عالم الغيب من أعظم أركان الإيمان في دين الإسلام، والغيب يمثل جانب الاعتقاد والأصول الكلية للإيمان، ويكمله العمل بالشريعة والعبادة، ولهذا فإن الإيمان بالغيبيات لا يعد نصف الدين فقط بل الأساس للدين كله، لأن العمل من دون الإيمان لا ثمرة له في الدنيا والآخرة .

وعالم الغيب مصدره الأول هو الوحي عن الله، ووسيلة الاعتقاد فيه هي الإيمان المجرد، ومع هذا فإن الغيبيات لها شواهد وأدلة بعضها عقلية وبعضها واقعية في دنيا الناس، أي في عالم الشهادة والحياة .

ولكن ما المكونات الأساسية لعالم الغيب؟ وما دلالة الإيمان بها؟ وما مصير من يجحدها في الدنيا أو في الآخرة؟

الغيبيات تعني الإيمان، كما تعني العقائد في المفهوم الشرعي، وهي كما يقول العالم الداعية الدكتور عبد الحي الفرماوي، أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر تشمل ست عقائد غيبية أساسية، وهي:

- الإيمان بالله معتقداً غيبياً، وما يعنيه من الإيمان بأسمائه وصفاته ومظاهر الجلال والقدرة والكمال .

- الإيمان بكتب الله السماوية وحياً أوحاه الله، وما يعنيه من التشريع والتعبد والتكليف .

- الاعتقاد بالرسل والأنبياء وما يعنيه من تلقي الوحي والعصمة وأمانة التبليغ عن رب السماء .

- الاعتقاد بعالم ما وراء المادة، وما يعنيه من وجود الملائكة والروح والجن .

- الإيمان بعالم الغيب في الآخرة، وما يعنيه من الإيمان بالحساب والثواب والجنة والبعث .

- الاعتقاد بالقضاء والقدر خيره وشره، وما يعنيه من الإيمان بقدرة الخالق على تسيير خلقه بما قدر وحكم ورزق ومنع وخلق ودبر .

ومن دلالات الإيمان بالله في الإسلام، الإيمان بوحدانية الله الواحد الأحد الفرد الصمد، والإيمان بوحدة العقيدة الدينية، يقول الحق: شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه . . .

وحدانية الله

والله رغم كونه غيبًا، فإن الإيمان به له آلاف الشواهد في الكون الدالة على وجوده وقدرته، وفي القرآن مئات الآيات التي تلفت العقول إلى أن لهذا الكون مدبرًا، من ذلك قول الحق: كذلك يبيّن الله لكم آياته لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة . ويقول الحق: أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله . . .

والإيمان بالله يستدعي الإيمان بأسمائه الحسنى التي أحصاها الحديث، فيما روي عن أبي هريرة أن رسول الله قال: إن لله تسعة وتسعين اسماً من حفظها دخل الجنة .

والله هو اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب كما في الحديث، وفي القرآن: وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم .

ومن واجب الإيمان بالله الغيب، ألا يتفكر الإنسان عن حقيقة الخالق الأعظم، وفي القرآن: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، ويقول الحق: ليس كمثله شيء، وفي الحديث: تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فإنكم لن تقدروه قدره .

ومن مظاهر الإيمان بالله، الإقرار بأن الحياة والموت والرزق والمرض، مصدرها الله، قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب .

الملائكة والجن

ويوضح الدكتور الفرماوي المعتقد الثاني من معتقدات الإيمان بالغيب، وهو الإيمان بوجود مخلوقات غير مرئية، خاصة الملائكة والجن .

فالملائكة كما تؤمن بها عالم غيبي غير محسوس، مجردون من الشهوات النفسية، ومخلوقون على الطاعة، خلقوا من النور كما في حديث مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: خلقت الملائكة من نور، وهم يفعلون الخير وحده: لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . يسبحون بحمد ربهم، وأيضاً ينزل الوحي للأنبياء من الخالق عن طريقهم، قل نزّله روح القدس من ربك بالحق .

كما يدعو الملائكة للمؤمنين، وفي الحديث: ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان يدعوان، يقول أحدهما: اللهم أعط ممسكا تلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط منفقًا خلفًا . كما تنزل عند قراءة القرآن ومجالس العلم .

وهم يكتبون حسنات الناس وسيئاتهم، ويحصون الأعمال بأمر الله، وفي القرآن: وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون .

كما أن الملائكة مأمورة بقبض الأرواح . . قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكّل بكم .

والإيمان بالملائكة واجب، كما قال الحق: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله .

