توقفت عقارب الزمن داخل الكهف، إلا إنها بقيت دائرة خارجه كالخلايا والانسجه التي تحفظ في درجات حرارة منخفضة فتتوقف عن النمو وهي حية، وتعطلت المحفزات الداخلية التي توقظ النائم عادة كالشعور بالألم أو الجوع أو العطش أو الأحلام المزعجة.
الله جلّت قدرته أوقف وظيفة السمع فسيولوجياً ضمن وقف جميع الوظائف الفسيولوجية لأجسامهم بصفة وقتية، فلم تبصر العين بالرغم من كونها مفتوحة (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ)، ولم تتحرك العضلات بالرغم من أنهم أحياء (وَنُقَلبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشمَالِ)، ولم تتغير هيئتهم على الرغم من مرور سنين عدداً عليهم بالكهف (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)، وحالتهم هذه تقارب حفظ أعضاء الإنسان بطريقة وقف العمليات الحيوية والتي تتمّ غالباً بالتبريد، وهي تستخدم الآن بشكل واسع في العالم.
قصة أهل الكهف دليل مبهر على البعث، وهي أيضاً دليل على قدرته -جل شأنه- على حماية أوليائه من أي مكروه، وقد بدأت بقوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتَ أَن أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً)، وقد أجمعت كتب التفسير على أن معنى هذه الآية: لا تحسب يا محمد أن قصة أهل الكهف هي أعجب آيات الله تعالى في خلقه، فهناك آيات من جنسها هي أعجب منها؛ فقد ذكر تعالى في سورة البقرة قصة مماثلة هي قصة عزير عليه السلام- الذي أماته الله سبحانه وتعالى- مائة عام ثم بعثه، ومن الواضح أن بعث الله لعزير كان من الموت، فالآيات صريحة.
ثم اختتمت السورة بقوله تعالى: (فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاء ظَاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِم منْهُمْ أَحَداً) (سورة الكهف آية 22)، وذلك لأن ما جاء به الله تعالى- هو الحق، وأنه يغطي كل جوانب قصتهم.
والمتأمل في سَوْق القصة يجدها جواباً لما ذُكر في افتتاحية السورة ودليلاً على صحته وإمكانِ حدوثه. ففي المقدمة أولاً: تنبيه إلى العقاب الشديد للكافرين لينذر بأساً شديداً من لدنه وفيها ثانياً: مدح وبشرى لمن آمن وعمل صالحاً ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً. وفيها ثالثاً:أن الحياة دار ابتلاء: إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً وفيها رابعاً: أنه سبحانه يعيد الأرض كما كانت لا نبات فيها ولا عمارة: وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جُرُزاً.
الرقاد الطويل
كيف كان حال أهل الكهف بعد لجوئهم إليه، وحتى بعثهم الله من رقودهم في ضوء قوله تعالى: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً)؟
وكيف كان مقام الفتية في الكهف أكثر من ثلاثة قرون؟
(وَتَرَى الشمْسَ إِذَا طَلَعَت تزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ منْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مرْشِداً، وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَليْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ) (17-18 الكهف).
تميل الشمس عنهم حين طلوعها ولاحِظْ كلمة تزاور الدالة على قدرة الله في حركة مخلوقاته وانظر كلمة تقرضهم عند غروبها فلا تصيبهم البتة في حركتها بزوغاً وغروباً وقد قيل: تقرضهم: تنثر عليهم شعاعاً خفيفاً لإصلاح أجسادهم، وهم في فجوة من الكهف لا يتأذون بقرّ ولا حرّ عيونهم مفتحة، وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود يحركهم الله تعالى كي لا تأكل الأرض أجسادهم ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال يحرسهم كلبهم في مدخل الباب ماداً قائمتيه كأنه حي متوثب وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد.. تصوير بديع لهم في رقدتهم الطويلة هذه التي توهم من يراهم أنهم أحياء، مع إدخال الهيبة في قلوب من اطلع عليهم حيث يتجاوزهم مبتعداً عنهم، ومقامهم هذا دليل على قدرة الله تعالى في إماتتهم وحفظهم من التلف، وإخافة من ينظر إليهم، ثم على بعثهم، فسبحان الله مالك الملك، المتصرف في مخلوقاته كما يشاء.
