تمثل التعاملات المالية والتجارية وبخاصة الدين والتداين واحدة من أكثر صور الاختلاف والتقاطع بين الأهل وذوي الأرحام، والناس عموماً، فالبعض يتملكهم الطمع والجشع عند التعامل مع القريب الغني، والبعض الآخر يتعمد إهانة القريب المحتاج، والبعض الثالث يتساهل في علاقاته المالية، بحيث لا يعرف حقوقه وواجباته في حالة التداين .
من الناحية الشرعية: ما ضوابط التداين وخصوصاً بين الأقارب؟
يقرر الدكتور عبدالله النجار، استاذ الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، أن ثقافة التداين المادي من الأمور الغائبة عن جل المسلمين في تعاملاتهم اليومية . فكثير من الناس يتعامل مع الدين بشيء من التساهل أو يعتمد على ما قد يكون بين الدائن والمدين من ود وقرابة أو يعتبر كتابة الدين دليلاً على عدم الثقة والشك بين الناس، وبما ان الظروف والنفوس كثيراً ما تتغير، وبما أن المال واحد من أسوأ أسباب الشح وتغيير النفوس، فكثيراً ما تحدث المشكلات بسبب التداين، وتبلغ أقصاها عندما تكون هذه العلاقة بين ذوي الأرحام، حيث تقسو القلوب أحياناً وتتبدل المشاعر سريعاً ويتحول الود إلى خصام في بعض الأحايين!
توثيق الدين
وعدد الدكتور النجار عدداً من جوانب الثقافة الشرعية المحكمة التي تضبط عملية التداين ولا تسبب فيما بعد خلافات بين المتداينين سواء كانوا أباعد أم أقارب:
أولاً: إن الدين من حيث المبدأ علاقة تفضل ومساعدة من الدائن لمدينه . ولهذا فهي جائزة ومباحة ومندوبة لفك حاجة المدين، وليست مفروضة عليه .
كما أنها بعيدة عن واجب الانفاق الذي قرره الخالق على الأهل، فالأقارب الذين يجب شرعاً الانفاق عليهم مثل الأولاد والزوجة والآباء، لا تنطبق عليهم قواعد الدين، لأن الانفاق واجب شرعاً والنفقة عليهم لا تعد صورة من صور الدين . ولهذا أحاط الإسلام هذه العلاقة بالدعوة إلى الانفاق والتصدق ومراعاة ظروف المدين والتفضل على المحتاج مراعاة لله من دون مَنّ ولا أذى .
ثانياً: كتابة الدين وتوثيقه والشهادة عليه من أبرز ما يدعو إليه الإسلام . وليس في هذا فرق بين القريب والبعيد بل قد تكون كتابة الدين بين الأقارب أهم حتى لا يسبب تقاطع الأرحام .
وفي كتابة الدين نزلت ما تعد أطول آية في القرآن الكريم وهي الآية (282) من سورة البقرة: يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل . . . . وفي فقه الآية معارف شرعية واضحة حول وجوب الكتابة أو أفضليتها . وتقوى الله والبعد عن الظلم وبخس الناس حقوقهم والشهادة والعدل والمساءلة ورد الدين، ومما له دلالة أن الله قدم لهذه الآية بقوله تعالى: واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون .
حسن الطلب والوفاء
ثالثاً: لابد أن ينظر المدين في قدرته على الوفاء بالدين . فليس مقبولاً ان يعرف المدين عجزه عن الوفاء ثم يستدين، بل عليه ان يبحث عن مصادر الوفاء، وأن يعقد العزم على سداد الدين . فليس هناك أسوأ من المدين الذي يكون في نيته ألا يرد دينه، حيث يعجزه الله عن دينه وهذا المعنى واضح في حديث البخاري وابن ماجة: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد اتلافها أتلفه الله . وفي حديث أحمد والطبراني عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حمل من أمتي ديناً ثم جهد في قضائه ثم مات قبل أن يقضيه فأنا وليه .
فواجب المؤمن أن يجهد نفسه في سداد الدين، وألا يسمح لوساوس الشيطان بأن تدفعه إلى التهرب من السداد سواء للقريب أو للبعيد من الناس .
