اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك . .لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت . . لك الحمد مداد كلماتك وعدد خلقك . . . .
ذكر الله وشكره هما أعظم ما نطق به لسان وتدبره جنان . ولابد من اجتماع اللسان والجنان حتى يؤتي الذكر ثماره ويستشعر العبد آثاره . فقد وصف الله تعالى أولي الألباب بأنهم (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران 191) فهم جمعوا بين ذكر الله تعالى في كل أحوالهم ودعائه، والتفكر في خلق السماوات والأرض .
قال أحد العارفين: لا اعتداد بذكر اللسان ما لم يكن ذلك من ذكر في القلب، وذكره تعالى يكون لعظمته؛ فيتولد منه الهيبة والإجلال، وتارة لقدرته فيتولد منه الخوف والخشية، وتارة لنعمته فيتولد منه الحب والشكر، وتارة لأفضاله الباهرة فيتولد منه التفكير والاعتبار؛ فحق للمؤمن ألا ينفك أبداً عن ذكره على أحد هذه الأوجه .
في ظل هذه الحياة وماديتها الطاغية، على المسلم أن يقف مع نفسه ويراجع حاله مع ربه؛ حتى لا ينسيه الشيطان ذكر ربه فيكون من الهالكين فالذكر يعد أعظم زاجر للعبد عن المعاصي والفواحش، إذا أداه بضوابطه، مع مراعاة معانيه العامة والخاصة، بعد تأدية الفرائض والأركان العملية، وأهمها الصلاة في أوقاتها، قال تعالى: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً) (النساء 103)، وقال سبحانه عنها: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) (العنكبوت 45)، ثم قال عز من قائل (ولذكر الله أكبر)، ومن المعاني التي ذكرها كثير من المفسرين لقوله تعالى: (ولذكر الله أكبر) (45 العنكبوت) أن ذكر الله على الدوام أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة، لأنها في بعض الأوقات دون بعض، وقد ذكر ذلك ابن الجزري وأشار إليه القرطبي .
علامة القبول
إن الله تعالى إذا تقبل عمل عبد، وفقه إلى عمل صالح بعده، كما قال بعضهم: ثواب الحسنة الحسنة بعدها، فمن عمل حسنة ثم أتبعها بحسنة بعدها، كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى .
ومن حق الشكر الصوم، وكان بعض السلف إذا وفق لقيام ليلة من الليالي أصبح صائماً ويجعل صيامه شكراً للتوفيق في القيام .
. .وما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحها، وأحسن منها الحسنة بعد الحسنة تتلوها . . وإن من توفيق الله للعبد إعانته على طاعات بعد طاعة .
فلا نعمة أعظم من مغفرة الذنوب، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تتورّم قدماه، فيقال له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخّر؟ فبقول: أفلا أحب أن أكون عبداً شكورا؟ .
وكل نعمة على العبد من الله في دين أو دنيا ينبغي أن يشكر الله عليها، ثم التوفيق للشكر عليها نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان، ثم إن التوفيق للشكر الثاني نعمة أخرى تحتاج إلى شكر آخر، وهكذا أبداً فلا يقدر العباد على القيام بشكر النعم . وحقيقة الشكر الاعتراف بالعجز عن الشكر . (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها . .) . ويوم القيامة يُؤخذ من النوافل لجبران نقص الفرائض كما قال صلى الله عليه وسلم: إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة قال: يقول ربنا جل وعز لملائكته وهو أعلم انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها فإن كانت تامة كتبت تامة وإن انتقص منها شيئاً قال: انظروا هل لعبدي من تطوع فإن كان له تطوع قال أتموا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال على ذلكم (رواه أبو داود) .
اطمئنان القلب
إن حياة الذاكرين ليست الحياة المحسوسة التي يشترك فيها الإنسان مع باقي الكائنات الحية؛ وإنما نقصد بها حياة الروح وروح الحياة، حياة القلب وقلب الحياة، وهي الحياة التي عبر عنها الله تعالى بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ) (الأنفال 24)
فهذه الحياة متحققة بالاستجابة لأمر الله ورسوله . وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت .
ومن مظاهر هذه الحياة اطمئنان القلب ويقينه في الله تعالى، واستكمال الآية الكريمة: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) . وهذا يعني أن هناك علاقة قوية ومباشرة بين هذه الحياة والقلب؛ فحيلولة الله بين المرء وقلبه تعني موات هذا القلب وعدم انتفاعه بالموعظة .
وذكر الله عز وجل هو الطريق الرئيسي لتحقيق اليقين القلبي، ومصداق ذلك قول الله عز وجل: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) . ومن أولى صفات المخبتين (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) (الحج 35)، وتوعد سبحانه وتعالى القلب الميت الذي لا يتأثر بالذكر ( . .فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) (الزمر 22) .
وعلاقة اطمئنان القلب بالذكر أن العبد إذا ذكر من أسماء الله وصفاته: الرزاق الفتاح الوهاب الكريم الباسط؛ اطمأن على رزقه . وإذا ذكر من أسمائه تعالى: الغفور الرحيم التواب العفو؛ اطمأن على مغفرة ذنوبه وتكفير سيئاته . وإذا ذكر من أسمائه: العليم الخبير السميع البصير؛ اطمأن على أن ما أصابه فإنما هو بقدر الله وعلمه . وإذا ذكر من أسمائه: القادر المنتقم الجبار؛ اطمأن على قدرة الله تعالى على الانتقام من المتجبرين ورد كيد المعتدين ودفع الظالمين .
