جلس الأب يبكي في إحدى الفضائيات ويقول: هل تصدقون أن ابني الذي أنجبته وأنفقت على تربيته وتعليمه في أفضل المدارس والجامعات كل ما أملك حتى أصبح مديرا لأحد البنوك، هذا الابن يضربني بقسوة ويطردني من مسكني؟!

وانهمرت دموع إحدى الأمهات وهي تردد حسبي الله ونعم الوكيل في ابني الشاب المتعلم الذي ضحيت بكل شيء من أجله ورفضت الزواج بعد وفاة والده من كل الرجال الذين تقدموا لي، وفضلت أن أعيش وحيدة بدون رجل يرعاني ويحميني لتربية ابني الوحيد. وكانت النتيجة علقة ساخنة تعرضت لها من ابن خريج كلية الحاسبات والمعلومات لا لشيء إلا لأنني رفضت الاستجابة لأهوائه وإعطائه النقود لكي يشتري السجائر ويسهر مع رفقاء

السوء. قصتا الأب والأم مجرد أنموذجين من عشرات النماذج التي استضافتها الفضائية العربية لكشف بعض ما يحمله ملف العقوق من سلوكيات شاذة وغريبة على مجتمعاتنا العربية والإسلامية التي تميزت بفضل تعاليم الإسلام وتوجيهاته بالدفء الأسري والتماسك الاجتماعي والاعتراف بحقوق الآباء والأمهات الذين أمرنا ديننا بالبر بهم والإحسان إليهم.

لكن يظل السؤال الذي يطرحه الآباء والأمهات الذين يعانون ويتألمون من عقوق وتمرد وعصيان أبنائهم هو: كيف نواجه هذا العقوق؟ وماذا نفعل مع فلذات أكبادنا الذين يسيئون إلينا؟ يحاول عدد من علماء التربية والاجتماع وعلماء الإسلام الإجابة عن هذا السؤال من خلال التحقيق التالي:

في البداية يوضح د. عبد الغني عبود أستاذ التربية بجامعة عين شمس أن المجتمع المسلم كله يعاني من الخلل الواضح في العلاقات التي تربط بين أفراده فاليوم لا تجلس إلى أحد إلا ويشكو لك سلبية سلوك بعض المحيطين به ومنهم أبناؤه حتى أصبحت العلاقات بين الناس وتفسخها مصدر قلق للبنيان الاجتماعي والتربوي كله.

وللأسف فإننا إذا درسنا أسباب فساد الأبناء وعقوقهم فسوف نجد أن أحد أهم هذه الأسباب يعود للآباء، فالابن المسلم اليوم إما يعيش محروما من متع الحياة وضروراتها بسبب تقاعس الآباء، أو يحصل على كل حاجياته الجسمانية، ولكنه محروم من العاطفة الأسرية الجياشة، إما لانشغال الوالدين في جمع المال أو اللهو أو لعدم وعي أي من الوالدين بأهمية دوره التربوي وأثر ذلك في حياة أبنائه.

ويجب أن يدرك كل الآباء أن الصرامة والشدة والقسوة المستمرة لها مضاعفات خطيرة على الأبناء في حال تم استخدام هذه الأساليب بكثرة، فالحزم مطلوب في بعض المواقف التي تستلزم ذلك، أما العنف والصرامة فيزيدان المشكلة تعقيدا، وكما أن هذا الأسلوب مرفوض تربويا فإن أسلوب التدليل الزائد والتسامح في التعامل مع الأبناء مرفوض أيضا، لأنه يجعل الطفل ينشأ وهو يعتقد أن كل شيء مباح له حتى ولو كان الاعتداء على الآباء بالقول والفعل.

الدعاء على الأولاد

ومن الأساليب غير التربوية التي يتبعها الآباء في التعامل مع عقوق الأبناء للأسف الشديد أسلوب الدعاء على الولد رغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في الحديث: لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجيب لكم.

وعن السبل التربوية الكفيلة بهداية الابن العاق يقول د. عبود: يجب أن يبدأ الأب في التركيز على إيجابيات هذا الابن العاق والإشادة بتلك الإيجابيات وتنميتها والتغافل عن طيش وعبث هذا الابن والابتعاد عن تضخيم أخطائه، ومنح الابن فرصة دائمة لتصحيح الخطأ حتى يتبع صحيح الفعل والقول، وعدم اليأس، فإذا ما رأى الوالدان من أبنائهما إعراضا أو نفورا فعليهما ألا ييأسا من صلاحهم، فاليأس من روح الله ليس من صفات المسلمين، وعلى الآباء الصبر والمثابرة مع الاستمرار في العمل والدعاء للأبناء والحرص عليهم.

وينهي د. عبود حديثه قائلا: إن المؤسسات التربوية والتثقيفية ومنها وسائل الإعلام عليها أن تلعب دورها لتصحيح العلاقة بين الأجيال المتعاقبة من آباء وأبناء، ويجب تضمين المناهج التربوية كيفية علاج المشكلات التي تتسبب في وجود الفجوات بين أفراد الأسرة بعضهم بعضاً، ويجب أن تعتمد تلك المناهج التربوية على القيم الإسلامية، المتمثلة في البر بالوالدين، وفضل ذلك، والصبر والتسامح والتواضع ولين الجانب، فذلك كله يساهم دون شك في التخفيف من حدة النفور بين الآباء والأبناء وهو ما يولد الجحود والعقوق.

تغيير السلوكيات السلبية

ويرى د. سيد صبحي أستاذ الصحة النفسية بجامعة عين شمس أن أهم أسباب العقوق هو التدليل الزائد وضعف الرقابة والمتابعة، وهو ما يخلق لدينا أبناء ليس لديهم استعداد للتفاهم، وتسيطر عليهم الأنانية، وفي أغلب الأحيان فإن الابن العاق يكون شخصية غير سوية ومهزوزا نفسيا، وحتى يستطيع الأهل علاج عقوق أحد الأبناء عليهم أن يغيروا من سلوكياتهم السلبية تجاه الأبناء، ويجب عليهم دراسة أي سلوك سلبي يظهر على شخصية الابن من البداية وبأقصى سرعة، حتى لا يتحول هذا السلوك غير المحمود إلى جزء من شخصيته، وهو ما يحوله إلى نمط سلبي في التعامل مع والديه.

ومن الأفضل ولمصلحة الأسرة كلها التركيز بشكل أساسي على كيفية تعديل أو تغيير السلوكيات غير المقبولة، وعدم التركيز على توجيه اللوم والانتقاد، وهناك عدة قواعد من الممكن أن يتم استخدامها للتأثير في نفس الابن العاق، فمن الضروري أن يتم تحديد السلوك الذي نود تغييره ثم نبدأ في التقرب إليه بمدح سلوكه الحسن، ولا مانع من محاولة الأب تنظيم رحلة ترفيهية يشارك فيها كل أفراد الأسرة بمن فيهم الابن العاق، ولتكن تلك فرصة لإعادة هذا الابن العاق إلى الدفء الأسري، باعتبار أن العلاقات الدافئة بين كل أفراد الأسرة تقضي تماما على حالة الجفاء التي تعد أول طرق الوصول إلى العقوق.

مخالطة أصدقاء السوء

وينبغي على الأب والأم أن يدركا تماما أن الابن العاق لم يولد عاقا، وهو شخصيا لا يدرك أنه عاق ولكن يدفعه توازنه المفقود وثقته المنعدمة بنفسه وبالآخرين إلى ممارسة السلوكيات غير الحميدة تجاه والديه وباقي أفراد أسرته، ولهذا فعلى الوالدين أن يدخلا نفسيهما في زمرة أصدقاء هذا الابن ويتابعا تلك الصحبة، ولا مانع من أن يجلس الأب مع أصدقاء الابن الذكر وتجلس الأم مع صديقات ابنتها حتى يتأكدا من صلاح أصدقاء الأبناء وعدم فسادهم، لأن المشكلات التي تؤدي إلى عقوق الأبناء لا تأتي إلا من خلال مخالطة الأبناء لأصدقاء السوء، ولابتعاد الآباء عن الأبناء والاكتفاء بتدبير الاحتياجات المادية للأبناء دون الاهتمام بالجانب النفسي والتربوي، فلا الأب يعرف مشكلات أبنائه ولا يعرف من يخالطون، ولا الأم تعرف مشكلات بناتها ولا من يخالطن، ليفاجأ الآباء بأبنائهم يأتون من القول والفعل ما يرفضونه ولكن بعد فوات الأوان.

ويضيف د. صبحي: إن المجتمعات المسلمة بحاجة إلى أنموذج الأب المسلم البعيد عن التفريط والتسلط في علاقته بأبنائه، لأن موقف الأبناء من الأب المتسلط أو المفرط يكون دائما إما العناد والتحجر وإما الانفلات الصارخ، وفي كلتا الحالتين نجد أنفسنا أمام سلوكيات تحتاج لمعالجة وتصحيح، وقد لا نكتشف ذلك إلا بعد فوات الأوان، ويجب أن يتوقف بعض الآباء عن الغياب عن أبنائهم حتى ولو كانوا يقيمون بالقرب منهم، وتؤكد البحوث والتجارب أن الآباء الغائبين هم في الحقيقة أفراد غير واثقين بأنفسهم، ومترددون وينقصهم النضج والتوازن، وللأسف فإن دور المسنين تمتلئ بمثل هؤلاء الذين أهملوا في تربية أبنائهم لينتهي بهم الحال في تلك الدور الموحشة.

اختبار الذئب

تقول د. نجوى الفوال مديرة المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية إن الأب هو القدوة لأبنائه، فإذا كان الأب بارا بوالديه مطيعا لهما فإن أبناءه سيحذون حذوه، وإذا لم تنشأ المودة والرحمة فلابد ألا نستغرب إذا رأينا حالات العقوق المؤلمة، لأنه إذا اصطدمت رغبات الابن يوما بأي شيء فلا مانع عنده من أن يحطمه، وقد يؤدي سوء التربية إلى انخراطه في صحبة فاسدة تضم رفقاء السوء.

وإذا كان الأب الذي لديه ابن عاق يرغب فعلا في علاج هذه المشكلة فيجب عليه أن يقف مع نفسه وقفة جادة، بحيث يراجع الأب والأم نفسيهما ويا حبذا لو وضع الأب والأم نفسيهما في مكان الطرف الآخر وهو الأبناء، وهو الاختبار الذي يطلق عليه علميا اسم اختبار الذئب ويتصور الأب مثلا نفسه وحيدا ولا أحد يهتم به معنويا وبخلاف حصوله على المال لا يسأل فيه أحد، فماذا سيفعل خاصة في ظل وجوده وحيدا دون رقيب، وقد حوصر بالعديد من القدوات السيئة على الفضائيات والانترنت وحتى على صفحات المجلات والصحف التي لا تراعي القيم والثقافة الإسلامية؟ بلا شك سيؤدي ذلك إلى الانحراف الأخلاقي الذي يتبعه انحراف سلوكي يبرز أكثر ما يبرز في سلوكيات الابن تجاه الأهل، وفي الغالب تكون سلوكيات عدوانية وهو ما يطلق عليه إسلاميا وصف العقوق.

فإذا خاض الأب اختبار الذئب فعليه أن يخرج منه بالدروس التي تمكنه من استعادة ابنه العاق إلى أحضانه، ويخلصه من الذئاب التي تحيط به من كل جانب، ولا مانع وقتها من أن يعمل الأب أو الأم على استلهام فنون ومهارات الحوار، سواء من العلماء المتخصصين أو عن طريق البحث عن الكتب والمؤلفات العربية والإسلامية التي تتحدث عن فنون ومهارات الحوار داخل الأسرة المسلمة، فكما هو واضح فإن أحد أسباب العقوق هو الجو الغريب والتنافر العجيب الذي يسود أوساطنا الأسرية، حيث يمتلئ الوسط العائلي بأنواع شتى من الحوارات المرضية غير السوية، ومن أبرزها الحوارات الباردة والجامدة أو حوارات الديكة أو حوارات الطرشان، حيث ينشغل الأب بقراءة جريدته أو مشاهدة برنامجه المفضل في التلفزيون، بينما ابنه الحبيب يتحدث إليه أو تنشغل الأم بأعمال البيت الروتينية بينما يتحدث إليها الأبناء عن يومياتهم وهمومهم الحياتية، لتغيب لغة الحوار وتتعطل لغة القلوب بين الآباء والأبناء.

الحوار الهادئ

وتضيف د. نجوى الفوال: كل هذا يؤكد أن استعادة الابن العاق لا تكون بالشدة ولا بالجفاء، ولكن بتهيئة المناخ الحر الراقي الذي يسمح بإعادة الوئام والانسجام، ولابد من ممارسة الأب للاستماع الجيد والصبر على تفريغ ما في جعبة الأبناء، حتى يشعر الابن باحترام الأب له واستخدام أسلوب الإقناع في الحوار، والصبر على مدة وطول الحوار، والعمل على كسب ثقة الأبناء والحفاظ على ماء وجوههم وعدم إطلاق صواريخ الغضب المباشرة حيال تصرفات الأبناء غير المرضية، بل تتم معالجة الخطأ بهدوء وروية، والابتعاد تماما عن الغضب والانفعال، والتوقف تماما عن استخدام الألفاظ التهديدية القاسية مثل: سأحرمك، سأضربك، سأقتلك وغيرها من ألفاظ التهديد، التي تعني في حال إطلاقها أن الأب أو الأم سار وراء انفعالاته النفسية، وهو ما يغضب الابن ويضع أولى لبنات السور الكبير الذي ينشأ بينه وبين والديه، وسرعان ما يتحول هذا السور إلى جفاء وبرود يقف بين الأب وابنه.