رابعاً: وجوب حسن الطلب من الدائن، فالمعروف أن الدائن يحكم أن المال ماله قد يكون متعالياً أو مغروراً بماله، كما أن المدين في الأغلب هو الأضعف وهو الأكثر حساسية، ولهذا شدد الإسلام على وجوب حسن الطلب من الدائن وحسن الوفاء من المدين، ففي حديث البخاري ومسلم: خيركم احسنكم قضاء وفي حديث الترمذي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ألا وإن منهم (يعنى من الناس) حسن القضاء، حسن الطلب، ومنهم سيئ القضاء حسن الطلب، ومنهم سيئ الطلب حسن القضاء فتلك بتلك، ألا وأن منهم سيئ القضاء سيئ الطلب، ألا وخيرهم الحسن القضاء الحسن الطلب، وشرهم سيئ القضاء سيئ الطلب .
ثقافة التسامح
خامساً: لابد ان يعرف ذوو الأرحام خاصة أن التسامح والعفو والتنازل عن بعض أموال الدين من الأخلاق الإسلامية المطلوبة، حيث تخفف الاحتقان الذي قد يكون بين الأقارب، كما تزيل معاني الغيرة والحسد من المدين نفسه، وتحافظ على حسن التفضل الذي قدمه الدائن بما يحفظ له رغبته الشرعية في الانفاق الحسن وحسن التصديق .
وفي الدعوة إلى التسامح قال عليه الصلاة والسلام: من أقرض ديناراً إلى أجل فله بكل يوم صدقة إلى أجله، فإذا حل الأجل فأنظره بعده، فله بكل يوم مثل ذلك الدين صدقة . رواه مسلم، وفي حديث أيضاً، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى رجل يلازم رجلاً بدين، فأومأ إلى صاحب الدين بيده (أي ضع نصف الدين عنه)، ففعل، فقال: للمدين: قم فأعطه .
ويضيف د . النجار: من أسوأ ما شاهدته في حياتي، بعض الحدة والفحش الذي يطلب به بعض المسلمين دينهم من إخوانهم الأشقاء، وهو تصرف لا يأتي من مسلم مع إخوان الرحم والدين والإنسانية، فالمسلم كما في الحديث ليس بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء، كما أن المسلم يجب أن يكون دائماً في حاجة أخيه، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربه من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة، رواه البخاري ومسلم .
مساعدة الغارمين
ويؤكد الدكتور عبدالله سمك أستاذ ورئيس قسم علم الأديان بكلية الدعوة في جامعة الأزهر ضرورة تأسيس علاقات القربى بين المسلمين على البر والتعاون .
والإسلام في معظم شرائعه يدعو إلى بذل المال لله، للأقارب ولغير الأقارب . . وبجانب حث الإسلام على سداد الدين عن المدينين، حث الإسلام كذلك على عدد من المساعدات المالية التي يسن للمسلم تقديمها للمحتاجين من الأقارب خاصة، إذ معروف أن ذوي القربى أولى بالصدقات من الأجانب كما ذكر الحديث أن الصدقة للأقارب صدقة وقربى في الوقت ذاته .
كما حث الإسلام على التوسع في الهبات والعطايا للفقراء والمحتاجين، وفي حديث: من جاءه من أخيه معروف من غير إشراف ولا مسألة فليقبله، ولا يرده فإنما هو رزق ساقه الله إليه، رواه أحمد وغيره . كما حث الإسلام على فضيلة الوقف الخيري لمشاريع الخير للمسلمين، وهي للأقارب والمحتاجين أولى في نطاق معنى الإحسان الذي أمر به الخالق في قوله تعالى: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب . . . .
والمعنى نفسه وارد في حث الإسلام على الوصية للأقارب درءاً للحاجة وفي القرآن الكريم: وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولاً معروفاً .
ويتوقف الدكتور عبد الله سمك عند مسألة عجز المدين عن سداد ما عليه من دين، فيقول: عند عجز المدين عن سداد الدين فمسؤولية القريب تكون بين واحد من اثنين إما أن يكون المدين القريب من أهل المحارم الواجب الإنفاق عليهم مثل الأبوين والأولاد والزوجة، فالسداد عنه هنا نفقة واجبة مثل المأكل والمشرب والملبس التي شرعها الله على الإنسان تجاه والده ووالدته وزوجته وأولاده القصر . وإما أن يكون القريب من غير المحارم الواجب الإنفاق عليهم، وهنا يكون سداد الدين عنه صدقة وفضلاً بسبب القربى وتلبية لأمر الله للمؤمن بمساعدة كل الغارمين، كما في الأمر الإلهي: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم .