يقول أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب «المحتضرون»: كان عبد الملك بن مروان عاقلاً حازماً أديباً لبيباً وكان يجالس العلماء والفقهاء والعباد والصالحين وولاه معاوية أمر المدينة وهو في السادسة عشرة من عمره فاهتم بالعلم والعبادة وكان قبل أن يلي الخلافة من العباد الزهاد الفقهاء الملازمين للمسجد التالين للقرآن، ولما حضرته الوفاة، قيل له كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟ قال: أجدني كما قال الله: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ)، (سورة الأنعام الآية: 94).
«ليتني كنت غَسَّالاً»
وعن عبد العزيز بن عمران بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه عن جده قال: «لما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة، نظر إلى غسال بجانب دمشق يلوي ثوبا بيده ثم يضرب به المغسلة، فقال عبد الملك: والله ليتني كنت غسالا أكلي كسب يدي يوما بيوم وأني لم أل من أمر الناس شيئاً»، قال عبد العزيز، عن أبيه: فأخبر بذلك أبو حازم فقال: «الحمد لله الذي جعلهم إذا حضرهم الموت يتمنون ما نحن فيه، وإذا حضرنا الموت لم نتمن ما هم فيه».
وعن حفص بن عطية، عن ابن قبيصة بن ذؤيب، عن أبيه قال: «كنا نسمع نداء عبد الملك بن مروان من وراء الحجاب: يا أهل النعم، لا تغالوا منها شيئا مع العافية. وكان قد أصابه داء في فمه».
وحدثنا عبد الله بن المبارك فقال: «استأذن قوم على عبد الملك بن مروان وهو شديد المرض، فقالوا: إنه لما به. فقالوا: إنما ندخل فنسلم قياما ثم نخرج، فدخلوا عليه وقد أسنده خصي إلى صدره، وقد اربد لونه، وجرى منخراه، وشخصت عيناه، فقال: دخلتم علي في حال إقبال آخرتي وإدبار دنياي، وإني تذكرت أرجى عملي فوجدته غزوة غزوتها في سبيل الله وأنا خلو من هذه الأشياء».
بين مقالتين
وعن شعيب بن صفوان قال: «لما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة، دعا بنيه، فأوصاهم، ثم لم يزل بين مقالتين حتى فاضت نفسه: الحمد لله الذي لا يبالي صغيرا أخذ من ملكه أو كبيرا». والأخرى:
فهل من خالد لما هلكنا
وهل بالموت يا للناس عار؟
ويقول ابن سابط الجمحي: «خرجت من قنسرين فأشار لي إنسان إلي قبر عبد الملك بن مروان، فوقفت أنظر، فمر عبادي فقال: لم وقفت هاهنا؟ قلت: أنظر إلي قبر هذا الرجل، الذي قدم علينا مكة في سلطان وأمر، ثم عجبت إلي ما رد إليه. فقال: ألا أخبرك خبره لعلك ترهب؟ قلت: ما خبره؟ قال: هذا ملك الأرض بعث إليه ملك السماوات والأرض، فأخذ روحه، فجاء به أهله فجعلوه هاهنا، حتى يأتي الله يوم القيامة مع مساكين أهل دمشق»!.
ويذكر إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي في كتاب «البداية والنهاية»، أنه «لما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة قال ارفعوني فرفعوه حتى شم الهواء وقال: يا دنيا ما أطيبك إن طويلك لقصير وإن كثيرك لحقير وإنا كنا بك لفي غرور». وقيل: «لما حضره الموت جعل يندم ويضرب بيده على رأسه، ويقول: وددت أني أكسب قوتي يوما بيوم، واشتغلت بطاعة الله».
«أوصيكم بتقوى الله»
ولما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة جمع أولاده وفيهم مسلمة بن عبد الملك وكان سيدهم، فقال: «أوصيكم بتقوى الله تعالى فإنها عصمة باقية وجنة واقية، وهي أحصن كهف وأزين حلية، وليعطف الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير منكم حق الكبير، مع سلامة الصدور، والأخذ بجميل الأمور، وإياكم والفرقة والخلاف فبهما هلك الأولون، وذل ذوو العزة المعظمون، انظروا مسلمة فاصدروا عن رأيه فإنه نابكم الذي عنه تفترون ومجنكم الذي به تستجنون، وأكرموا الحجاج فإنه وطأ لكم المنابر وأثبت لكم الملك، وكونوا بني أم بررة وإلا دبت بينكم العقارب، كونوا في الحرب أحرارا وللمعروف منارا، واحلولوا في مرارة، ولينوا في شدة، وضعوا الذخائر عند ذوي الأحساب والألباب، فإنه أصون لأحسابهم وأشكر لما يسدى إليهم»..
ثم أقبل على ابنه الوليد فقال: «لا ألفينك إذا مت تجلس تعصر عينيك وتحن حنين الأمة، ولكن شمر وائتزر والبس جلدة نمر ودلني في حفرتي وخلني وشأني وعليك وشأنك، ثم ادع الناس إلى البيعة فمن قال هكذا فقل بالسيف هكذا»، ثم أرسل إلى عبد الله بن يزيد بن معاوية وخالد بن أسيد. فقال: هل تدريان لم بعثت إليكما؟ قالا: نعم لترينا أثر عافية الله تعالى إياك. قال: لا، ولكن قد حضر من الأمر ما تريان، فهل في أنفسكما من بيعة الوليد شيء؟ فقالا: لا، والله ما نرى أحدا أحق بها منه بعدك يا أمير المؤمنين، قال: أولى لكما، أما والله ولو غير ذلك قلتما لضربت الذي فيه أعينكما.
توفي عبد الملك يوم الخميس في منتصف شهر شوال 86 ه الموافق 9 أكتوبر 705م بدمشق، عن عمر بلغ الستين عامًا.