تكمل صورة التعامل الشرعي مع المحارم .
الأول: الأطفال، فرغم أنهم صغار إلا أنه لا يجوز التساهل معهم في رؤية العورات، فطفل اليوم هو شاب الغد، وقد تتولد في ذهنه صورة معينة وعندما يكبر يوسوس له شيطان الشهوة وشيطان الجن بما كان قد رآه في طفولته . ولهذا درب الإسلام الأطفال على الاستئذان للدخول على الوالدين، وعرفهما بأن لهما أماكن عورات، وأزمنة عورات، وحالات عورات، كما شددت آية سورة النور: "يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت إيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم . ." .
الثاني: لا يجوز للنسوة التساهل في النظر إلى عورات الذكور، بحجة أنهم ذكور، إذ العورة عورة، على النساء كما على الذكور، والأنثى تشتهي من الرجل ما يشتهيه منها!
ومن الأحاديث ذات الدلالة في هذا الموضوع ما يرويه أبو داود والترمذي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل عبد الله بن أم مكتوم، وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب، فقال النبي: احتجبا منه، فقلنا يا رسول الله: أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا، فقال صلى الله عليه وسلم: أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟ .
الثالث: أن أشقاء الزوج وكذا أخوات الزوجة ليسوا من المحارم، وأن حرمة زواج أخت الزوجة حرمة ليست مؤبدة بل هي مرحة مؤقتة بوجود أختها في عصمته ولهذا يجوز زواجها لو طلق أختها أو ماتت الأولى .
والخطر أحيانا يأتي من أخوات الزوجة أو أشقاء الزوج، إذا قد يعاملون على أنهم من أهل البيت وهم ليس لهم ما لأهل المحارم .
وهذا الأمر حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه البخاري ومسلم أن الرسول قال: "إياكم والدخول على النساء . فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال عليه الصلاة والسلام: الحمو الموت" . وحمو المرأة أي أقارب زوجها مثل الأخ والأب والعم!

التفريق في المضاجع

وتدعو الدكتورة إلهام شاهين، أستاذة الفقه بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، إلى ضبط عمليات الاختلاط بين المحارم بضابط الإسلام، حتى لا تصبح القربى سبباً في التباعد والشقاء .
وآداب الإسلام واضحة في هذا المجال، حيث ينبغي الاستئذان عند التزاور، كما ينبغي أن يكون لكل محرم خصوصيته في منزله أو حجرته عند الإقامة معاً داخل البيت، والإسلام ربانا على أن نباعد بين الأطفال الذكور والإناث عند حدود العشر سنوات، فالإخوة عند هذه السن ينبغي أن تكون لكل واحد منهم خصوصيته في النوم والملبس وفي حفظ عوراته وعورات من يعيش معه . وفي الحديث: "مروا أولادكم للصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع" .
وهذا الأدب جزء لا يتجزأ من واجب الرعاية الذي حمله رسول الله للأب والأم، كما في حديث البخاري ومسلم: "والرجل راع في بيت أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها" .
ومن الآداب العامة كذلك خلق غض البصر، وهو سلوك مطلوب من كل ذكر وأنثى تجاه الأجانب، كما هو مطلوب تجاه المحارم عندما يخشى من الفتنة .
والأمر القرآني بغض البصر للمؤمنين والمؤمنات واضح كما في آيات سورة النور، هو واضح في دلالات حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العينان تزنيان وزناهما النظر" .
وكذلك هو واضح من النهي عن الإثارة الجنسية بالصوت والهمس، خوفاً على النساء والرجال، ولهذا جاء مثل هذا الأمر القرآني: "فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض" .