حين تحاور شخصاً يتحدث بتلقائية نابعة من القلب فإن صدق هذا الشخص يضفي على الحوار حميمية تجعلك تشعر بأن صداقة قوية تجمعكما منذ زمن طويل، حتى ولو كنت تحاوره للمرة الأولى .

هكذا كان حوارنا مع عبدالله بوعصيبة مدير المركز الثقافي وتنمية المجتمع في أم القيوين والذي تنطق عيناه بكل معاني الحب والوفاء والحنين حين يعبّر عن اعتزازه بوالده، فمع أنه (أي الوالد) لا يجيد القراءة والكتابة إلا أنه كان حريصاً على أن يتابع يومياً إنجاز ابنه لواجباته المدرسية، كما كان يصطحبه إلى المسجد لكي يعوده على أداء الصلاة، وكان هذا الوالد الحكيم يكافئ مَنْ يصوم رمضان كاملاً من أولاده بتقديم الهدايا إليه، ولم يكن يلجأ إلى العقاب إلا إذا لم تنفع النصيحة . يحب عبدالله بوعصيبة الأماكن الريفية المفتوحة، ويحن كثيراً إلى كرة القدم، ويؤكد أن قضية فلسطين ستظل القضية الأولى للعرب والمسلمين، وتالياً نص الحوار معه:

بداية، لنتحدث عن النشأة وذكريات الطفولة؟

- أنا من مواليد منطقة الغب في أم القيوين، وهي من المناطق التي كانت تعج بالناس نظراً لأن سوق السمك كان موجوداً فيها، وكنا نذهب صباح كل يوم لنرى الناس، ونتجول بينهم، أما الطفولة فهي البدايات الجميلة التي لن أنساها، بل وأعتز بها، وقد احتلت الحياة البحرية جزءاً كبيراً من أيام طفولتي، إذ كنت بمجرد الانتهاء من المدرسة أتوجه إلى البحر لأمارس السباحة وصيد الأسماك الصغيرة . كانت الحياة هادئة جداً، يسودها التآخي والحب والمودة، وكنت وأصدقائي حريصين على لعب الألعاب الشعبية، مثل الهول والمسطاع وهي لعبة قريبة من الكريكيت، كما كنت أحب كثيراً كرة القدم .

الوالد الحكيم

ترتيبي في العائلة هو الثاني بين الأولاد، وكنت قريباً أنا وأخي الأكبر من والدي الذي كان حريصاً على أن يأخذنا كل يوم لنتعلم القرآن الكريم، وكنا نجلس أمام المطوع ونقرأ عليه ما حفظنا، كما كان والدي يأخذنا إلى المساجد التي تقام فيها الندوات والدروس، حتى يتسع أفقنا بالجديد من المعلومات والتفاسير، وهنا أود أن أؤكد أن العائلة هي أساس البناء الاجتماعي والأخلاقي والثقافي، وكل ما تشمله الدنيا من معان، وهي بمثابة نبض القلب لكل إنسان .

أين تلقيت تعليمك بمراحله المختلفة؟

- البداية كانت في روضة المهلب، ثم كانت مرحلة التعليم الأساسي في مدرسة عثمان بن عفان، وبعدها درست المرحلة الثانوية في مدرسة الأمير بأم القيوين، أما تعليمي الجامعي فقد كان في جامعة الإمارات عام 1984 ودرست الإعلام والإدارة العامة .

إذاً نحن نتحدث مع عبدالله بوعصيبة الإعلامي المغمور؟

- أنا من محبي القراءة وكانت الهواية الوحيدة التي تربطني بالعالم، وتطلعني على ثقافات الشعوب الأخرى، كما جعلتني متابعتي للصحف مطلعاً على ما يحدث في المجتمع والعالم، وكل ذلك جعل دراسة الإعلام الأقرب إلى نفسي، وكنت أنوي الدخول في المجال الصحافي، وعلى الرغم من عدم تحقيق ذلك، إلا أنني أقيّم ما أقرأ وما أتابع حتى لو كان برنامجاً إخبارياً بأسلوب مهني .