وهكذا فالعيش مع أسماء الله وصفاته يكسب القلب طمأنينة ويقينا، وينزل على النفس برداً وسلاماً . ويكتمل اليقين القلبي بالتغلب على الشيطان الذي أخذ على نفسه العهد أن يضل الإنسان، وأن يوسوس له ويزعزع إيمانه ويقينه بربه .
وقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم أن ذكر الله تعالى هو من الأسلحة الفتاكة لمواجهة الشيطان؛ حيث قال: إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خنس، وإذا نسي الله التقم قلبه فوسوس (رواه الحافظ الموصلي) . إذن فحياة القلب الذي ينصلح الجسد بصلاحه ويفسد بفساده متحققة بذكر الله، والتفكر في أسمائه وصفاته، والعيش في رحابه .
سعادة الدنيا والآخرة
النفس تستقر حين تعلم أن الله لم يتركها في الأرض مهملة من دون رعاية وتوجيه وإنما أرسل إليها نظماً تنظم لها حياتها هي الأديان من خلال أفراد هم الرسل وأتمَّ هذه النظم بنظام الإسلام كما يقول: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) (المائدة: 3)، وكما يقول: ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) (النحل: 89) .
والنفس تطمئن حين تعلم أنها خِلقت لكي تنعم في الحياة بنعم الله كما يقول: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (الذاريات: 56)، قال الإمام القرطبي: . . قال مجاهد: إلا ليعرفون . .، أي ليتعرفوا عليَّ وعلى خيرات أرضي وكوْني ويتمتعوا بمتعها الحلال كما يقول: ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (البقرة: 36) .
فالهدي والرحمة والبشرى هي السعادة في الدنيا والآخرة لأنه سبحانه يبين لنا من خلالها أين الصواب من الخطأ وأين المصلحة من الضرر في كل المواقف، والنفس تسكن حين تعلم أنها ستؤول إلى خالقها بعد موتها كما يقول: ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي (الفجر: 27-30)، وتحيا خالدة عنده في جنته إذا أحسنت كما يقول: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة (يونس: 26) .
والنفس تستبشر حينما تتأكد من أن ما يفوتها في الدنيا سُتعَوَّضَه في الآخرة يوم الحساب كما وعد بذلك ربها في قوله: لكي لا تأسوا على ما فاتكم (الحديد: 23)، قال الإمام الطبري: . . قال ابن عباس أي في الدنيا . .، وأنها إذا ظِلمَت فيها من أحد فإنها ولابد ستأخذ حقها كاملاً منه غدا قريبا من أعدل العادلين كما يقول: فلا يخاف ظلماً ولا هضماً (طه:112) .
تلازم الذكر والشكر
يقول الداعية الدكتور عمر عبد الكافي: (الشكر والذكر هما جماع الدين) . قال (فذكره مستلزم لمعرفته، وشكره متضمن لطاعته) .أي: فما دمت قد ذكرت الله فقد عرفت أن الله ستار وغفار وحليم وشكور، وإذا شكرت الله فقد تضمنت طاعة الله عز وجل . وهذان هما الغاية التي خلق لأجلها الجن والإنس والسموات والأرض، ووضع لأجلها الثواب والعقاب، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، فإذا لم يكن الإنسان من الذاكرين، فسيكتب من الغافلين، وإذا لم يكن من الشاكرين سيكتب من الذين لم يشكروا الله على نعمه، قال تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سبأ: 13)
أحد تلاميذ الحسن البصري عندما أتى له بحلوى الفالوذج لم يأكل، فقال له الحسن: لماذا لا تأكل؟ قال: أخاف ألا أؤدي شكرها، فقال له: يا لكع! أأديت شكر الماء البارد لله حتى تخاف ألا تؤدي شكر الحلوى؟!
وأبو حنيفة كان له جار يهودي، فقال له يوماً: عندما كنت في طريقي إلى المسجد استندت إلى حائط بيتك، قال: وما في هذا شيء يا أبا حنيفة؟ فقال: أخاف أن تطلبني بحقها يوم القيامة . فكان هذا سبباً في هداية الرجل، فالإسلام قدوة وليس كلاماً .
يقول ابن القيم رحمه الله ( إن غاية الخلق والأمر: أن يذكر الله تباركت اسماؤه وأن يشكر، يذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر . وهو سبحانه ذاكر لمن ذكره، شاكر لمن شكره، فذكره سبب لذكره، وشكره سبب لزيادته من فضله؛ فالذكر للقلب واللسان، والشكر للقلب محبة وإنابة، وللسان ثناء وحمد، وللجوارح طاعة وخدمة . . فإذا كنت شاكراً لله بالقلب، فثمرته محبة وإنابة، والإنابة هي رجوع العبد إلى المولى عز وجل . وللسان ثناء وحمد أي: أثني على الله بما هو أهله وهو للجوارح طاعة وخدمة وهذا الكلام لم يأت به ابن القيم من عنده، وإنما استنبطه من الأثر وهو: الإيمان تصديق بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان) .