وتشير المراجع العلمية إلى أن التعرض للبرودة الشديدة يؤدّي إلى انخفاض كبير في درجة حرارة الإنسان، والشخص الذي انخفضت حرارته انخفاضاً كبيراً يصبح شبيهاً بالميت، إلا أنه يكون محمياً إلى حد ما من نقص الأوكسجين وانخفاض ضغط الدم وفشل الدورة الدموية، وفي حالات عديدة، فإن الشفاء التامّ قد يحدث؛ خاصة للشباب من هذه الحالات، ولهذا لا يجب اعتبار أي إنسان تعرّض للبرودة الشديدة وانخفضت درجة حرارته انخفاضاً شديداً ميتاً، وذلك حتى يتم إجراء الإسعافات اللازمة له، وقد أصبح اليوم لحفظ الأعضاء ضرورة كبيرة.
أسباب الحياة
وحتى ينام أصحاب الكهف بصورة هادئة وصحيحة هذه المدة الطويلة ( 309 أعوام ) من دون تعرضهم للأذى والضرر وحتى لا يكون هذا المكان موحشا ويصبح مناسبا لمعيشتهم فقد وفر لهم البارئ عز وجل عدة أسباب منها التقليب المستمر لهم أثناء نومهم كما في قوله تعالى: وَتَحْسَبُهُمْ أيقاظاً وَهُمْ رُقودٌ وَنُقلّبُهُمْ ذاتَ اليْمَين وذاتَ الشّمَالِ (الكهف آية 18)، لئلا تآكل الأرض أجسادهم بحدوث تقرحات الفراش في جلودهم والجلطات في الأوعية الدموية والرئتين وهذا ما يوصي به الطب التأهيلي حديثا في معالجة المرضى فاقدي الوعي أو الذين لا يستطيعون الحركة بسبب الشلل وغيره، ثم تتعرض أجسادهم وفناء الكهف لضياء الشمس بصورة متوازنة ومعتدلة في أول النهار وآخره وذلك للمحافظة عليها منعاً من حصول الرطوبة والتعفن داخل الكهف في حالة كونه معتما،والشمس ضرورية كما هو معلوم طبيا للتطهير أولا ولتقوية عظام الإنسان وأنسجته بتكوين فيتامين د عن طريق الجلد ثانيا وغير ذلك من الفوائد.
ولو أن أهل الكهف كانوا نياماً فقط لاحتاجوا إلى الماء والغذاء، ولأيقظتهم الحاجة إلى التبوّل بعد بضع ساعات؛ لكن الله سبحانه وتعالى- قد أوقف جميع الوظائف الحيوية وأبقى الأجسام في صورة حياة، كما يتمّ حفظ الأعضاء اليوم؛ مثل القرنية والكلى والكبد والقلب وغيرها لحين زراعتها في أشخاص آخرين، وكذلك ما نراه اليوم من إمكانية حفظ الأجنة وعودة الحياة لأشخاص دفنوا تحت الجليد لعدة أيام بعد تدفئتهم، خاصة لصغار السن، فيمكن بالتبريد وقف جميع عمليات الهدم التي تتسبّب في دمار الأنسجة.
آداب تربوية رائعة
القصة في القرآن حق لا مراء فيه نحن نقص عليك نبأهم بالحق نحن نقص عليك أحسن القصص وأحسن القصص ما كان حقيقة، وعلى هذا نفهم قوله تعالى إن هذا لهو القصص الحق فما ورد في القرآن الكريم حق لا مراء فيه، وليس في قصة أصحاب الكهف عجب، فقدرة الله تعالى لا حدود لها، وخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس. ولئن عجب الكفار من بعثهم بعد الموت فإن الأنبياء وأولي البصائر يدركون قدرة الله عز وجل، فيزيدهم ذلك إيماناً أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً.
