عندما يكون الحديث عن المتنبي يحلو ويطول، خاصة وأن شخصيته (الكاريزمية) قابلة للجدل ورغم ما قيل عن المتنبي وعن حياته وشعره أن الأجيال القادمة من حقها أن تعرف الكثير عن شاعرها الفذ . رغم ما قاله فإنه لم يقل كل شيء، فمازال هناك متسع لنسمع حكما جديدة . لايزال المتنبي لغزاً محيراً في حياته ومماته . جمع الكلمات الشاردة والواردة في شعره فانتسبت له . كأننا لم نسمع هذا الشعر من قبل، كأنه قائلها الوحيد، ولا عجب . فلقد ابتلع الشعر الجاهلي والبلع دليل قوة، ثم هجم واستولى على الشعر الأموي وبداية العباسي . وقال بعد هؤلاء كلاماً قالوه ولكن بلغة المتنبي وروحه، وضع الكلمات في موضعها الصحيح واعاد صفها فتفوق وأجاد .

ما الذي جعل المتنبي يتفوق؟ أهي روحه الوثابة أم طموحه الكبير الذي يحمله الشاعر في قلبه وعقله؟ كيف عاش المتنبي طفولته؟ طفل نابغة هل سيتصرف كالأطفال؟ هل اهتماماته هي الاهتمامات نفسها؟ الأحلام نفسها؟ اللعبة نفسها التي يخبئها الطفل بين أحضانه، وبعيداً عن أعين الناس؟ لا اعتقد أن يكون المتنبي طفلاً عادياً، بل هو طفل برأس رجل، هكذا أراه .

كان الأطفال يلعبون في الساحات والطرقات، وكان جل اهتمامه ملازمة الوراقين .

يقول أبو الحسن محمد بن يحيى العلوي: كان المتنبي ينزل في جواري بالكوفة، وكان محباً للعلم والأدب . فصحب الأعراب في البادية، وجاءنا بعد سنين بدوياً قحاً، وكان قد تعلم الكتابة والقراءة فلزم أهل العلم والأدب، وأكثر من ملازمة الوراقين فكان علمه من دفاترهم (الصبح المنبي ص 20) .

أتساءل مرة أخرى: كيف عاش المتنبي؟ وأي طفولة هذه التي عاشها؟

الأطفال مشغولون بألعابهم الجسدية وهو مشغول بلعبة العقل . كيف ينمو ويتسع ويشتمل؟

طبعاً هناك لحظات لعب فيها معهم وشاركهم ألعابهم، لكن بذهن مشغول وعقل شارد، عليه يوماً أن يزوده بالمعرفة، عليه أن يشبع هذا القلق، لا ينام المتنبي كثيراً، لا وقت للنوم، مشغول البال يحكي حكايات لرأسه حتى ينام، لكن الرأس لا ينام لأنه مشغول بالحكاية، ومشغول بالأسئلة، أي طفولة بائسة ومتكدرة عاشها؟ طفولة بلا طفولة .

أعود إلى الوراقين ومرحلة صبا المتنبي وكلي اشتياق لحضرة الكتب تخرج عيوني من محاجرها تقلب صفحات الكتب بسرعة بما تحتويها من أسرار وغموض . وهذا ما يذهلني يعصف بي . وما أن أتلمس وأتحسس الكتاب حتى ترتد روحي في صدري وأهدأ بعد أن طبعت الكتاب في رأسي وحفظته، وإذا صادف أن وجدت كتاباً ذا قيمة عالية ولم استطع شراؤه وهذا أمر دائم، أو حتى قراءته بسرعة، بررت لنفسي سرقته . وسأقول الكثير والعميق تحية لكل الشعراء الذين سرقوا الكتب وأفادوا البشرية أول أشعار المتنبي:

بأبي من وددته فافترقنا

وقضى الله بعد ذاك اجتماعا

فافترقنا حولا فلما التقينا

كان تسليمه عليّ وداعا

هذه بداياته في صباه هو الذي أرخ لقصائده وصفها في ديوانه . أسقط ما أسقط واحتفظ بالشعر الخالص . استطاع أن ينجز بيتاً شعرياً متماسكاً وهو صبي، وأحياناً كان يرتجل شعره .

تستوقفني قصيدة قالها المتنبي في صباه مطلعها:

أرق على أرق ومثلي يأرق

وجوى يزيد وعبرة تترقرق

قالها في صباه أيضاً وأناأشك في هذا الصبا وتستفزني الكلمة، فالصبيان لا يقولون هذا الكلام لأن الذي يأرق والعبرة التي تترقرق لا يقولها عقل صبي .