لعل أسعد اللحظات التي تمر على المرء تلك اللحظة التي يلتقي فيها شخصية كضيفنا اليوم وهو الوالد عبيد بن مطر بن غراب الكتبي الذي التقيناه في منزله بمنطقة العوير في دبي حيث أخذنا معه فيها لنعيش حياة البدو التي عاشها وأقرانه وأهله من آباء وأجداد وأخوال وأعمام، والتي سطر فيها ذكريات حلوة ومرة اجتمعت في حياته وحياة كل من عاش في الصحراء متنقلاً من مكان إلى مكان باحثاً عن أسباب الحياة والاستقرار في هذه المنطقة وتلك إلى أن استقرت بهم الحياة أخيراً في ظل الاتحاد الذي مَنّ به الله على هذه الأرض وشعبها .

الصحراء هي أمنا ومنها خرجنا وانتشرنا في أرجاء هذه الأرض المعمورة، وفيها قضينا فترات طفولتنا وصبانا وشبابنا، وكان الولد منا ما إن يبلغ سن التاسعة أو العاشرة حتى تجده ملاصقاً لأبيه يساعده في أعمله والكد على أهله، وإما تراه يطرّف بالبوش والركاب، وإما تجده يجمع الحطب الذي يباع في أسواق المدن كأسواق الشارقة ودبي، وإما تراه بعد أن يبلغ سن الشباب حاملا بندقيته يجوب البراري ليصطاد طرائد يعتاش بها هو وأهله، وكثيراً ما كان الواحد منا يقتسم صيده مع أهله وأقربائه وجيرانه، والزائد كنا نبيعه على بعض الأشخاص ممن كانوا يقصدونا لهذا الغرض وخاصة الغزلان .

بنادق الصيد

كنا نصيد الغزلان والأرانب بالبنادق التي كانت تأتينا من سلطنة عمان ومن البريمي التي كان يوجد فيها أكبر سوق في المنطقة آنذاك، وكانت هذه البنادق ذاتها المستخدمة في الحروب والدفاع عن النفس، وكانت هذه البنادق من أنواع مختلفة ولها مسميات محلية مثل الصمعة والسكتون وأم خمس وأم عشر وأم تاجين والعشرات من الأسماء والأنواع، وأقدمها طبعاً هو المعروف باسم أم فتيلة بسبب حشوها بالباروت (البارود) ومن ثم تلقم البندقية بالرصاصة ويتم إشعال الفتيلة لتنطلق الرصاصة بعدها متجهة صوب هدفها، وتعد هذه البنادق من البنادق البدائية التي تركت فور وصول البنادق الحديثة آنذاك مثل الصمعة وغيرها من بنادق تحشى بالرصاص دون شحنها بالبارود وإشعال الفتيل .

وكنا أيضاً نصيد بكلاب الصيد وهي كلاب السلق أو السلوقية التي جاءتنا أصلاً من قلب الجزيرة العربية ويقال إن أصلها من اليمن من بلدة سلق التي أعتقد بأنه إليها أيضاً ينسب نوع من العسل يسمى العسل السلوقي .

صقور وشواهين

كنا نصيد أيضاً بالطيور وهي الصقور والشواهين التي كنا نصطادها أولاً عن طريق التكويخ وهو نصب شباك نعلق بها طيراً حياً لكي يرفرف بجناحيه فيراه الشاهين فيأتي منقضاً عليه فيقع في الشرك ونكون نحن مختبئين في حفره مغطاة بالرمرام أو الثمام وممسكين بطرف خيط ممدود إلى الشباك ونقوم بسحب الخيط ليقع الشرك على الأرض وفوق الشاهين ومن ثم نخرج لتخليص الشاهين من الشرك والإمساك به ومن ثم تبدأ مرحلة التدريب والتعليم وعندما يجهز نخرج به للصيد والقنص وكنا نصطاد بها الحبر وهي طيور الحبارى وكذلك طيور الكروان والقطا وغيرها من طيور كانت تأتينا في المرابع حيث تخضر الأرض بالعشب الذي يجعلها ملفى لتلك الطيور التي تترك بلادها الباردة وتطلب الدفء في أرضنا فتكون كرزق يسوقه لنا الله سبحانه وتعالى في كل موسم نعيش ونكد به على أسرنا وأهلنا وتعيننا على الأيام التي تليها .

