كما لو أنه يقبض على ماضي بلده بيديه، فنان مسكون بحب البيئة الاماراتية، التي عكسها في أعماله الأولى، رسم جبالها ووديانها، وغاص في تفاصيل منازلها، وأبوابها ونوافذها، كانت تسحره مناظر السفن ومجمل مفردات الطبيعة البكر، قبض على ريشته ليرسم كل ما تقع عليه عيناه.

حنينه للماضي كان نافذة نحو الشهرة العالمية، فقد بيعت لوحته المعروفة باسم الماضي القريب في مزاد كريستي بدبي عام 2006 بمبلغ 970 ألف درهم.

لوحاته موجودة في كل مكان، في المطارات، حيث تزين احدى جدارياته قاعة راشد بمطار دبي، كما تزين لوحاته قصور الملوك والرؤساء وكبار الشخصيات.

لقب بالقاب كثيرة، لعل ابرزها رائد الفن التشكيلي في الامارات.

مرت تجربته بمراحل عدة، وشارك في كثير من المعارض العربية والعالمية، وفاز بجوائز رفيعة.

إنه الفنان التشكيلي عبدالقادر الريس. التقيناه في مرسمه بمدينة دبي، وكان هذا الحوار الذي يشكل اطلالة موجزة على تجربته وافكاره وتطلعاته.

ماضي الامارات يظهر في أعمالك بشكل جلي، لماذا الماضي، وكيف تنظر اليه من موقعك الآن في الامارات الحديثة؟

- الماضي هو البصمة الأولى في تاريخ أي إنسان، حتى ان بعض علماء النفس يشيرون اليه، منهم من يقول الانسان أسير ماضي طفولته والإمارات في الماضي، هي المدماك الأول الذي اطللت فيه على الطفولة، حيث المنازل العتيقة، الرمال، البحر ومراكب الصيادين، كل ذلك اتضح أمام عيني كلوحة بصرية اخاذة، حرصت على رسمها، وأنا أدين لهذه الامارات القديمة بأن دفعتني الى الرسم بقوة، وكانت نافذتي نحو الشهرة، تذكر ان لوحة الماضي القريب لوحة مستوحاة من الماضي بيعت في 2006 بمبلغ كبير.

طالما أن الأمر كذلك، كيف تنظر الى اللحظة الراهنة التي نعيشها الآن؟

- هي موجودة رغماً عني وعنك، أما تفاصيلها فتختلف من انسان الى آخر، أنا أرى ان ثمة ما هو ماضٍ في كل مشهد اراه أمامي، والفنان يمزج بين الماضي والمعاصرة، بين التراث والحداثة، ويبحث عما هو ضائع في تلافيف الفكرة، التي تتشكل أمامه، أما كلوحة تشكيلية أو قصيدة أو.. الخ.

مراحل مهمة

في سيرتك الذاتية، نقرأ أنك تأثرت بالمدرستين الكلاسيكية والرومانسية، ثم تحولت الى الانطباعية عام ،1967 أما شخصيتك الفنية فتبلورت منذ عام ،1969 كيف تصف هذه التحولات؟

- كانت تلك مرحلة مهمة، بل ضرورية في مسيرتي الفنية، فقد تعلمت من رامبرنت الذي اعتبره استاذي بحق، تقنية الاضاءة والظل، وتعلمت من كلود مونيه وادوارد مانيه تقنية اللون. في منتصف السبعينات كنت أنجز لوحات زيتية بالمجمل، أما في مطلع الثمانينات فخلطت بين اللوحات المائية والزيتية، حتى جاء العام 1999 وما بعده، وفي هذه الفترة غلبت على رسوماتي اللوحات المائية.

أما بخصوص الأسلوب، فقد كان عام ،1969 هو العام الذي امتلكت فيه ادواتي الفنية، واستطعت ان ارسخ خلال تلك الفترة أسلوباً أثر في غيري من الفنانين، على سبيل المثال، الفنان الكويتي عبدالرضا باقر الذي يقر هو بذلك.

