البيع بالتقسيط حلال شرعاً إذا توافرت فيه مجموعة من الضوابط الشرعية . . هذا ما أكده فقهاء وخبراء في الاقتصاد الإسلامي، مشددين على أن هذه الضوابط أكدت عليها الشريعة الإسلامية حماية للمستهلك من جشع وابتزاز بعض التجار الذين قد يستغلون حالة الاضطرار لدى الناس .

في البداية يوضح الدكتور رفعت العوضي، رئيس قسم الاقتصاد بكلية التجارة في جامعة الأزهر أنه لا يوجد في كتب الفقه شيء يسمى بيع التقسيط وإنما وجد البيع بالدين أو القرض الحسن الذي حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم وبالغ فيه إلى درجة أنه اعتبره نصف صدقة ونهى عن أخذ الزيادة مقابل الصبر على المدين في الوفاء إذا كان البائع يبحث عن الثواب من الله .

وزاد الإقبال على البيع بالتقسيط في المعاملات سواء بين الأفراد أو الدول بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تقوم البنوك أو الشركات بشراء السلع من المنتجين أو الموردين بالتقسيط وتبيعها للزبائن بالتقسيط، وعلى المستوى الفردي زاد التعامل به أيضا .

ضوابط مجمع الفقه

وبسبب هذا الانتشار يؤكد الدكتور العوضي أن المجامع الفقهية اهتمت بقضية البيع بالتقسيط وأشهرها مجمع الفقه الإسلامي الذي وضع لذلك ضوابط لا بد من توافرها حتى يكون حلالا، وأهمها:

أولاً: تجوز الزيادة في الثمن المؤجل على الثمن الحال، كما يجوز ذكر ثمن المبيع نقداً وثمنه بالأقساط لمدد معلومة، ولا يصح البيع إلا إذا جزم العاقدان بالنقد أو التأجيل، فإن وقع البيع مع التردد بين النقد والتأجيل بأن لم يحصل الاتفاق الجازم على ثمن واحد محدد؛ فهو غير جائز شرعاً .

ثانياً: لا يجوز شرعاً في بيع الأجل التنصيص في العقد على فوائد التقسيط مفصولة عن الثمن الحال، بحيث ترتبط بالأجل سواء اتفق العاقدان على نسبة الفائدة أم ربطاها بالفائدة السائدة .

ثالثاً: إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه بأي زيادة على الدين، بشرط سابق أو من دون شرط؛ لأن ذلك ربا محرم .

رابعاً: يحرم على المدين الميسور أن يماطل في أداء ما حل من الأقساط، ومع ذلك لا يجوز شرعاً اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء .

خامساً: يجوز شرعاً أن يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل مواعيدها عند تأخر المدين عن أداء بعضها، ما دام المدين قد رضي بهذا الشرط عند التعاقد .

سادساً: لا حق للبائع في الاحتفاظ بملكية المبيع بعد البيع، ولكن يجوز للبائع أن يشترط على المشتري رهن المبيع عنده لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة .

سابعاً: يجوز التقليل من الدين المؤجل لأجل تعجيله، سواء أكان ذلك بطلب الدائن أو المدين، ولا تدخل مثل تلك العملية في الربا المحرم، إذا لم تكن بناء على اتفاق مسبق وما دامت العلاقة بين الدائن والمدين ثنائية، فإذا دخل بينهما طرف ثالث لم تجز؛ لأنها تأخذ عندئذ حكم حسم الأوراق التجارية .

ثامناً: إذا اعتبر الدين حالا لموت المدين أو إفلاسه أو مماطلته فيجوز في جميع هذه الحالات الحط منه للتعجيل بالتراضي .

تفريق لا بد منه

ويفرق د .العوضي بين تعامل الناس مع البنوك عن طريق الشراء بالتقسيط مقابل الزيادة في سعر المبيع، مع أن البنك لا يملك ما يبيعه، لأنه ليس عنده، وبين أن يختار المشتري ما يود شراءه ثم يأتي للبنك يطلب منه شراءه لحسابه، ويقوم البنك بدفع القيمة النقدية للشيء كمشتر، ثم يسلمه للمشتري بالتقسيط بعد أن يوقع العقد بينهما، ويلتزم بالشروط المطلوبة في التسديد ويستلمه بعد ذلك . . فالمعاملة الأولى عليها مآخذ شرعية لأنها في الحقيقة قرض بزيادة مشروطة عند الوفاء بصورة بيع فيها حيلة ربوية، أما الثانية فقد اتفقوا على أنها حلال باعتبارها شراء لمصلحة الغير عن طريق المرابحة .

ويشير إلى أن المراد في الحديث الذي نهى فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة أن يتفرق العاقدان من دون تحديد لأحد السعرين، فيكون من عقود الغرر، أما إذا تم تحديد للسعر بينهما فليس هذا من البيعتين في بيعة، وإنما هو بيعة واحدة . . مؤكدا كذلك أن بيع التقسيط بعيد عن بيع العينة وهو أن يبيع السلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها بأقل من ثمنها نقداً، ومن ثم فهو إدخال عقدين في عقد واحد .

