من أبرز ما علمنا إياه رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه التعامل برقي وإنسانية مع كل خلق الله، فلا يدفعنا الخلاف في العقيدة إلى الإساءة لأحد أو إهدار حق من حقوقه، ولا يدفعنا الشعور بالظلم من أحد إلى معاملته بالمثل، فالمسلم الحق متسامح يحب العفو ويعشق الإحسان، ويرتقي بأخلاقه لكي يحسن إلى من يسيء إليه، فهو يتحلى في كل شؤونه بإنسانية الإسلام، ويلتزم بمنظومته الأخلاقية التي ترسم للمسلم علاقته بغيره، وتحدد الإطار الأخلاقي للتعامل معه من خلال قيم التسامح والعدل والرحمة التي جاء بها الإسلام .
عالم السنة النبوية د . محمد الأحمدي أبو النور عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر يحدثنا عن مدرسة الرسول الأخلاقية وحرصه على تعليم أجيال المسلمين في كل عصر كل ما هو مثالي وأخلاقي وكريم فيقول: على المستوى الأخلاقي والقيمي علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم مجموعة من المبادئ، والمثل التي سار عليها طوال حياته وفي كل مراحل دعوته، باعتباره الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة والنموذج الأعلى، بما كرمه به ربه من خصوصية السلوك، حتى صار قرآناً يمشي على الأرض، فكان ذا خلق عظيم، وكان بالمؤمنين رؤوفا رحيما، ولم يكن فظا ولا غليظ القلب، بل ألّف حوله القلوب وجمع من حوله خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر .
قبول الآخر
ويضيف: من هذا المنطلق جاءت منظومة القيم الأخلاقية في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم واضحة جلية، ومن أبرزها قيمة التسامح وقبول الآخر بدءا من صيغ الجدال بالحسنى، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة من دون قهر أو إجبار والدعوة إلى السلم إذا جنح إليها الأعداء، وإتباع الحسنةَ السيئةَ، ومعاملة الناس بالحب من دون كراهية أو عدوان، وتقنين صيغ العلاقة مع الآخر من واقع ما أرشده إليه ربه في القرآن الكريم .
من هنا كما يقول د . أبو النور اتسعت منظومة القيم الأخلاقية في سلوكيات الرسول، صلى الله عليه وسلم، حيث ارتقى على كل صور الخصومة واللدد في العلاقة، فحدد عليه الصلاة والسلام آية المنافق بالكذب والخيانة، والفجور في الخصومة، كما حدد مفاهيم الإحسان والإيمان وحب الخير للآخر، والنصح له دون استعلاء أو كبرياء أو تعنت .
وامتد التسامح النبوي إلى العدل والمساواة في قبول الآخر، بعيدا عن التعصب أو رابطة الدم التي حلت محلها الرابطة الروحية، فكان سلمان الفارسي واحدا من آل البيت بقياس الإسلام، كما نص على ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكان مثله بلال الحبشي وصهيب الرومي، وغيرهما ممن شملتهم أخوة الإسلام، بل اتسعت دائرة التسامح حتى مع المشرك، فإذا طلب الإجارة من المسلم فعليه أن يجيره حتى يبلغه مأمنه أو يسمع كلام الله، إلى غير ذلك من حدود دائرة العلاقة الفضفاضة، التي تستوعب كل علاقات الإنسان في أنقى مشاهدها مع أخيه الإنسان .
ويرتبط التسامح الذي علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كل أخلاقياته بالعفو والصفح عند المقدرة، وهو ما يزيد العلاقات البشرية صفاء ويهدئ من نيران الثأر التي ابتلي بها المجتمع الجاهلي وأخمدها الإسلام، وهو العفو المطلق الذي سنه المصطفى صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة، وكان من حقه أن ينتقم من أهلها الذين أخرجوه من أعز البلاد على نفسه، ومع هذا أطلق سراحهم جميعا وأمنهم على أرواحهم وأموالهم وأعراضهم، وهذا هو الصفح الذي أُمر به المسلمون جميعا في كل المواقف، بما يضمن حسن مسيرة العلاقة الإنسانية يقول تعالى: فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره .
الأمانة والعدل
ويقول عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: لقد انصهرت قيم وأخلاقيات رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه في حياة أصحابه فكانوا نعم المسلمين، وتحولوا بفضل هذه الأخلاقيات إلى مصدر قوة للدين الحق، وكانوا رجالا بمعنى الكلمة، وتجسدت في سلوكياتهم كل قيم التسامح والعفو والرحمة والصبر والإيثار، فضلاً عن الأمانة والعدل اللذين دعي الإنسان مرارا إلى الالتزام بهما، بدءا من رد الأمانات إلى أهلها، إلى الحكم بين الناس بالعدل، فأصبح رد الأمانات مدخلا إلى الاطمئنان والسلام بين البشر، كما ظل ضامنا لحسن النوايا والمقاصد، كذلك أصبح نشر العدل بين الناس والنهي عن الظلم، الذي أهلك بعض الأقوام من طغيان الأقوياء على الضعفاء، وسيادة قانون الغاب والفوضى، مدخلا إلى التحول إلى القوة المنظمة التي تأخذ للضعيف حقه من القوي وتفرض على القوي مراعاة البعد الإنساني في حواره مع الآخر .
وبخلقي الأمانة والعدل بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوى دولة، ورسم للحكام طريق الحياة الآمنة المستقرة وقضى على كل صور الخيانة والظلم، وهما آفة البشرية وأساس الصراع ومدخل التدهور والفساد، فشيوع الخيانة يعني بداية الانهيار الاجتماعي، ومثلها الظلم واستلاب حقوق الناس في غيبة القانون .
الرفق بالناس
الداعية الإسلامي د . محمد داود أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة قناة السويس يؤكد أن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تتجسد فيها كل القيم التربوية، فقد بعثه الله سبحانه معلما ومربيا لأمته، واستخدم في تربيته الأخلاقية كل معاني الرفق واللين وبرهن من خلال توجيهاته الكريمة على إنسانية الإسلام وقيامه على اليسر والرحمة والرفق بالناس حتى المخطئين منهم .
ويضرب د . داود مثلا حيا على عظمة التربية النبوية فيقول: بينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، عطس واحد من القوم فقال له رجل: يرحمك الله، فرماه القوم بأبصارهم فقال: ما شأنكم تنظرون إليّ؟
يقول الرجل: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كهرني (زجرني) ولا ضربني ولا شتمني وإنما قال لي: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن .
هذا الموقف من صاحب الخلق العظيم سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، يمثل صورة واضحة من صور سماحة الإسلام ويسره، وسماحة نبيه صلى الله عليه وسلم، ورفقه وحكمته، وتشهد نصوص القرآن الكريم بسماحة الإسلام ودعوته إلى اليسر ورفع الحرج، من ذلك قوله تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج .
درس للدعاة والمصلحين
واليسر والرفق والسماحة من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه .
وكان شأن الرسول صلى الله عليه وسلم اختيار الأيسر، قالت عائشة رضي الله عنها: ما خُيّر النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه .
وقال صلى الله عليه وسلم: يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا .
إن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا كيف نعالج ونصلح ونغير عن طريق الموعظة والرفق واليسر، ويظهر هذا في قوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي تكلم في صلاته وقال لمن عطس: يرحمك الله، في هدوء ومن دون تعنيف: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن .
كما يظهر لنا من الموقف أثر الرفق في الإصلاح، حيث وقعت الموعظة النبوية في قلب الرجل، وانتفع بها وقال شاكرا: ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليما منه فوالله ما كهرني (أي: ما عنفني) ولا ضربني ولا شتمني .
وهذا فيه درس للدعاة والمصلحين وأهل التربية مفاده أن يأخذوا الناس بالرفق واللين والرحمة، تأسياً بهديّ النبي صلى الله عليه وسلم كي يرغّبوا الناس في فضائل الدين وهديه، ذلك أن من يخطئ يحتاج إلى الإعانة لا إلى الإدانة .
ما أحوجنا اليوم إلى التربية النبوية الكريمة لكي نتخلص من كل السلوكيات الخاطئة التي تجسدت في حياتنا المعاصرة نتيجة البعد عن آداب وأخلاقيات الإسلام .