توقفت عن الرسم (12) عاماً، بعد نجاح أحد معارضك الشخصية في دبي منتصف السبعينات، لماذا؟

- هذا صحيح، لقد اصبت بحالة من الملل، فرميت أدوات الرسم، كانت فترة طويلة، دعتني الى تأمل تجربتي، والنظر في ما يجري حولي من احداث، كنت اتابع كل ما يرسم على المستويين العربي والعالمي، لكنني بعد هذه الفترة استأنفت نشاطي تحديداً في ،1991 ورأيت ان اخوض مغامرة التجريد على صعيد الشكل واللون، لا سيما وان هذه المدرسة أو الموجة كانت طاغية الى حد كبير، وقد انجزت خلال هذه الفترة عدة لوحات يمكن اعتبارها اساسية في صعيد تجربتي الفنية.

ما مواضيع هذه الفترة، وماذا تقصد بقولك مغامرة على صعيد اللون؟

- كانت مواضيعي دائماً مستمدة من البيئة الاماراتية والخليجية بشكل عام، فهي مصدر الهامي الأول، وقد استطعت ان اعالج التفاصيل الفنية سواء من حيث الشكل أو المضمون، وفي هذه الفترة كانت لوحاتي المائية تتصف بالرشاقة، أما الزيتية فقد اشبعتها بالألوان، فثمة صحراء وجبال ووديان واشجار نخيل ومنازل قديمة ودرجات لون نابضة بالحياة للبحر والشاطئ، ثمة ظلال مختلفة للأصفر والبرتقالي والبني والأحمر والأزرق والفيروزي الفاتح والبنفسجي، وكل ذلك يعطي بعداً واقعياً لمعظم التشكيلات المجردة، كما حرصت على درجات الألوان الفاتحة والغامقة بحيث تعبر ما أمكن عن أشعة الشمس والظلال وما يشي بالدفء والبرودة.. الخ.

حصلت على تكريم من أكثر من جهة، وحصلت على جوائز عدة، ماذا تعني لك الجوائز؟

- حصلت على جائزة الامارات التقديرية الأولى للفنون الابداعية، وسلمني إياها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، وربما تكون هذه أهم جائزة في حياتي، وبعدها احسست بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقي وان انجز اعمالاً أكثر أهمية مما أنجزته حتى الآن.

ودعني أوضح لك امراً، لقد أصبحت الجوائز الآن تسلم لمن يستحق ولمن لا يستحق، وهي مع كثرتها، فقدت بريقها، وهناك مع الاسف سلسلة من العلاقات والمجاملات التي تسود المهرجانات وتعطى خلالها الجوائز هكذا، من دون تمحيص ومن دون رؤية حقيقية تراعي عناصر الإبداع والجمال.

رسمت لوحات تعبر عن الألم الفلسطيني واللبناني وغيرها من القضايا الوطنية، ماذا تقول؟

- كأي فنان، وأي شاعر أو أديب لديه إحساس مرهف تجاه أي قضية وجدانية قد تحدث في أي بقعة من بقاع العالم، لقد هزتني الأحداث المفزعة في فلسطين فرسمت لوحة بعنوان الانتفاضة عام ،1989 واللوحة ضمن مقتنيات متحف عمان للفنون، كما رسمت لوحة اخرى بعنوان قلوبنا معكم في العام نفسه، ورسمت لوحة بعنوان برج البراجنة، لبنان عام ،1987 وهي ضمن مقتنيات عبدالرحمن العويس. هذه اللوحات عبرت من خلالها عن احساسي بهذه الأزمة التي توجع العالم، وهي تجسد محطة من محطات تعاطي وتفاعل الفنان مع قضايا أمته المصيرية.

شاركت ضمن فعاليات الدورة الحادية عشرة لمهرجان الفنون الاسلامية (طريق الحرير) بمعرض تحت عنوان نور الحروف ما الذي أضفته في هذا المعرض؟

- الحرف في لوحتي هو اشارة ورمز، وهو بهذا لا يحتمل أي تأويلات ايديولوجية، بل احرص على توظيفه في اللوحة، ضمن رؤية ومسحة جمالية يلعب فيها الشكل كما اللون دوراً بارزاً، وعليه فانني أعول على الاستفادة من تجربة الحداثة العالمية من خلال مزجي بين التراث والمعاصرة، أنا أعنى بتأسيس لوحة تشكيلية، تترك أثراً ما في الملتقي، في احاسيسه وافكاره، وهنا أكون قد نجحت في ابداع لوحة تغادر مكانها أو بيئتها أو ماضيها بمقدا ما تمتلكه من طاقة مخيالية، تقنية أو اسلوبية يلعب فيها اللون، بل قل الشكل والمضمون دوراً بارزاً.