وتختتم د. نجوى الفوال حديثها قائلة: ليت كل أب أو أم لديهما ابن عاق يتعلمان فعلا من أخطائهما ومن تجارب الآخرين فيسارعان إلى الحوار الودي مع هذا الابن لأن الحوار الودي هذا سيجعل الابن على استعداد للاقتراب ومبادلة أهله الود والحب والاحترام، فبالحوار الودي نستطيع أن نربي أبناءنا على الطلاقة في الكلام والإصغاء إلينا وإلى نصائحنا والبشاشة في وجوهنا، ويجب أن يداوم كل من لديه ابن عاق على اتهام نفسه بأنه ظلم تلك النفس قبل أن يظلم فلذات أكباده، لأنه قصر في تربيتهم وليداوم على اللجوء إلى الله تعالى مناشدا إياه جبر هذا التقصير.

تنمية الوازع الديني

أما د. حامد أبو طالب عميد كلية الشريعة الأسبق بجامعة الأزهر فيقول: إن علاج الابن العاق يكون بتضافر كل أفراد الأسرة وحتى مؤسسات المجتمع كلها، من أجل تقوية الوازع الديني لدى الأطفال والنشء والشباب، فعند دخول الطفل إلى المدرسة أو البيت أو النادي يجب أن يجد الجو المناسب الذي ينمي لديه الوازع الديني، ولا يكون ذلك بمعزل عن بقية أقرانه، وحتى الشباب الذين تخرجوا في الجامعة وانخرطوا في العمل، على المجتمع أن يوفر لهم بيئة في العمل تحتوي على كل ما يقوي الوازع الديني، بحيث يدرك الشاب أن التزامه باحترام والديه أمر يحث عليه الدين ويعمل المجتمع بأسره على ترسيخه في أذهان أفراده.

كما يجب على الآباء أن يقدموا المُثل الحميدة لأبنائهم من خلال رعايتهم لآبائهم وأجدادهم، وفي هذا السياق فإن ظاهرة دور المسنين التي صدرها الغرب لنا وتخلص منها تقريبا، ظاهرة يجب أن تختفي من مجتمعاتنا، التي وفر لها الإسلام أسسا وقيما تكافلية توفر في حال تنفيذها أجواء من المودة والمحبة بين كل أفراد الأسرة، وهي أجواء لا تجعل من الأب أو الأم عبئا على أولادهما حتى يرموهما أو أحدهما في ما تسمى دور المسنين.

حملات مجتمعية

ويضيف: إن المجتمع مطالب بنشر ثقافة رعاية الوالدين كما رسمها الإسلام، حتى يدرك الأبناء أن العناية بالآباء واحترامهم ليسا واجباً دينياً فحسب بل واجب اجتماعي وتربوي، ولا مانع من شن حملات مجتمعية للحث على البر بالآباء، بحيث تكون تلك الحملات موسعة وعبر وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع كلها، العامة والخاصة، وبحيث تستمر هذه الحملات فترة طويلة يناقش من خلالها علماء الدين والاجتماع والتربية والنفس كل حسب تخصصه أفضل سبل العناية بالآباء، ومثلما نقيم الحملات الضخمة للترويج للمسلسلات ودور اللهو علينا أيضا تنفيذ تلك الحملات بالحماسة نفسها من أجل بناء أسرة سليمة ترفرف عليها السعادة، بحيث تقوم تلك الأسرة المترابطة بأداء رسالتها النبيلة في استقرار وتنمية المجتمع المسلم، ويجب أن يشارك رجال الأعمال وأصحاب المنشآت التجارية والصناعية، حتى تصل حملة البر بالوالدين إلى كل مدرسة ومؤسسة وشركة ومصنع وجمعية، حتى نجني الثمار في النهاية في صورة إعادة جو الدفء إلى علاقاتنا الأسرية.