ويؤكد د . العوضي أن هناك فرقاً واضحاً بين الزيادة في الأجل من نقد لنقد وهذا ربا محرم، وبين الزيادة في الأجل من نقد لسلعة، مشيراً إلى أن المعاملة الأولى تمويل نقدي ربوي، حيث إن المقرض يعطي نقودًا ويسترد نقوداً وهذا ما تحفظ عليه العلماء بأن النقود لا تولد النقود، أما في البيع الآجل فالتمويل ليس نقديًا وإنما تمويل سلعي فهو يبيع سلعة ويكسب في ثمنها الآجل . . والربح هنا حلال؛ لأن النقود تحولت إلى سلعة ثم إلى نقد، وهذه هي التجارة المشروعة التي تتقلب فيها النقود ويتم تداولها بين الناس . ويتطرق د .العوضي إلى بيع التورق لارتباطه ببيع التقسيط وفيه يتم شراء سلعة بالتقسيط ثم تباع من أجل الحصول على المال، مؤكدا أن هذا الموضوع جائز عند جمهور العلماء، بشرط أن يتم بيع السلعة لشخص آخر غير الذي تم الشراء منه .

رأي الجمهور

أما الدكتور محمد عبدالفضيل القوصي، نائب رئيس جامعة الأزهر سابقا، فيوضح أن النصوص الشرعية الصريحة وردت بجواز تأجيل الثمن، إلا أنه لم ترد نصوص بجواز زيادة الثمن من أجل التأجيل، ولهذا اختلف العلماء في حكم هذه المسألة فذهب قلة لتحريم بيع التقسيط بحجة أنه ربا وفيه زيادة في الثمن مقابل التأجيل، في حين ذهب الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة إلى جوازه واستدلوا بقوله تعالى وأحل الله البيع وحرم الربا والآية بعمومها تشمل جميع صور البيع ومنها زيادة الثمن مقابل الأجل، وقوله تعالى كذلك يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارةً عن تراض منكم . والآية بعمومها أيضاً تدل على جواز البيع إذا حصل التراضي من الطرفين، وطالما رضي المشتري بالزيادة في الثمن مقابل الأجل كان البيع صحيحاً، كما أن البيع بالتقسيط عقد والأصل الوفاء بالعقود لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود وقوله فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا والكتابة هنا بالأقساط وفيها زيادة متفق عليها من أجل التأخير .

ويستشهد د . القوصي على حل بيع التقسيط بأن بيع السلم جائز بالنص والإجماع، وهو شبيه ببيع التقسيط، وذكر العلماء من حكمته أن المشتري ينتفع برخص الثمن أو القسط والبائع بالمال المعجل، وهذا دليل على أن للأجل في البيع نصيباً من الثمن، كما جرى عرف المسلمين على جواز زيادة الثمن مقابل التأجيل فصار كالإجماع على جوازه .

ويرد د . القوصي على القائلين إنه بيع ربوي بأنه قول غير دقيق؛ لأن التاجر حين باع السلعة إلى أجل إنما وافق على التأجيل من أجل انتفاعه بالزيادة، وكذلك المشتري إنما رضي بالزيادة من أجل المهلة وعجزه عن تسليم الثمن نقداً، وبالتالي كل منهما منتفع بهذه المعاملة التي تدخل في عموم قول الله سبحانه يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه، وهذه المعاملة من المداينات الجائزة .

أخلاقيات التقسيط الحلال

وعن الأخلاقيات الإسلامية التي ينبغي أن يتحلى بها المتعاملون في البيع بالتقسيط يقول الشيخ شوقي عبد اللطيف، وكيل وزارة الأوقاف المصرية: يكون حكم هذا البيع بالنسبة للتاجر الاستحباب ويثاب عليه إذا قصد الإرفاق بالمشتري ومساعدته على شراء ما يحتاج إليه ولا يزيد عليه الثمن لأجل التقسيط إذا كان فقيراً محتاجاً ولا يضيق عليه في السداد وإذا حل موعد السداد وليس عنده مال أعطاه مهلة أو أسقط عنه الثمن كله أو بعضه وقد امتدح الله تعالى من يفعل ذلك بقوله وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون .

وكذلك يستحب التسامح وعدم زيادة السعر لأجل الأجل ولو من باب الفضل، وأن يكون التاجر رحيماً رافضاً للاستغلال وشهوة الكسب لأن من يحتاج السلعة قد يكون مضطراً إليها فلا يستغل البائع حاجة المحتاجين واضطرارهم وإنما يتطلع إلى الثواب العظيم الذي يقول عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله من أنظر معسراً أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، لكن بشرط أن يكون السعر واحداً ولا يزاد عليه في السعر .