مَنْ هم الأشخاص الذين تأثرت بهم منذ الصغر؟

- تأثرت بأشخاص كثيرين ولملمت منهم خبراتي، لكن الوالد كان له أغلب التأثير، واعتزازي به ليس له حدود، فعلى الرغم من عدم إجادته القراءة والكتابة، إلا أنه كان يجلس معي كل يوم، ويطلب من إفراغ حقيبتي المدرسية ومراجعة دروسي وكنت أقرأها أمامه، وعندما يأتي وقت الصلاة، يراقبني وأنا أصلي، وإن لم أفعل يستمر في النصيحة ثم يلجأ إلى العقاب إن لم تنفع النصيحة، وكان يأخذني معه إلى المسجد للصلاة حتى أصبحت عادة لا يمكن الاستغناء عنها، وكان يكافئ مَنْ يصوم رمضان كاملاً ويأتي له بالهدايا.

مفتاح النجاح والسعادة

وماذا عن أفراد أسرتك؟

- من نِعم الله عز وجل أن أكرمني بالزوجة الصالحة وبذرية صالحة تخشى الله وتحب العلم، وتسعى لأن تكون نافعة تجاه وطنها بالحب والعطاء، وهم سر نجاحي وسعادتي بكل ما تحمله الكلمة من معان، وأنا أزرع فيهم كل ما هو مفيد حتى لا يواجهوا صعوبات في المستقبل، والمهم في التربية مصادقة الأبناء وتعليمهم احترام الناس قبل الخوف منهم، وأبنائي هم أصدقائي حيث يبوحون لي بأسرارهم ويأخذون مني الرأي والمشورة، وأعودهم من الآن على الاعتماد على الذات، فكثيراً من المرات أذهب إلى المتاجر وأجلس في السيارة، وأطلب منهم النزول بمفردهم للتعامل مع الناس، وأراقبهم حتى يحصلوا على الثقة بأنفسهم .

كيف كانت بداية مسيرتك العملية؟

- تخرجت في الجامعة عام 1989 وعُينت في وزارة الثقافة والشباب بأم القيوين، وبعد عام ترقيت إلى نائب مدير المركز الثقافي وتنمية المجتمع في أم القيوين، وظللت في هذا المنصب سبع سنوات، حتى أصبحت مديراً للمركز بعدها، وأتمنى من المولى عز وجل أن يوفقني لما فيه خدمة وطني وأبناء شعبي الحبيب .

كيف تنظر إلى منصب المدير؟

- عندما تصبح مديراً للعمل أو الرقم واحد في موقع ما، تكون المسؤول عما يصل إليه من نجاحات وإخفاقات، وإذا كان الموظف مطالباً بإنجاز الجزء المسند إليه من العمل، فإن المدير تتجمع عنده كل الخيوط وتنضج الرؤية وتقترب الاستراتيجيات من التحقق .

ما الذي تعنيه لك المرأة؟

- المرأة شريكة الحياة ورفيقة الدرب، وهي بالنسبة إليّ الأم والزوجة والأخت، فهي تتحمل الكثير من المسؤولية عندما تربي الأبناء، وترسي لهم قيم الأخلاق الحسنة، وعلى الصعيد المجتمعي أعتقد أن المرأة وصلت إلى درجات كبيرة من الرقي ليس على المستوى المحلي فقط، بل على المستويين العربي والعالمي، وهذا واضح من المراكز التي تبوأتها خلال السنوات الفائتة .

حكمتك في الحياة؟

- انطلق دائماً من مقولة ما رضاء الله إلا برضاء الوالدين، ومَنْ يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب .

سوريا وألمانيا

ما أكثر البلدان التي تركت في نفسك أثراً عندما زرتها؟

- أنا من محبي المساحات الخضراء والأماكن الريفية المفتوحة، حيث الهدوء والطبيعة والعودة إلى الحياة القديمة، ومن أكثر البلدان العربية التي زرتها سوريا، وما أروع أن ترى الفلاح السوري يزرع في البستان، ويعود بمحصوله ليبيعه، أما في الدول الأوروبية فتجذبني ألمانيا وخاصة مدينة ميونيخ التي تتميز بمباني العصر الروماني، والهدوء والحياة البسيطة المنظمة في الوقت نفسه، ومن الأماكن المحببة لي أيضاً منطقة بشتنك في سلوفاكيا، إذ تكثر فيها المساحات الخضراء، إضافة إلى المصحات والسياحة العلاجية .

ماذا عن هواياتك؟

- بالنسبة إلى الرياضة أحن كثيراً إلى كرة القدم وكنت عضواً في مجلس إدارة النادي العربي في أم القيوين، ودائم اللعب مع الأصدقاء، لكنني حالياً أبقي على رياضة المشي، ومن هواياتي القديمة المستمرة القراءة، وكم أشعر بالسعادة عندما أحصل على معلومة جديدة عبر كتاب، أو قصة، وأعتقد أن مقولة الكتاب خير صديق تترسخ عندي في كل يوم أودع فيه أحد الأصدقاء .