والجن أيضا من الإيمان والغيبيات، والجن روح موجودة غير مادية، نعرفها عن طريق الوحي، ونؤمن بأنها مخلوقة من نار، يقول القرآن: والجان خلقناه من قبل من نار السموم .

وهم طوائف عديدة، منهم الصالحون ومنهم غير الصالحين، وهم مكلفون مثل البشر، وذكر القرآن أنهم يستمعون للقرآن وينصتون له، ولا يعلمون الغيب كما يعتقد البعض خطأً .

ومتمردو الجن هم الشياطين، وهؤلاء هم الذين يوسوسون للناس بالشر . وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم، خاصة العاصين البعيدين عن شرع الله . يقول الحق: ومن يعش عن ذكر الرحمن نُقيض له شيطانًا فهو له قرين، واستحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله .

ومن الإيمان أن يعتقد المسلم أنه لا سلطان للشيطان على المؤمن، كما أن المؤمن مطالب دائمًا بمقاومة الشيطان ورفض وساوسه، يقول الحق: ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين . . .

الأنبياء والكتب السماوية

والاعتقاد بكتب الله ورسله من أهم أركان الإيمان بالغيبيات .

وكتب الله ورسله منها ما هو معروف ومنها ما هو غير معروف، فالإنجيل نزل على عيسى، والتوراة نزل على موسى، والزبور نزل على داود، وصحف إبراهيم نزل على إبراهيم عليهم جميعاً السلام، ونحن نؤمن إجمالا بهذه الكتب وحياً أوحاه الله إلى أنبيائه .

كما نؤمن بأن القرآن الكريم آخر كتب السماء لأهل الأرض، وأنه اشتمل على التعاليم الحقة التي جاءت في الكتب السماوية السابقة، يقول الخالق: وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه . . . .

وكتاب الله الخالد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، محفوظ في الصدور والنفوس ومحفوظ من خالق الكون، ولم يحدث فيه تحريف كما حدث في الكتب السالفة، كما أشار القرآن: يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير .

وأنبياء الله لم تخل منهم امة . وإن من أمة إلا خلا فيها نذير .

والرسل في المعتقد الإسلامي بشر لكنهم موحى إليهم ومعصومون من الأخطاء، يقول القرآن: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم .

كما أن الرسل مفضّل بعضهم على بعض تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض . . .

الحساب والميزان والصراط

ومن أهم جوانب الإيمان بالغيبيات الاعتقاد بالآخرة ووقوع الساعة وما يحدث فيها .

فالساعة حق والإيمان بها فريضة عقدية . أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون، والإيمان هو أساس الحساب .

ويوم الساعة لا يعلمها إلا الله، قل إنما علمها عند ربي .

والبعث حق، وكما خلقنا الله ابتداء سوف يعيدنا للبعث، أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد .

وهكذا يتم الحساب بعدل الخالق وبدقة بالغة . ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئًا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين .

والحساب يستتبع الإيمان بكل ما يحدث فيه وما ينتهي إليه من الميزان والمشي على الصراط والشفاعة والجنة وما يحدث فيها من ألوان النعيم والنار وما يحدث فيها من ألوان الشقاء .

السعادة في الدنيا

إن عالم الغيب كله كما يؤكد الدكتور الفرماوي قرين عالم الشهادة، والإيمان به هو ميزان الإسلام والعمل الصالح في الدنيا والآخرة .

ولا يعتقد جاحد أن الإيمان بالغيب إيمان بلا دليل، بل إن الفطرة والعقل وقانون الخلق والعمران، كلها تؤكد أن لهذا الكون إلهاً، وأن السماء متصلة بالأرض بالوحي والكتب والتقدير، وان الآخرة والروح، واجب دنيوي كما هي واجب أخروي .

وغرور المادة أحيانا قد يعمي بعض المشككين، لكن الواقع يؤكد أن المؤمنين بهذا الوجود الإيماني في اتساع، وأن دنيا المادة محتاجة جدًا إلى قوانين وإيمان وعقيدة دنيا الغيب .

وكم عجز الإنسان عن تفسير عشرات بل مئات الأحداث التي تقع حوله، فما بالنا إذا كانت بعيدة عنه، أو لا يملك أسبابها؟ ويكفي أن تكفل الله به يعفي الإنسان من مصادر القلق وربما الانتحار، وان الأيام تثبت عدل الله وحكمته في توزيع رزقه على خلقه . وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم . بل إن الإنسان لا يعرف حتى كنه الروح التي بها يحيا . قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا .

إن السعادة في عالم الدنيا لن تكون إلا بكمال التسليم لرب الغيب والشهادة وهو أحكم الحاكمين، ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير . . . .