أجداد السعدي هنالك في الجبال والوديان كانوا يسمون الفندال: هندالاً. فهل التسمية جاءت من الهند، كأن يكون معناها على سبيل المثال: هند - دال، أي عدس الهند، أم أصل التسمية كما يظن عبدالله السعدي نفسه، انجليزياً من فندال: أي البحث عن شيء ما كالبطاطا مثلاً. أم لا هذا ولا ذاك، فالتسمية برتغالية اذ البطاطا الحلوة أصلها كما يعيده الكثيرون الى أمريكا اللاتينية، ولعله سقط فندال عن طريق المصادفة من أحد البرتغاليين المتوحشين في أثناء عمله الهائل في شناص أو خورفكان، ومن ذلك الفندال (لاحظ الاسم الذكوري للبطاطا هنا) توالدت الفندالات الأخرى.
أجداد السعدي في الجبال والوديان كانوا يميزون كذلك بين الفندال الأبيض (يطلقون عليه تسمية الفندال العربي) والفندال الأحمر.
الفنان السعدي يعتقد بأن الفندال الأحمر، أو البطاطا الحلوة الحمراء مؤنثة نسبة الى اللون والشكل وتشبه جسد المرأة (فلنركز على هذه العبارة)، أما الفندال الأبيض العربي فذكوري أو مذكر حسب السعدي، ولا أدري كيف يمكن ان نقول: البطاطا الحلوة البيضاء المذكرة.
فوق التراب تبدو شجرة الفندال العشبية متشابهة، لكن تحت التراب الأمر مختلف كلياً، وحين تنبش الارض بحثاً عن ثمار الفندال فإنك تستخرج عندئذ بطاطا مختلفة الأشكال والأحجام.
البحث عن الفندال يحتاج الى حفر إذن. وقد يشبه الفندال أشياء أو أجساداً أو أشكالاً اذ قد تشبه آلة موسيقية في امريكا اللاتينية اسمها: الأوكارينا ولكن عندما تخرج الفندال من التراب فإنه يشبه أشياء وأشكالاً لا تعد ولا تحصى.
الأمر هنا أقرب ما يكون الى تلك الطاقة الطفولية التي تتخيل في تعاريج وشقوق الجدران، ومن رؤيتها للسحب أشكال حيوانات وبشر.. الخ، لكن ذلك ليس وحده الذي يربط بين الطفولة والفندال، اذ لا أدري هل تقصّد السعدي ان يقيم معرضه في الوقت بالذات من العام، لكن المؤكد أننا في الإمارات قد شهدنا قبل اسابيع أكثر الشتاءات برداً ومنذ مدة طويلة.
في برد قارس كهذا تفوح رائحة الفندال المشوي. اذ عندما كنا أطفالاً (وبالتأكيد كان عبدالله السعدي طفلاً مثلنا)، كنا نتحلق مع عائلاتنا وجيراننا حول نار موقدة كي نتدفأ بين جدران الطين التي تهتز من مجرد مشاهدة عاصفة. في تلك الليالي الحالكة حيث كانت تسرح أخيلتنا وأحلام يقظتنا مع أعتيد على تسميته بألسنة النار، كانت الأمهات يدسدسن بين الحطب المشتعل فندالاً أو أكثر.
بعد حكاية، أو حلم يقظة، يخرجون ذلك الفندال المحروق من النار. يتلظى على الأيادي، أو في الصحن إذا ما كان هنالك من صحن، ولا يتركونه يهدأ من الجمر، بل يفتحونه كي تفوح رائحة البلوح ويتصاعد الدخان منها.
حقيقة لا تستخدم تسمية البلح للفندال بالرغم من شرائحه الناصعة التي تفرّق بينها النار بدقة كالورق المصقول، فالبلوح هي شرائح السمك البيضاء واللذيذة، وبالرغم من ان شرائح الفندال ليست بيضاء كلياً فعل اللهب ما فعل، وهي لذيذة وإن بنكهتها الخاصة. بالرغم من ذلك فإن البلوح من ذاكرة اللذة عندي، من لذة الذاكرة، كشرائح الفندال.
