تخطت شخصية محمد، صلى الله عليه وسلم، الفذة ورسالته الخالدة كل الحدود، وامتدت في كل عقل وفي كل فكر، حتى وجد فيها المفكر عبدالرحمن الشرقاوي نموذجاً للمثل العليا والقيم النبيلة .
عبدالرحمن الشرقاوي شاعر وأديب ومفكر إسلامي ومن كتبه الإسلامية فضلاً عن مؤلفاته العديدة فى مجال الأدب: الفاروق عمر بن الخطاب والإمام الشافعي ومالك بن أنس وعلي بن أبى طالب، وقد حصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب، كما حصل على وسام الآداب والفنون من الطبقة الأولى .
فى كتابه محمد رسول الحرية يقدم الشرقاوي في أسلوب قصصي سيرة رسول اتسع قلبه لآلام البشر وأحلامهم، وكوّنت تعاليمه حضارة زاهرة أغنت وجدان العالم كله . وهو يقدم الرسول كزعيم لثورة الفقراء ضد قوة التجار والمرابين الأغنياء الذين التصقوا بأصنام الكعبة يستغلون ما يقدمه السذج من هدايا وأموال خلال مواسم الحج، ثم يستثمرون أموالهم في البيع والشراء والربا .
يقول: أردت أن أصوّر قصة إنسان رائع البطولة، ناضل ضد القوى الغاشمة المفترسة، ومن أجل الإخاء البشري، ومن أجل العدالة والحرية، ومن أجل الحب والرحمة، ومستقبل أفضل للناس جميعاً: الذين يؤمنون بنبوته، والذين لايؤمنون بها على السواء .
وإذا كانت معظم الكتابات في السيرة دارت حول النبوة والمعجزة . حول الرسول، لا الرجل . فإننا حين نناقش من لا يؤمن بالجانب الديني، يتحتم علينا أن نناقشه بمنطقه، لا بمسلماتنا وعقائدنا . فلنواجههم بالرجل . . وإن في حياته لثروة لا تنفد من الإباء والرحمة والحب والحكمة والبساطة، والقدرة الخارقة على التنظيم والإبداع وكسب القلوب .
عهد الأخوة
ويضيف عبدالرحمن الشرقاوي: بعد الهجرة استقر المسلمون في يثرب، وأصبح المسجد الجديد نادياً يتعلم فيه المهاجرون والأنصار قواعد السلوك فيما بينهم، وأصول التعامل مع الحياة في ظل التعاليم الجديدة . فإذا جاء الليل تحوّل المسجد إلى فندق يبيت فيه فقراء المهاجرين الذين لم يجدوا المأوى .
وكان كل رجل من الأنصار يستضيف في داره أسرة من المهاجرين . ولكن دور الأنصار لم تتسع لكل من هاجر، فأذن محمد لمن لم يجد داراً تؤويه أن يتخذ من المسجد داراً له . وتعوّد الأنصار أن يقاسموا المهاجرين طعامهم . ولقد آخى محمد بينهم . . عقد عهد الأخوّة بين هذا النصير وذاك المهاجر أن يحبّه كأخيه، وأن يمنعه مما يمنع منه نفسه، وأن يطعمه ويقاسمه حلو الحياة ومرّها .
وارتفعت الهمهمة من اليهود: أن محمداً قد جاء بعدد من الرجال والنساء لا يعملون شيئاً، وإنما يثقلون على أهل البلد، ويقاسمونهم الطعام والرزق . وحث محمد رجال المهاجرين على العمل . وكانوا في يثرب يكسبون قوتهم من الزراعة غالباً . وأهل مكة لا عهد لهم بالزراعة . ولكنهم أخذوا يتعلمون . ووجدوا من فلاحي يثرب عوناً كبيراً .
أما محمد فلم يقم من نفسه ملكاً على يثرب كما أراد له المتحمسون من أنصاره، ولم يعف نفسه من العمل، ولكنه خرج بنفسه ليتعلم الزراعة بعد أن جاوز الثالثة والخمسين من عمره، وهي مهنة جديدة غريبة عليه .
إنما أنا بشر مثلكم
بعد عشرين عاماً من الجهد ومكابدة الأهوال، أصبح الذين طاردوه بالأمس اتباعاً خاضعين . البيوت التي أغلقت في وجهه تفتح اليوم، والأسوار تلين . ولكن لا أكاليل الغار ولا أبهة السلطان، كان من بين ما يبحث عنه محمد . لقد جاء يحمل كلمات مضيئة للناس، وما كان يلتمس غير الحقيقة . وكل ما ينشده الآن هو أن يجمع هؤلاء العرب المتنافرين تحت راية واحدة ليكونوا أمة واحدة، يتحرر فيها الإنسان من سيطرة كل قوى الظلام .
وها هو في مدينته التي اختارها للحياة والموت، ومازال يوجع جسده الحصير . ومازال يقعد في البيت حتى يغسل ثوبه، ومازال يشد بطنه على الجوع . ووفود القبائل من هنا وهناك تقبل إليه في المخمل والحرير والبرد المنسوج بخيوط الذهب، تلتمس منه الرضا والقبول .
وانظر إلى هذا الموقف فى حجة الوداع، وقد التف الناس من حوله، يريدون أن يروه وأن يسمعوا صوته . أن لصوته رنّة من السماء، ولكن همسات الآلاف تبلغه إن في وجهه نوراً من الغيب، ويده تمس الصخر فيتفجّر منه الماء . وحين يسمع الرسول هذا يغضب ويقول: إنما أنا بشر مثلكم . بشر يحب الطيب والنساء وقرّة عينه في الصلاة .