كنا ولطبيعة حياتنا البدوية وعيشتنا في الصحراء والمناطق البرية نحفظ مناطقها وطبيعتها الجغرافية عن ظهر قلب، وكنا إذا أردنا أن نقصد بقعة معينة نتوجه إليها من غير خريطة أو دليل مرسوم أو أجهزة مثل شباب هذه الأيام، وكنا نستدل على المناطق والمعالم الجغرافية عن طريق تسميتها بمسميات معينة تشتهر بين كل رواد تلك المنطقة والساكنين فيها، وذلك وفق أحداث تاريخية شهدتها تلك المناطق أو لوجود علم أو أثر بارز مثل تشكيل صخري أو لوجود نوع من النباتات فيها مثل العود وهي شجرة الغاف فنوق عود سالم نسبة إلى رجل اسمه سالم كان يبيت تحتها أو قتل تحتها أو غير ذلك من أسباب، أو نقول العود الأسود لسواد جذع تلك الشجرة وهكذا نسمي بقية المواضع من سيح وهور وواد ومرتفع رملي مثل الجرن والنقا والند والعرقوب والدمية وغيرها من أنواع المرتفعات الرملية، ونقوم بالاستدلال والوصول إلى تلك المواضع بالخبرة ومعرفة الأرض، فمثلا لو ضيّع أحدنا ناقة له وسأل البعض عنه أخبره من رآها بأنه شاهدها في الموضوع الفلاني فإنه يقصد المكان المشار إليه مباشرة لأنه يعرفه من مسماه وإنه يقع في الجهة الفلانية وعلى بعد مسافة كذا وبقربها ويحيط بها كذا وكذا من معالم جغرافية ويشبه هذا في أيامكم هذه مسميات المدن والأحياء السكنية والشوارع التي تقع فيها والتفرعات وأرقام السكك والبيوت والعمارات السكنية والطوابق والشقق وهكذا من مسميات وأرقام تفهمونها جيداً كما كنا نحن نفهم ونستدل بتلك المسميات القديمة ولكن الفرق أنها في العصر الحاضر مرتبة وموثّقة وفي زمننا محفوظة في الصدور والذاكرة .

حياة الإنسان مسيرة وطريق يسير فيه منذ أن يضع قدمه في الحياة ويرى النور إلى أن يفارق الحياة ويدفن في قبره، وعلى الإنسان أن يحسن السيرة طوال سيره في هذا الطريق الذي نهايته حفرة وقطعة قماش قد لا يجد عند موته من يلفه بها فيدفن عريان بلا غطاء ولا كفن، وإنني ولله الحمد أشكر الله وأحمده على كل شيء وتيسيره الأمور لي لكي أسير وفق أحكامه ونهج نبيه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وأسأله سبحانه وتعالى حسن الخاتمة وأن يرحمني برحمته يوم الوقوف بين يديه تعالى .

الحياة الأسرية

تزوجت من زوجتي الأولى وكنت حينها في مطلع العشرينات وسكنت لمدة خمس سنوات في منطقة المازم وهي منطقة قبيلة البلوش في منطقة الجبال في الفجيرة، وكان شيخها آنذاك الشيخ سعيد بن راشد المازمي، وعندما تزوجت زوجتي الثانية سكنت منطقة ظنك في سلطنة عمان، ومنها انتقلت بعد سنين قليلة للعيش متنقلاً بين مناطق النبيبيغ والرفيعة، وصعدة الذيد وهو واد تكثر فيه أشجار السمر، وفيه بئر تعرف باسم طوي نبغ وقد قام جدي عبدالله بن غراب بخدمتها، وسكنّا أيضاً في مزيرع والصجعة والعوير، وكنت مع أهلي نحضر في الصجعة كل صيف .

ومن القبائل المعروفة قبيلة بنو قتب أو بنو كتب حيث تنطق الكاف مكشكشة، وهم من القبائل الغافرية التي كانت سكناها من موضع البدعات وشرقها وحتى عرقوب العلم، وتمتد في مناطق الصجعة والعوير ومزيرع والذيد، وهم أول من استوطن الذيد من القبائل وحفر الآبار فيها وبنى المساكن، وكانت قبيلة بني كتب قديماً تابعة في ولائها لشيخ القواسم .

وتتكون قبيلة بني كتب من فروع كثيرة منها المساعيد وهم آل مسعود بن ماجد بن حمد، وفيهم الزعامة والمشيخة، والمشيخة في بيت حمود، ومسعود هذا أنجب من الأولاد علي وحمود ومصبح وماجد وحمد وكل واحد من هؤلاء جد أعلى لبيت من بيوت المساعيد المعروفين حالياً، وكان مصبح أكثرهم أولاداً وهم سليم وحمود وسالم وكل منهم له ذرية معروفون في الحاضر وصاحبك مبارك بن سليم الذي جئت معه هو من هذا البيت وهو ابن سليم بن علي بن سليم بن مصبح بن مسعود بن ماجد بن حمد .