وحين نمد أيدينا الى تلك البلوح الحارة بتوجس خوف أن تحترق أكفنا، ونرقّصها من الحرارة على اصابعنا حتى تصل الى أفواهنا. عندما تصل الى هناك وتسلك الطريق الى البلعوم، تسري في حلوقنا حلاوة الأبيض المدفون، وتتمتع أعماقنا بأكثر من الدفء، تتمتع بحرارة الجذور.
وكان الفندال الأحمر، أو المؤنث وفق الفنان عبدالله السعدي، هو الألذ، وهو المفضّل للشواء. تشوى أنثى الفندال، استطراداً من التمييز الذي يلاحظه السعدي، كي تكون لذيذة، ويتضح كبلوح ويفوح كوردة كانت مخبأة تحت التراب.
يقول السعدي: إن هذه التجربة (أي معرضه عن الفندال) كانت نتيجة جهد بحثي على مدى أعوام سابقة، ونتيجة علاقتي في الزراعة حيث على البطاطا من الناحية الفنية وأعددت دراسة عن رسم اشكال وتحولات البطاطا ولماذا يطلق عليها هذا الاسم وتاريخها، فالأشكال التي عملت(؟) في البطاطا تشبه الى حد بعيد الانسان والحيوانات، والاهتمام كان في هذه التجربة على الشكل الفني لحبة البطاطا.
فبحثاً عن حبة البطاطا هذه كان جد السعدي المزارع يبحث تحت شجرة الفندال، عن جسد الفندال، وحين يغوص بيديه تحت الطين، يعثر هناك في الداخل، في رحم الأرض، على تلك الثمرة، وكما الطفل الرضيع تظهر تلك الثمرة للهواء، وللشمس، تظهر الى موتها الخاص، كما تظهر الى الحياة المتخيلة عنها.
وعبدالله السعدي في هذا المعرض كجده، يبحث عن الفندال تحت غبار العادة والعادي، وحين يعمل عليها أو على ثيمتها: يكتب عنها، يكبرها، يصغّرها، يفكر بها، يحس.. فإنه يريدها أن تكون شيئاً آخر غير مجرد ذلك الفندال المأكول في الصحون أو بلا صحون.
رسومات أو اسكتشات السعدي عن الفندال أعمال حسية بامتياز. فاجساد الفندال المكبرة أجساد انثوية حقاً.
الفندال المصغر قد يشبه صخرة، قد يشبه جملاً، قد يشبه خريطة البرازيل. عندما تكبّر الفندال تعثر على سمات أنثى ما، كبيرة، موجودة خلف، تحت كل هذه الأشكال.
متنوع الفندال، متنوع جداً، وحين تحاول أن ترسم الفندال وتقيم له معرضاً كما فعل السعدي، فإنك تقترح معرضاً لا نهائياً، لا نهائية هي الأشكال التي قد تراها - بجمالية أو طفولية او قصدية - في الفندال، لكن كذلك لا نهائية تلك السمات التي قد تلمحها لأنثى ما كبيرة خلف أو تحت تلك الاشكال.
قد تحضر مع السعدي بحثاً عن الفندال وتظهر الى نهار مفترض للوعي، لكنك هنا ترى الفندال مرسوماً ولا تأكله. التهام الفندال، بلوح الفندال هو ما قد يثير لذتك، ولا يكفي ان توضع بضعة فندالات باردة ببوفيه أمام المعرض. أين البرد؟ وأين تجمع العائلة والجيران؟ وأين الظلام؟ وأين اليد التي ستخرج الفندال من بين اللهب؟ وأين الأصابع التي ترتجف وهي تحمل الفندال الحاد؟ وأين الأفواه المفتوحة بشغف خائف؟ وقبل كل هذا اين اللذة حين تسلك بلوح الفندال طريقها الى الأمعاء؟
ليست هذه نوستالجيا طفولية، وإنما ايضاً حلم يقظة وشاعرية مادية، وحسية عميقة. وبغض النظر عن اعتماد الأمم المتحدة عام 2008 عاماً دولياً للبطاطا (فالبطاطا بالفعل قليلة التكاليف في زراعتها وصحية ومشبعة، وبالامكان أن تساعد على سد حاجة ملايين من الجوعى تنتجهم كل يوم هذه السياسة العمياء للعولمة)، فإن الجوع جوع.
