الإسلام دين رحمة وتراحم ورفق وفضل، ولم يكن تشريعه مجرد نصوص جامدة يتم تطبيق محتواها من دون نظر إلى ما ترمي إليه وما تتغيا به من قبل المشرع، نلمس هذا الجانب الإنساني في تشريعه في ما أمر الشارع به من التجاوز والعفو عن ذنوب ذوي الهيئات والمروءات، ما لم يكن هذا الذنب حدا من حدود الله تعالي، مما يدل على سماحة هذا الدين ومراعاته الجوانب الإنسانية في تطبيق أحكامه، وأن الشارع لا يتشوف إلى إيقاع العقوبة بقدر تشوفه إلى العفو عنها وعدم إيقاعها على من ارتكب موجبها، وأن العقوبة ليست هي مقصوده من تشريعها، وإنما مقصوده استئصال الفساد من المجتمع، واستتباب الأمن وانتظام أحوال الناس فيه، ووصولهم إلى حقوقهم. فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود، والأصل أن الإقالة هي موافقة البائع على نقض البيع وفسخه، والإقالة المأمور بها في الحديث مأخوذة من هذا المفهوم، إذ يراد بها هنا موافقة ذي الهيئة على ترك مؤاخذته بذنبه أو تخفيفه عنه، وقد فسر الشافعي ذوي الهيئات: بأنهم الذين لا يعرفون بالشر، إذا زل أحدهم الزلة، وقيل: إنهم أصحاب المروءات والخصال الحميدة، وقال ابن عبد الملك: الهيئة: هي الحالة التي يكون عليها الإنسان من الأخلاق المرضية، وحكى الماوردي في معنى ذوي الهيئات وجهين أحدهما: أنهم أصحاب الذنوب الصغائر دون الكبائر، والثاني: أنهم الذين إذا أذنب الواحد منهم ذنبا تاب منه، وحَكى في تفسير عثراتهم وجهين: أحدهما: الصغائر، والثاني: أنها أول معصية يزل فيها المطيع، وإن كان الموافق لمعنى حديث عائشة هو تأويل عثراتهم بالصغائر دون أول معاصيهم عامة، وإلا لزم منه إقالة أول معاصيهم ولو كان حدا من حدود الله تعالي، وهو ما ينقضه ظاهر نص حديث عائشة. ومفهوم المخالفة للمستثنى في الحديث أن العثرات يقصد بها كل اعتداء يوجب غير العقوبة الحدية، فيشمل العقوبات التعزيرية وغيرها ولو كانت من حقوق العباد. ومما يدل على أن العقوبات الحدية لا يجوز العفو أو التنازل عنها أو إقالة ذوي الهيئات منها، ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن قريشا أهمهم أمر المرأة المخزومية التي سرقت، قالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟، ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه، فكلم أسامة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟، ثم قام فخطب فقال: يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها، مما يدل على أن الحدود لا يُتجاوز فيها عن أحد سواء كان ذا هيئة أو غيره، كما يدل لعدم العفو عن جرائم ذوي الهيئات إن كانت موجبة عقوبة حدية، ما روي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن الزبير بن العوام رضي الله عنه لقي رجلا قد أخذ سارقا وهو يريد أن يذهب به إلى السلطان، فشفع له الزبير ليرسله، فقال: لا حتى أبلغ به السلطان، فقال الزبير: إذا بلغت به السلطان فلعن الله الشافع والمشفع، (معنى يرسله: يخلى سبيله)، ويقصد بالحدود: كل ما ثبت فيه عقوبة مقدرة من الشارع، وهي وفقا لما ذهب إليه جمهور الفقهاء: حدود: الزنا والقذف والسرقة والشرب والحرابة والردة، على خلاف بين العلماء في دخول عقوبة البغي والقصاص في الحدود، ومن ثم فإن الجرائم التي لا توجب عقوبة حدية ندب الشارع إلى العفو عن مرتكبها وخاصة إذا كان من ذوي الهيئات أو المروءات، سواء أوجبت غرامة أو حبسا أو نحوهما، وسواء كان الذي يطالب بتوقيع العقوبة ولي الأمر أو آحاد الناس، يدل لهذا حديث عائشة السابق، الذي قال العلماء إن الخطاب فيه موجه إلى الأئمة وغيرهم من ذوي الحقوق ممن يستحق المؤاخذة والتأديب عليها، كما يدل له ما روي عن أنس رضي الله عنه أن رجلا قتل رجلا فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ولي المقتول، ثم قال له: اعف عنه، فأبى، ثم قال: فخذ أرشا، فأبى، فقال: أما إنك إن قتلته كنت مثله، فمضى الرجل فلحقه الناس، فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما إنك إن قتلته كنت مثله، فخلى سبيله فذهب إلى أهله يجر نسعته، (النسعة: سير مضفور يجعل زماما للبعير وغيره). وروي علقمة بن وائل عن أبيه قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتى بالقاتل يجر في نسعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لولي المقتول: أتعفو عنه؟، قال: لا، قال: أفتأخذ الدية؟، قال: لا، قال: فتقتله؟، قال: نعم، فأعاد عليه ثلاثا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عفوت عنه فإنه يبوء بإثمه، فعفى، فرأيته يجر نسعته قد عفي عنه. وروي عن أنس رضي الله عنه قال: إن الربيع بنت النضر كسرت ثنية جارية، فعرضوا عليهم الأرش فأبوا، وعرضوا عليهم العفو فأبوا، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بالقصاص، فجاء أخوها أنس بن النضر فقال: يا رسول الله أتكسر ثنية الربيع لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أنس كتاب الله القصاص، فرضي القوم فعفوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره، (الأرش: دية السن المكسورة، والثنية: السن الأمامية من أعلى)، مما يدل على حض الشارع على العفو عن العقوبات غير الحدية ولو كانت قصاصا في النفس أو ما دونها، هذا وغيره مما أشرت إليه يسطر للإسلام صفحة ناصعة، بمراعاته الجوانب الإنسانية والنفسية لمقترفي الجرائم والمخالفات، وتشوفه إلى عدم مؤاخذة مقترفيها في جميع ظروفهم وأحوالهم.