هو واحد من أكثر الصحابة رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعد ثاني المكثرين بعد أبي هريرة رضي الله عنه، وقيل إنه لم يكن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أحذر إذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ألا يزيد فيه ولا ينقص من عبدالله بن عمر، وهو من أصحاب الألوف، إذ عد له العلماء 2630 حديثا، وله في مسند الإمام أحمد بن حنبل 2019 حديثا.

وكان يعظم صحابة النبي رضوان الله عليهم ويعرف قدرهم، روى عن الكثير منهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يذهب إلى الصحابي يلتمس عنده حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فروى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي بن أبي طالب، وأبي ذر، ومعاذ بن جبل، ورافع بن خديج، وأبي هريرة، وعائشة، وبلال وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم، وروى عنه بعض الصحابة ومنهم ابن عباس، وجابر بن عبدالله وغيرهما، وروى عنه بنوه: سالم، وعبدالله، وحمزة وأبو سلمة وحميد ابنا عبدالرحمن، ومصعب بن سعد، وسعيد المسيب، وأسلم مولى عمر، ونافع مولاه، وخلق كثير من التابعين.

روى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، فروى الشيخان البخاري ومسلم عنه 168 حديثا، وانفرد له البخاري ب 81 حديثا، وانفرد له مسلم ب 31 حديثا.

الخاشع الزاهد

وكان رضي الله عنه ابن أبيه، تقيا ورعا، متبعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عالما بحديثه، محبا للخير، منفقا لما يحب في سبيل الله، ولم تكن له جاهلية، فقد أسلم، وهاجر مع أبيه وهو صغير، وعن نافع أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه كان فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف في أربعة، وفرض لابن عمر ثلاثة آلاف وخمسمائة فقيل له هو من المهاجرين، فلم نقصته من أربعة آلاف؟ فقال إنما هاجر به أبواه (أي أنه ليس كمن هاجر بنفسه).

وطلب عبدالله بن عمر رضي الله عنهما الجهاد وهو صبي، ورده رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين، وأجازه في الثالثة في غزوة الخندق وقد بلغ يومئذ الخامسة عشرة أو حولها.

وكان عبدالله بن عمر من البكائين الخاشعين، قارئاً للقرآن، وكلما قرأ: أَلَمْ يَأْنِ لِلذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَق، بكى حتى يغلبه البكاء، وكان رقيق القلب، حسن الطباع، لا يسمع ذكر النبي إلا بكى، وما كان يمر بمسجده وقبره إلا بكى حبّاً وشوقاً إليه.

لم تفتنه الدنيا، وظل حريصا على البعد عن فتنتها حتى وافى أجله، زاهدا في الدنيا، مقبلا على الآخرة، نائيا بنفسه عن المناصب والجاه، طالبا عفو ربه ومغفرته، حتى قال عنه جابر بن عبدالله: ما رأيت أحدا وما أدركت أحدا إلا وقد مالت به الدنيا أو مال بها، إلا عبدالله بن عمر، وكان رضي الله عنه يقوم الليل، يصلي حتى السحر ثم يقعد ليستغفر حتى الصبح، ولم ينقطع عن هذا من يوم أوصى الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم بذلك.

نعم الرجل عبدالله

وهو رضي الله عنه من فقهاء الصحابة، وأحد العبادلة وهم ابن عباس وابن الزبير وابن عمرو بن العاص وابن عمر وقد تأخرت وفاتهم، وكانوا إذا اجتمعوا على شيء من الفتوى قيل: هذا قول العبادلة، وله مناقب كثيرة، وترجم له البخاري باب مناقب عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وفيه روى بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان الرجل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى رؤيا قصها على النبي صلى الله عليه وسلم، فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي صلى الله عليه وسلم، وكنت غلاما أعزب، وكنت أنام في المسجد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت في المنام كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، فإذا لها قرنان كقرني البئر، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، فلقيهما ملك آخر فقال لي لن تراع، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: نعم الرجل عبدالله، لو كان يصلي بالليل، فكان عبدالله لا ينام من الليل إلا قليلا.

وفي باب من فضائل عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ذكر الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن نافع، عن ابن عمر، قال: رأيت في المنام كأن في يدي قطعة استبرق وليس مكان أريد من الجنة إلا طارت إليه، قال: فقصصته على حفصة فقصته حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرى عبدالله رجلا صالحا، وفي رواية الترمذي فقال: إن أخاك رجل صالح، أو: إن عبدالله رجل صالح.

على خطى الرسول

وكان من أشد الناس اتباعا للسنة، وكان يحفظ ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسأل من حضر إذا غاب عن قوله صلى الله عليه وسلم وفعله، وكان رضي الله عنه يتبع آثار النبي ويقتدي به في جميع أموره، وكان يتتبع آثاره في كل مسجد صلى فيه، وكان يعترض براحلته في طريق رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض فيه ناقته.

وكان رضي الله عنه لا يترك الحج، وكان أعرف الصحابة بمناسكه، وكان إذا وقف بعرفة يقف في الموقف الذي وقف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتحرى أن يصلي في كل مكان صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ويسير في كل طريق سار فيه، رجاء أن توافق صلاته أو مشيته مكاناً صلى فيه الرسول أو سار فيه، وروي أنه علم أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل تحت شجرة يستظل بها، فكان ينزل عندها، ويتعهدها بالسقي فيصب في جذرها حتى لا تيبس.