بمعنى آخر فإن السعدي لربما، جائع جداً وبردان وخائف كي يبحث عن الفندال. ويمسنا بحثه هذا، يمسنا جداً، لأننا ايضاً جوعى جداً، وبردانون وخائفون.. ونحلم، أن السعدي يحلم كذلك حلم يقظة مع الفندالة. وهنا مقطع من حلم اليقظة هذا، يقول السعدي: ..البطاطا نوعان حمراء مؤنثة، وبيضاء مذكرة، فالحمراء المؤنثة نسبة الى اللون والشكل وتشبه جسد المرأة، كما ان للبطاطا علاقة بالموسيقا، فقد قمت بشراء كميات من البطاطا بهدف تأملها وتشريحها واعطائها رموزاً وخطوطاً ظهرت على شكل طيور واناس وحيوانات.
وعندما كنت أدرس في جامعة الإمارات في العين في بداية الثمانينات روى لي أحد زملائي حلماً حلمه، ولا أعرف لم لا يفارقني تذكر هذا الحلم الى الآن. فقد قال لي - وأنا أروي الحلم هنا بما أمكنني من اختصار، بأنه رأى نفسه في غرفة بين فرّاخ (بوب كورن) وكانت حبات الفراخ تكبر وتتكاثر حتى ملأت الغرفة التي يجلس فيها صاحبي، وأظنه قال إنه أحس في لحظة ما من الحلم بالغرق، إلا انه بعد ذلك كان يسبح في ماء حبات الفراخ بمتعة.
وكلما تذكرت هذا الحلم أحس به طفولياً جداً، لكن ملمحه الحسي واضح كما أظن.
قريب من هذا لحلم، حلم الفنان عبدالله السعدي، الذي نفذه وحوّله الى عمل فني. يقول السعدي عن هذا الجانب من عمله: قمت أيضاً بخياطة حبات البطاطا من خلال قماش شكلته وحشوته بمواد مختلفة حيث أصبحت هذه القطع مثل الأثاث المنزلي في نتيجتها النهائية.
والجملة السابقة كما أظن غير مصاغة أو معبرة بشكل جيد. فالسعدي لا يقصد هنا بأنه خاط حبات بطاطا فعلية وإنما عمل على انتاج ما يشبه حبات البطاطا من قماش، وحشاه بما حشاه، ويقترح ان يستخدم مثل هذا الحشو كأثاث منزلي.
إن السعدي وبعدما كبَّر الفندال في رسوماته وظهرت سمات الأنثى الكبرى ها هو يضخمها أكثر. بل ويخرجها من اللوحة لكي يوزعها على الأرض، لكن قطعة واحدة من قطع الفندال تلك، تتقارب مع نساء الأساطير الأوليات في تاريخ البشرية، اللواتي وصلتنا بعض من تماثيلهن وهن متضخمات.
أثاث السعدي المفترض عن إناث الفندال يتقارب جداً مع التماثيل تلك. ان طفولتي الفردية، طفولة البشرية كذلك، ولا نهائية الأشكال التي تفترضها حبة الفندال هي لا نهائية لأحلامي. الفندال يخرج من العادي الآن لكي يحوله السعدي الى أسطورة.
احفر في الأرض كي تحس بنبض الأنثى المدفونة. واخرج تجربتك من اللهب كي تركض من على اصابعك الى فمك، واعمل كي يفتح العمل خزائنك، وتفوح من تلك الخزائن ما قد يبهج المارة والمتسكعين.