تقول الحكاية الشعبية الإماراتية أن فتاة جميلة عاشت في الشارقة خلال خمسينات القرن الماضي، شغلت الرجال بجمالها وعفتها كان اسمها مهيرة، إلا أنها تحولت بين ليلة وضحاها إلى فتاة مجنونة تهيم في الشوارع، وتتابع الحكاية: إن رجلا أحبها ورفضته، فعمل لها سحراً جعل منها تلك الفتاة الهائمة على وجهها .
تلك الحكاية التي نُقلت شفوياً جيلاً عقب جيل عبر الذاكرة الشعبية الإماراتية، تبناها التشكيلي الإماراتي عبدالرحيم سالم، فكانت موضوعة انطلاق مشروعه الفني، حيث رأى فيها صورة المرأة التي قالت في وجه الرجل لا، وصارت رمزاً يحضر في لوحته ويتبدى مجسداً ويتماها مع الخط واللون حتى باتت مهيرة في تجريدية سالم مثلثاً يفضي إلى حكايتها المؤلمة .
عبدالرحيم سالم الطفل ذو السنوات القلية من عمره يتابع دراسته في المدارس الابتدائية في دبي، حيث ولد في عام ،1955 وما أن يتهجى الحروف وترتسم في ذهنه صورها، حتى تنكشف عنده موهبة صارت تسبق أسمه، فهو اليوم الفنان التشكيلي عبدالرحيم سالم أحد مؤسسي المشهد التشكيلي الإمارتي .
سالم بأصابعه الضئيلة كان يخط رسومات ويرسم صوراً لفتت معلمي مدرسته، ونبهتهم إلى موهبته، فلقي منهم عناية إضافية تعلم من خلالها اللون وتقنيات اشتغاله، وتعرف إلى التشكيل، فاختار بعد أن اشتد عوده وصار فتياً، تلمع في عينه رقة ويكشف وجهه ذكاء هادئ، أن يكمل المشوار في عالم يكون فيه القماش المشدود على أربع خشبات هو مساحته ليصرخ ويضحك ويبكي ويغضب ويسرد .
أنهى سالم المرحلة الثانوية فاختار مصر وجهة له ليكمل مشوار دراسته، فالتحق بكلية الفنون الجميلة في جامعة القاهرة، وهناك أمضى سني دراسته مغموساً بالفن من رأسه حتى أخمص قدميه، ليتخرج في عام 1980م حاملاً شهادة البكالوريوس في النحت .
عاد سالم محملاً بالفن وبرؤى عديدة يستشرفها لمستقبل الحركة التشكيلية الإماراتية، فأسس مع عدد من رواد التشكيل الإماراتي منهم؛ عبيد سرور، ومحمد يوسف، وعبدالقادر الريس، جمعية الإمارات للفنون التشكيلية التي ما زالت حتى اليوم حاضنة الفنانين وبيتهم الذي يأوون إليه .
بدأ سالم حياته العملية بعد أن عاد من القاهرة، معلماً للتربية الفنية في مدارس الدولة، وما زال حتى اليوم معلماً لا يكل ولا يمل من تعليم الفتية الخط واللون، ولا يكف عن الأخذ بأيدي الموهوبين إلى المساحة التي يعيش فيها، مستعيداً بذلك طفولته وأول الملامح التي رسمها بالرصاص .
في أوائل الثمانينات من القرن الماضي وبعد أن أسس سالم جمعية التشكيلين انشغل بمشروعه الفني الذي ما زال إلى اليوم يلازمه ويعيد إنتاجه بالحذف والإضافة، إنه التراث الإماراتي، فقد انكب في تلك السنوات على كتب الموروث والحكايات الشعبية .
من تلك الأوقات التي قضاها سالم في نبش الشعبي وحكايته الأسطورية انكشفت شخصية أعماله الأشهر، الفتاة الجميلة مهيرة التي رافقت مراحل تجربته الفنية فتبدت مجسدة تكشف عن جماليات التكوين، حتى ظهرت بتعبيرية صارخة تنكشف فيها وتختفي، إلى أن صارت أشبه بتميمة يعلقها سالم في مساحات تجربته مع التجريد فظهرت بصورة مثلث .
بهذه الشخصية الرمز كشف سالم عن انحيازه للمرأة، وتلمس معاناتها وفرحها وسخطها، كيف لا وهو القائل: هناك أمور ساعدتني في الانحياز إلى المرأة إضافة إلى مهيرة، إذ ترعرعت في كنف أسرة تضم نساء أكثر من الرجال، فوجودي بينهن جعلني قريباً منهن، حيث تلمست عذاباتهن وأحاسيسهن وعواطفهن .
كانت فترة الثمانينات خصبة في مسيرة سالم، فبالإضافة إلى المنجز الذي سجل في تاريخه تجربته- تأسيس الجمعية- شارك في تلك الفترة في العديد من المعارض الفنية، وكان أبرزها المعرض التاسع للفنانين التشكيليين العرب عام ،1985 وفي معرضي بازار التشكيل الأول والثاني في إكسبو الشارقة 1983-،1984 ومعرضي الخليج الأول والثاني في الدوحة، ومعرضي البانوش الأول والثاني في الدولة عامي 1983- 1984 .
على النقيض تماماً من سنوات الثمانيات في تجربته جاءت فترة التسعينات، حيث أصابته حالة نكوص توقف فيها سالم، الفنان المقبل على الكون بروح رهيفة، أمام أعماله المكدسة في مرسمه وقرر أن يحرقها جميعاً ويعتزل الفن تماماً .
كان ذلك بعد أن عاد عام 1994 من مشاركته في بينالي بنغلادش قدم فيها الفتاة التي شغلته مهيرة، وقد حصل على جائزة البينالي في المركز الثاني عن عمل مزج فيه بين التجريد الرمزي المبسط وبين الحركة .
عودة سالم تلك هي ما دفعت به إلى حالة من الإحباط رغم النجاح الذي حققه، إذ لم يحتفي بما حققه من إنجاز، واقتصرت ردة فعل المشهد الثقافي على حوار أجرته الخليج معه أعاد إليه الأمل وتراجع من بعده عن هدم كل ما بناه، وقرر مواصلة مشواره .
بعد انجلاء تلك الغمامة بدأ سالم مشوارًا جديداً، استأنف فيه اشتغاله في الفن، فتعددت مشاركته في المعارض الدولية والمحلية، ورغم انهماكه في اللوحة ظل سالم ممسكاً بتخصصه الذي قضى فيه سنوات جامعية حافلة بالفن النحت، فقدم العديد من المنحوتات المتفردة .
كان انتقال سالم من مساحة اللوحة إلى النحت، هو انتقال معنوي روحي، إذ يستبدل حساسية التعامل مع اللون بحساسية التعامل مع الكتلة، وينحّي الفرشاة والأصباغ جانباً، ليحضر الازميل وآلات القص، ومع كل ذلك الاختلاف إلا أن منحوتات سالم كانت تظهر وكأنها مشغولة بالريشة وكان آخرها العمل المشغول في الرخام الذي قدمه في ملتقى نحت دبي .
بعد أن شغل سالم منصبي رئيس ونائب رئيس مجلس الإدارة لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية لدورات عدة، وشارك في عشرات المعارض المحلية والعربية والعالمية، وشارك في لجان تحكيم أعمال فنية على جميع المستويات داخلياً وخارجياً، حاز في عام 2008 جائزة الإمارات التقديرية في الفنون فرع (الفنون التشكيلية) .