إذا صادفت في الطريق قطعة ورق مجعدة ومبللة ومثقوبة فلا تمر بجانبها وكأنك لم ترها فربما تكون هذه القطعة الورقية من نوع يختلف عن ذاك الذي تصنع منه في المدرسة طائرة ورقية تداعب بها زملاءك.

وكل ما عليك ان حدث لك هذا الأمر ان ترفع هذه القطعة الورقية وتقرأ ما كتب عليها، فإن قرأت بأن هذه الطائرة الورقية حلقت في الفضاء من على المحطة المدارية الدولية فما عليك إلا أن ترسلها مشكوراً للجمعية اليابانية للطائرات في اوريجامي، وان تقفز من الفرح لأنك بكل بساطة وقعت على إحدى الطائرات الورقية التي ستطلقها محطة الفضاء اليابانية جاكسا من الفضاء في العام ،2011 أو ما يمكن اعتباره بالمعجرة لأن طائرة ورقية لا يزيد طولها على 20سم استطاعت ان تقطع مئات الكيلومترات، وأن تقاوم الغلاف الجوي للأرض بكل عوارضه ورياحه وعواصفه الثلجية والمطرية، وأن تصل في النهاية الى مكان ما على سطح الأرض الذي تزيد مساحته على 500 مليون كم مربع.

ولكن كيف لهذه الطائرات الورقية ان تصل الى الفضاء الخارجي؟ وهل سيحدث ذلك انطلاقاً من مقصورة رواد الفضاء المقيمين على المحطة المدارية الدولية أم سيحدث خلال احدى البعثات الفضائية خارج المركبة؟ حتى اللحظة يبقى ذلك في إطار اللغز، لكن الشيء المؤكد، ان هذه الطائرات الورقية لن تبقى طويلاً عند منافذ المحطة المدارية الدولية، بل ستحاول اللحاق بها اثناء سيرها في الفضاء بالسرعة نفسها أي 7،7 كم في الثانية عشرة اضعاف سرعة طيران الكونكورد، ومن دون محرك، ولذا فإنه سرعان ما ستنجذب نحو الأرض بفعل الجاذبية.

وفي المرحلة الأولى لعملية الهبوط والتي ستتم على ارتفاع يتراوح بين 450-90 كم يغلب على الغلاف الجوي الفراغ تقريباً، ولذا ليس ثمة ما يمكن ان يعترض مسار الطائرة الورقية حتى الذرات والجزيئات الصغيرة، وهو ما يعتبر أمراً حسناً بالنسبة للطائرة لأنه كلما اعترضها شيء كلما أدى ذلك الى فقدانها من طاقتها، حيث يتحول جزء الى الذرة والجزء الآخر الى حرارة وهو ما سيرفع من درجة حرارة سطح الطائرة الورقية.

وعند وصول الطائرة الى ارتفاع يبلغ 90 كم فإن سرعتها ستصل الى 2 كم في الثانية وحينها ستدخل في منطقة الميزوسفير وهي المنطقة الأخطر من الغلاف الجوي للأرض بالنسبة للأجسام المقبلة من الفضاء كالمكوك الفضائي والشهب والنيازك أو حتى الطائرات الورقية حيث ترتفع درجة الحرارة هنا الى 230 درجة مئوية الأمر الذي يمكنه ان يحرق طائرتنا الورقية. ومن حسن الحظ ان المهندسين اليابانيين الذين صمموا هذه الطائرة حرصوا على ان يغلفوها بأوراق خاصة مضادة للاحتراق وتسمى الاوراق الفائقة أو كوتسوشي باللغة اليابانية.

ورغم نجاح هذه الطائرات في عبور هذا المأزق الجهنمي بالنسبة لها، إلا أنه يبقى عليها أن تعبر منطقة التروبوسفير الموجودة على ارتفاع 10 كم وهي الطبقة التي تحدث فيها الاضطرابات الجوية. وفي هذه المرحلة يبدو من المستبعد التنبؤ بالمسار الذي ستتبعه هذه الطائرات ان كانت كثيرة لكن التجارب تقول إنها ستدور حول نفسها على شكل دوامة وتتعرض لكل أنواع الزوابع والأعاصير المشحونة بالأمطار والثلوج والبرد وهو ما يمكن أن يحولها الى ورقة مكورة، هذا ان لم تنه رحلتها في أحد المحيطات الهائجة التي يمكن ان تبتلعها بسهولة.

هدف التجربة

وربما يتساءل احدنا بعد هذه الرحلة المملوءة بالأخطار بالنسبة لطائرات ورقية لا حول لها ولا قوة ما الهدف من وراء هذه التجربة؟

الواقع أن مهندسي جامعة طوكيو ارادوا اجراء اختبارات على مركبات جوية من دون طيار والتي يشار اليها اختصاراً (UAV) وهي طائرات رصد خفيفة جداً تطلق الى ارتفاع 400 كم. الغريب أنه في بداية المشروع بدت هذه الفكرة غريبة لوكالة الفضاء اليابانية تماماً، لكن بالنظر الى الديناميكية الجوية التي تتمتع بها هذه الطائرات، فقد قررت الوكالة تمويل مثل هذا المشروع على أن يتم الانتهاء منه تماماً بعد 3 سنوات على الأكثر. ويشير أحد الباحثين الى أنهم سيصلون في النهاية الى معرفة قدرة هذه الطائرات ان تم صنعها بصورتها النهائية على تحمل طبقات الغلاف الجوي المختلفة وبالتالي الحصول على معلومات ذات قيمة كبيرة بالنسبة لطائرات المستقبل.