انت غالباً ما تفر الى الجبال، حيث الطبيعة والكثبان الرملية؟

- الفنان يبحث عن الجمال حيثما وجد، سواء داخل المدينة أو خارجها، واعتقد أن هذه المناطق مثل (ليوه، طريق العين)، والمنطقة الشرقية (الفجيرة، خورفكان، ومسافي) ذات مسحة جمالية رائعة تستفز الفنان وتشحن مخيلته بالابداع.

بصمة أخرى

ماذا عن لوحاتك أو مشاريعك المقبلة؟

- أتمنى أن أنجز لوحات أخرى ذات خصوصية، تبرز كثيراً من افكاري التي اتطلع لتجسيدها، ومع أن الأعوام ،2006 2007 و2008 شهدت تحولاً في مسيرتي الفنية، ألا أنني اطمح لإبداع ما هو خاص ويحمل بصمة اخرى تضاف الى رصيدي الفني الذي احرص على تطويره وتجويده.

أنت أحد الأسماء المهمة في حركة التشكيل في الامارات العربية المتحدة هل يمكن التأثير في ملامح هذه الحركة الآن؟

- معروف أن الفن التشكيلي قد ظهر متأخراً في دولة الامارات العربية المتحدة، وكانت مرحلة منتصف الستينات هي الانطلاقة الحقيقية، لهذه المرحلة التي بدأت بطيئة، لاسيما وأن عدد الرسامين في تلك الفترة لم يكن يتجاوز عدد اصابع اليد الواحدة، أما الآن فإن التشكيل في الدولة اصبح ظاهرة تستحق الوقوف عندها، لاسيما وان الدولة نفسها قد بادرت ولا تزال الى النهوض بحركة الثقافة والفنون بكافة السبل المتاحة، ولاشك في أنك سمعت بمؤسسة الامارات للثقافة والفنون بأبوظبي التي تحرص على ابراز الفن التشكيلي على الصعيدين المحلي والدولي، هذه المؤسسة اقامت مؤخراً معرضاً بعنوان آرت باريس اقيم في قصر الامارات وحضره كبار التشكيليين والنقاد العالميين، كما انتشرت ظاهرة الجاليرهات والصالات في جميع انحاء الامارات. وهناك صالة كريستي في دبي، هذه الصالة التي ساهمت في ايجاد حراك فني عالمي منقطع النظير، فلك أن تتخيل حجم حركة السوق الشرائية التي توفرها مثل هذه الصالة، وحجم الاستفادة التي سيحققها الفنان الاماراتي والعربي جراء عرض اعماله امام المنافسة العالمية، هذا عدا عن الاتفاقيات المشتركة مع المتاحف العالمية في جميع انحاء العالم، مما يسهم في تبادل الخبرات وخلق مناخ فني يلقي بظلاله على كافة دول المنطقة.

بورتريه

ولد التشكيلي عبدالقادر الريس في عام 1951 في دبي. متواضع تواضع الفنانين الكبار، قليل الكلام، يحدق في المعنى ويتأمل رأس الفكرة التي سرعان ما تترجمها ريشته الى رمز أو دلالة في متن لوحة تجريدية أو انطباعية أو حروفية.

جوال أمكنة، تستهويه الجبال والكثبان الرملية والمنازل القديمة، خبر جميع المدارس الفنية، وابدع لوحات حداثية بنكهة خاصة، مزجت بين التجريد والواقع بحرفية عالية.

واصل مشروعه الدائب الذي يمزج بين الاصالة والمعاصرة، يعتكف في مرسمه ليبدع اجمل اللوحات ويقول لك: ان اجمل اللوحات ما لم تأت بعد.

حصل على جوائز عديدة ابرزها:

- جائزة لجنة تحكيم بينالي الشارقة 1993

- جائزة لجنة تحكيم بينالي اللاذقية 1995

- الجائزة الأولى في معرض الامارات بعيون أبنائها 1999

- السعفة الذهبية/ مجلس التعاون

- جائزة الامارات التقديرية الأولى للفنون الابداعية 2006.