وشهدت له أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقالت: ما كان أحد يتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم في منازله، كما كان يتبعه ابن عمر، وقالت: ما رأيت أحداً أشبه بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين دفنوا في النمار من عبدالله بن عمر.

كان يعرف أن الخلاص في الاتباع، وأنه الطريق المستقيم، وكان يقول: إني لقيت أصحابي على أمر وإني أخاف إن خالفتهم ألا ألحق بهم، وكان على درب أبيه يمضي حتى قيل عنه: ما ناقة أضلت فصيلها في فلاة من الأرض بأطلب لأثرها من ابن عمر لعمر بن الخطاب.

ينفق ما يحب

وكان رضي الله عنه وقافا عند آيات الله، يبكي عند بعضها، يقوم فينفذ ما في بعضها الآخر وكان له أكثر من موقف يروى مع الآية الكريمة: لَنْ تَنَالُوا الْبِر حَتى تُنْفِقُوا مِما تُحِبونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِن اللهَ بِهِ عَلِيمٌ، (آل عمران:92)، فكان إذا أحب شيئاً أنفقه في سبيل الله، ويروى أنه قال: خطرت هذه الآية فتذكرت ما أعطاني الله فما وجدت شيئا أحب إلي من جاريتي رميثة فقلت هذه حرة لوجه الله فلا أعود في شيء جعلته لله ولولا ذلك لنكحتها فأنكحها نافعا وهي أم ولده، وكان يتصدق بالسكر ويقول: سمعت رسول الله يقول: لَنْ تَنَالُوا الْبِر حَتى تُنْفِقُوا مِما تُحِبونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِن اللهَ بِهِ عَلِيمٌ، (آل عمران:92)، والله يعلم أني أحب السكر.

ويحكى أنه كان مريضاً فقال لأهله: إني أشتهي أن آكل سمكاً فأخذ الناس يبحثون له عن سمك فلم يجدوا إلا سمكة واحدة بعد تعب شديد، فأخذتها زوجته صفية بنت أبي عبيدة فأعدتها، ثم وضعتها أمامه فإذا بمسكين يطرق الباب، فقال له ابن عمر: خذ هذه السمكة، فقال أهله: سبحان الله! قد أتْعَبتنا حتى حصلنا عليها، وتريد أن تعطيها للمسكين؟! كلْ أنت السمكة وسنعطي له درهما فهو أنفع له يشتري به ما يريد. فقال ابن عمر: لا أريد أن أحقق رغبتي وأقضي شهوتي، إنني أحببت هذه السمكة فأنا أعطيها المسكين إنفاقاً لِمَا أُحِب في سبيل الله.

وكان حسن الخلق لم يلعن خادمه قط، ولم يسَب أحداً طوال حياته، وقد ارتكب خادمه خطأ ذات مرة فهم أن يشتمه، فلم يطاوعه لسانه، وندم على ما هم به فأعتقه لوجه الله تعالى، وكان رضي الله عنه محبا للخير فعالا له، وذكر نافع: أن ابن عمر كان إذا اشتد عجبه بشيء من ماله قربه لربه، وكان رقيقه قد عرفوا ذلك منه، فربما لزم أحدهم المسجد، فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال الحسنة أعتقه، فيقول له أصحابه: يا أبا عبدالرحمن، والله ما بهم إلا أن يخدعوك، فيقول ابن عمر: من خدعنا بالله انخدعنا له.

قال نافع: فلقد رأيتنا ذات عشية وراح ابن عمر على نجيب له (جمل قوي) قد أخذه بمال، فلما أعجبه سيره أناخه مكانه، ثم نزل عنه فقال: يا نافع انزعوا زمامه ورحله وجللوه وأشعروه وأدخلوه في البدن، يقصد إبل الصدقة.

وكان لا يأكل طعاما إلا وعلى خوانه يتيم، وكان يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين، فإذا منعه أهله عنهم لم يتعش تلك الليلة، وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام، وقام فأعطاه للسائل فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة، فيصبح صائما ولم يأكل شيئا.

وفاته

شهد له الكثير من أهل العلم والاتباع فقال عبدالله بن مسعود: إن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا عبدالله بن عمر، وقال سعيد بن المسيب: مات ابن عمر يوم مات، وما في الأرض أحد أحب إلى أن ألقى الله بمثل عمله منه، وقال الزهري: لا نعدل برأي ابن عمر، فإنه أقام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستين سنة، فلم يخف عليه شيء من أمره، و لا من أمر أصحابه، وقال رجاء بن حيوة: أتانا نعي ابن عمر، ونحن في مجلس ابن محيريز، فقال ابن محيريز: والله إن كنت لأعد بقاء ابن عمر أمانا لأهل الأرض.

وهو آخر من مات من الصحابة في مكة، عند بعض أهل العلم، وتوفي بعد الحج على اثر جرح أصابه من الزحام عند الجمرة، وذكر الزبير أن عبدالملك بن مروان لما أرسل إلى الحجاج الثقفي ألا يخالف ابن عمر شق على الحجاج ذلك، فأمر رجلا معه حربة يقال إنها كانت مسمومة، فلما دفع الناس من عرفة لصق ذلك الرجل به فأمر الحربة على قدمه، فمرض منها أياما ثم مات رضي الله عنه، ودفن بمكة.