ومن المساعيد آل بن حماد، وكانت عندهم الوجاهة وهم أهل المال والحلال، ومن رجالهم المعروفين مبارك بن هزيم بن مسعود الكتبي وأبناؤه هزيم وعبدالله وسيف وحمد ومطر، ومن فروع بني كتب الفرارية وهم آل فِريْ، والمضاحية وهم أبناء ضاحي، والقصاملة وهم أبناء قصمول وهو من المساعيد .

أصول عريقة

دخلت في قبيلة بني كتب، العديد من الفروع المنتمية إلى قبائل عربية عريقة أخرى كعادة القبائل والعشائر منذ زمن ما قبل عصر الجاهلية إلى عصرنا الحاضر، حيث تنضم عشيرة أو فخيذة إلى قبيلة أخرى وتنتسب إليها وهذا مشهور عند كل بيوت وعشائر القبيلة، وإن سألتهم عن هذا أجابوك بصحته وخاصة كبار السن منهم، ومن المشهور عند آل هويدن مثلاً وهم شيوخ بني كتب أنهم من قبيلة آل مرة العريقة والواسعة الانتشار في الجزيرة العربية وشمالي إفريقيا في مصر وما جاورها من بلاد عربية، وأنهم استقروا في هذه المنطقة منذ زمن بعيد وأصبحوا شيوخاً لهذه القبيلة باختيار من شيوخ بقية العشائر المنتمية إلى القبيلة الكبيرة بنو كتب .

ومن أكبر فروع بني كتب الزفيت وهم أصلاً فرع من قبيلة النعيم ودخلت في قبيلة بني كتب منذ زمن بعيد، وينقسم الزفيت إلى أفخاذ منها الحضارم وهم أبناء بن حضرم، والشنان والغربان والرواكنة وهم أبناء راكان، والمسالمه وهم أبناء سلمى وبالعري، ومن الفروع التي دخلت في قبيلة بني كتب أيضاً بيت بالشوارب والحلاونة وهم أبناء بالحلوة والقتاتلة وهم أبناء قتّال وهؤلاء جميعاً من قبيلة المزاريع من بني ياس، والمراخنة وهم أبناء مرخان وهم من قبيلة المناصير .

كان لنا ابن عم من بني كتب وهو سلطان بن محمد بن شما الكتبي وكان في البريمي وكان وجيهاً في تلك المنطقة ومعروفاً بالكرم والشجاعة وسداد الرأي، وكثيرا ما كان يدخل في الصلح وفض الخصومات التي كان تقع عادة بين الأفراد أو الجماعات أو الأطراف القبلية المختلفة في تلك المنطقة، وكان ينزل عنده دائماً في ذلك الزمن الشيخ زايد بن خليفة حاكم أبوظبي، والشيخ مكتوم بن حشر حاكم دبي، والشيخ صقر بن خالد حاكم الشارقة، والشيخ علي بن عبدالله بن هويدن شيخ مشايخ بني كتب .

هجمات وقصيدة

كان الشيخ سلطان بن صقر القاسمي من أعظم شيوخ المنطقة وأقواهم وأشجعهم، وحصل أن تعرضت مناطق الفلي والذيد والفاية التابعة له للعديد من الهجمات التي كان يشنها بعض المجموعات بين الحين والآخر للسلب والنهب، ما أشاع الذعر والخوف بين أهل تلك المناطق وما حولها من مدن وقرى، فاستنجدوا بالشيخ سلطان بن صقر الذي حضر إليهم برجاله إلى الذيد وانضمت إليه قوات بني كتب والقبائل المجاورة وعلى رأسهم شيخ بني كتب الشيخ علي بن عبدالله بن هويدن وقاموا بهجوم مباغت على أماكن تجمع تلك المجموعات المهاجمة وقاموا بقتل من قاومهم وأسر من رمى سلاحه وتشتيت من فر منهم، وفي هذه المناسبة أنشد الشاعر محمد بن مبارك بالرفيسة وهو من المساعيد من بني كتب قصيدة مدح فيها الشيخ سلطان بن صقر بن خالد القاسمي ورده وصده القوات الغازية، يقول فيها:

يا طروش يا قصّاده

إحتثوا المسراح

صوب بو صقر وأولاده

ردوا النصاح

كان ثقيل فواده

لا يسمع المزاح

ولا يتبع الحساده

شروى سحب الأرياح

وسناده وإسناده

من خلقت الأرواح

سال الكبير وناده

لا تشتكي القماح

وصل (الفايه) وكاده

والحرب ما تنطاح

كلٍ يعرف حياده

يوم التفق نباح

وصفوته اْولاده

بدو موب شحاح

واْخليها سواده

على اليبل نشاح

سبعٍ خلاّ رقاده

عقب المنام إرتاح

حل البلا واْجهاده

وقتٍ تلا وراح

هل القلوب الوغاده

في قتلهم مباح

والله يعين عباده

بالدين والإصلاح