ثم إن اللجوء إلى الله تعالى سمة المؤمن، فهو سبحانه عونه ونصيره ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً فلما لجأوا إليه داعين، وأسلموا قيادهم له سبحانه واعتمدوا عليه آواهم الله وحفظهم إذ دلهم على الكهف، وأغدق عليهم مما طلبوا من الرحمة والهدى والرشاد فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته، ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً ولاحظ معي التوافق بين الإيواء إلى الله سبحانه ونشر الرحمة. وهكذا العلاقة بين العبد وربه. ومن لجأ إلى ربه واعتمد عليه ثبته الله وأيده وربطنا على قلوبهم.
استخلاص الدروس
لا ينبغي أن نمر على قصص القرآن مروراً سريعاً إنما يجب التفكر والتدبّر للعظة والعبرة واستخلاص الدروس، فتكون نبراساً نسير على هديه ونستضيء بنوره
قال المفسرون: إن الملك الذي هرب الفتيان من ظلمه وبطشه مات، ومات الكفر معه وانتشر الإسلام في البلاد، واختلف المؤمنون في طريقة البعث والنشور. فمن قائل تحشر الأرواح فقط، ومن قائل يحشر الناس بأرواحهم وأجسادهم. فكان عثورهم على الفتية دليلاً على حشر الناس بأجسادهم وأرواحهم كما كانوا في الدنيا، فالله قادر على كل شيء. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى كان بعث هؤلاء الفتية دليلاً باهراً على أن يوم القيامة حقيقة لا شك فيها وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق، وأن الساعة لا ريب فيها.
ومن بين الدروس المتألقة في القصة أن للشباب الدور الكبير في نشر الدعوة والذود عنها. فإيمان الشباب اندفاعي قوي إنهم فتية آمنوا بربهم، وزدناهم هدى ويصدعون بالحق إذ قاموا فقالوا: ربنا رب السماوات والأرض ويعلنون دعوة التوحيد بثبات لن ندعو من دونه إلهاً من أشرك فقد تطاول على الحق وابتعد عنه لقد قلنا إذاً شططاً. وهنا نلحظ في كلمة الشطط التشنيع على المتطاولين الذين يغيرون الحقائق وينشرون الباطل.
إن الميل عن الحق افتراء على الله وتضليل للناس ولا بد لكل فكرة أو مبدأ من دليل أو برهان وإلا سقط في أول لقاء لولا يأتون عليهم بسلطان بيّن وإذا لم تكن هناك حجة قوية أو دليل ساطع فهو ضعيف، ولن تقنع أحداً بفكرتك إن لم تؤيدها بالنور الساطع الذي يكشف الغشاوة عن العيون وينير سبيل الحق. أما فرض الفكرة بالقوة والإرهاب المادي فدليل على الإفلاس وضحالة ما تدعو إليه وُيعَدّ افتئاتاً على الحق وظلماً له فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً.
ولا بد من الجهر بالدعوة بين الناس لتصل إليهم، وتكون حجة عليهم. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الواضحة البيّنة، ولنا بهؤلاء الفتية الأطهار القدوة الحسنة، فحين سألوا الله القوة أمدّهم بها وربطنا على قلوبهم فثبتهم على الحق فقاموا يدعون إليه سبحانه فأعلنوا عقيدة التوحيد خالصة دون لبس ولا خوف .. إذ قاموا فقالوا: ربنا رب السماوات والأرض، لن ندعوَ من دونه إلهاً... فكانوا قدوة للدعاة وخلّدهم الله في كتابه الكريم إلى يوم القيامة.