إعداد: مها عادل

ضرب «طاعون عمواس» بلاد الشام عام 18 هجرية، بعد سنوات قليلة من فتح الشام في عصر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو أول وباء يتناقل المؤرخون أخباره في دولة الإسلام.

وينسب هذا الطاعون إلى بلدة عمواس بالقرب من بيت المقدس، التي يقال إنها أول مكان ظهر به الوباء ثم استشرى بعد ذلك في سائر بلاد الشام، ويقال إنه امتد إلى أرض العراق حتى وصل إلى البصرة.

ومن المعروف أن منطقة الهلال الخصيب من الشام إلى العراق عانت في عصر ما قبل ظهور الإسلام دورات مستمرة من الأوبئة الفتاكة نتيجة الفوضى، والأضرار التي سببتها الحروب الدامية بين الفرس والروم.

كما يروي المؤرخون، أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان يهم بدخول أرض الشام عندما حل الوباء، فنصحه عبد الرحمن بن عوف بالعودة عملاً بالحديث النبوي الذي يعتبر الأساس الذي قامت عليه مبادئ الحجر الصحي في العصور الحديثة: «إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد فلا تقدموا عليه، وإذا وقع الوباء وأنتم فيه فلا تخرجوا فراراً منه». فعاد عمر وأصحابه إلى المدينة، وظل يتلمس أخبار أبي عبيدة بن الجراح قائد الجيوش الإسلامية في الشام، وأرسل إليه يستدعيه، ولكن أبا عبيدة اعتذر عن الحضور، وأصر على أن يبقى مع جنده ليشاركهم المصير، ويروى عنه أنه قال مقولة شهيرة: «إني في جند المسلمين ولا أجد بنفسي رغبة عنهم».

واستمر هذا الطاعون شهراً في أغلب الروايات، وأدى إلى وفاة خمسة وعشرين ألفاً من المسلمين، ومن أبرزهم أبو عبيدة بن الجراح، الذي دفن في قرية بالقرب من بيسان بأرض فلسطين، ومعاذ بن جبل وابنه عبد الرحمن، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، والفضل بن العباس بن عبد المطلب، وأبو جندل بن سهيل، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وعتبة بن سهيل، وغيرهم من كبار الصحابة الذين اشتركوا في فتوحات بلاد الشام، أو ذهبوا إليها بعد الفتح.

ولم ينتهِ الوباء إلا بعد أن طبق المسلمون مبدأ التباعد الاجتماعي، لأول مرة في التاريخ، واتبعوا نصيحة الخليفة عمر بن الخطاب، حيث أمر عمرو بن العاص أن يخطب في أهل الشام قائلاً: «أيها الناس إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار فتجنبوا منه في الجبال». وهكذا اعتزل الناس بعضهم، وتجنبوا الاختلاط لعدم نشر العدوى، فكانت أهم وأقدم وسيلة فعالة للانتصار على الوباء.