موروث حضاري ثري

كيف تنظر إلى قطاع الثقافة في دولة الإمارات، ودوره في مسيرة النهضة والتقدم التي تشهدها الدولة؟

- تعد الثقافة من الموروث الحضاري والإسلامي الذي تزخر به دولة الإمارات بين دول العالم العربي والدولي، ونحن نفتخر بهذا الموروث، ونسير على نهج المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة العلم والحضارة، ويكمل المسيرة بكل اقتدار ونجاح صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، واليوم عندما ترى صورة دولة الإمارات على امتداد العقود الماضية فإنك تجدها منارة تستمد نورها من هويتها الإسلامية وانتمائها العربي الأصيل، ولا يخفى على أحد أن القيادة الوطنية تولي اهتماماً كبيراً بقطاع الثقافة، من خلال التشجيع والحث على الانخراط في العمل الثقافي ورعاية المثقفين ودعمهم، وإنشاء المراكز والمؤسسات في مختلف مناطق الدولة والحرص على إشراك جميع الفئات العمرية في الحراك الثقافي بهدف تنشئة جيل واع متعلم مثقف قادر على استكمال الإنجازات، بل وتحقيق المزيد منها .

لغة الضاد اليتيمة

تحرص القيادة الوطنية على تنشئة جيل متعلم متشبث بهويته الإسلامية والعربية، وانطلاقاً من هذا الحرص ينبغي أن تتضافر الجهود لمواجهة مشكلة ضعف اللغة العربية عند الكثيرين من مختلف الفئات العمرية، خاصة الناشئة، فما الذي تراه في هذه المسألة؟

- مما يؤسف له أن الاهتمام باللغة العربية في عصرنا الحالي لا يكاد يذكر إن لم نقل إنه شبه معدوم، وهناك عوامل عدة متداخلة وراء هذه المشكلة أهمها ثلاثة: أولها خلل التركيبة السكانية الناتج عن وجود الكثير من الجنسيات الأجنبية على أرض الدولة، وثانيها أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تختصر كل شيء على الفرد من دون عناء، وثالثها حرص الكثير من الإدارات التعليمية على تشجيع دراسة وتعلم اللغات الأجنبية داخل المدارس وفي القطاعات كافة .

تطرقت إلى وسائل الاتصال الاجتماعي، ويتفق الكثيرون على أن تلك الوسائل أسهمت في خلق الثورات العربية في عدد من الدول، فما تعليقك؟

- على الرغم من نجاح انتشار ثقافة استخدام وسائل الاتصال الاجتماعي كالفيس بوك وتويتر بين شعوب الدول التي شهدت ثورات طالبت بالإصلاح والتغيير، إلا أن حسن استخدامها قل بشكل كبير جداً، وأصبحت تلك المواقع للتشهير والتهجم، وهذا الأمر يدعونا جميعاً إلى الوقوف بكل حزم لمحاربة سوء الاستخدام، فحب الأوطان بالعطاء والتضحية وليس بالتطاول والتجريح، وبالتالي فإننا بحاجة إلى ثقافة كاملة متكاملة تصل بنا إلى حسن استخدام مثل تلك التقنيات الإعلامية الحديثة خدمة لأوطاننا ومجتمعاتنا .

على ذكر الثورات العربية، فإننا لا بد أن نتذكر القضية المركزية للعرب، ألا وهي قضية فلسطين، فأين هي من وجدانك؟

- مهما أخذتنا الأزمان وتغيرت ملامح العالم وسرعة تطوره، فإن القضية الفلسطينية ستبقى القضية الأولى عند العرب والمسلمين، وكل محب للسلام ونحن أبناء دولة الإمارات، ومنذ نعومة أظفارنا تربينا على حبنا لإخواننا في فلسطين والحرص على القيام بالواجب العربي تجاههم وسيسجل التاريخ بأحرف من ذهب مواقف قيادتنا الوطنية الرشيدة ودعمها اللامحدود للمستضعفين على أرض فلسطين، وسيظل عطاء الأيادي البيضاء لقيادتنا الرشيدة شاهداً على الحب والانتماء للوطن العربي من خلال قضية فلسطين، فبناء المدارس، والمستشفيات، وتشييد المساكن ودعم اللاجئين، وتقديم المعونات الإنسانية جميعها يؤكد أصالة قيادتنا الحبيبة وعمق التزامها العربي والإسلامي.