وعن كيفية تقويم الابن العاق وهل من المباح حرمانه من جزء من الميراث يقول د. حامد أبو طالب: من وجهة نظري أن الأب والأم يمكنهما تقويم الابن العاق بوسائل عديدة، ولكن ليس منها حرمانه من الميراث لأنه حقه الشرعي الذي كفله الله له، والله تعالى لم يجعل نبيا من أنبيائه هو من يوضح قسمة التركات بل حكم فيها بنفسه جل جلاله فجزأها الأجزاء المعروفة، وذلك لإدراكه أن أحكام البشر وأهواءهم لن تؤدي إلا إلى تقطيع الأرحام، وإذا قام الوالد بحرمان ابنه العاق من الميراث، أو جزء منه، فسوف يترك من ورائه أسرة مقطعة الأرحام يحقد فيها العاق على إخوته، وقد يزيد حقده ويصل إلى حد ارتكابه جريمة القتل أو السرقة، وهكذا فإنه بموت هذا الأب يكون قد زرع البغضاء بنفسه بين أبنائه لأنه ظلم أحدهم ولم يعدل بينهم.

دور الإعلام والدراما

من جانبه يقول د. أحمد عبد الرحمن أستاذ الأخلاق الإسلامية بجامعة الأزهر: لابد أن نعرف في البداية أن أحد أسباب ظهور وتفشي ظاهرة العقوق في المجتمعات الإسلامية هو إصرارنا على استيراد أنماط جديدة من العلاقات الأسرية، وتركنا لأبنائنا يستوردون ويقلدون الغرب في كل شيء، وللأسف فإن الإعلام ودراما التلفزيون والسينما يساعدان على ذلك، بتصوير العلاقة بين الآباء والأبناء على أنها علاقة تنافر وليست علاقة تراحم وود، وكان الأحرى بأجهزة الإعلام أن تقوم بدور إيجابي تربوي لغرس القيم والأخلاق الدينية الأصيلة التي من شأنها التخفيف من المشكلات التي قد تعترض الأسرة وتوفير الوئام والائتلاف بين كل أفرادها وهو ما ينشر بالتالي الحب بين كل أفراد وطبقات المجتمع.

وحول كيفية التعامل مع الابن العاق يقول د. عبد الرحمن: أنا أرى أن هناك أمرا غائبا لا يستخدمه الآباء عند التعامل مع جحود وعقوق الأبناء، وهو الدعاء لهم بالهداية، فكثير من الآباء للأسف الشديد يسارعون إلى الدعاء على أبنائهم الجاحدين، وهو أمر لم يحث عليه الإسلام وحتى في حالة إصرار الابن على العقوق، فإن إصرار الأب على الدعاء له أمر مستحب، خاصة أن عقوق الابن يكون دوما ثمرة غياب التربية الإسلامية الصحيحة، والتنشئة على التزام أوامر الله تعالى، ولهذا فإنه يجب على من لديه ابن عاق أن يتوب إلى الله عن تفريطه في تربية هذا الولد، وأن يكثر من الاستغفار وفعل الصالحات، وعليه ألا يترك نصيحة هذا الابن وتخويفه بالله وتحذيره من جريمة العقوق، كما أن على الأب ألا يترك الدعاء لابنه العاق لأن الله على كل شيء قدير والقلوب بين إصبعين من أصابعه سبحانه، والله قد هدى من هو أقسى قلبا من العاق لوالديه.

كما أن على الوالدين أن يدركا أن الأولاد من أعظم نعم الله على العباد، فهم زينة الحياة الدنيا، فإذا اجتهد الوالدان ولم يقصرا في التعليم، كان في ذلك سعادتهما في الدنيا والآخرة، ومن هنا كان على الآباء أن يحافظوا على صفاء فطرة أبنائهم، وأن يعمقوا في قلوبهم أركان الإيمان شيئا فشيئا حسب الطاقة والاستعداد بما يناسب عقولهم، ويعلموهم أركان الإسلام وضرورتها للحفاظ على كيان الإنسان، فهو لا يجد طمأنينته وثقته وقوته وراحته إلا إذا غرس هذا في أعماق نفسه، واستقر في فطرته، ثم تأتي ثمرة ذلك في الأخلاق والسلوك والقيم، وعلى الآباء والأمهات أن يوجهوا أبناءهم ماداموا صغارا حيث يشاؤون من وجهات الخير، فإذا بلغوا سن الرشد تقاضى الآباء والأمهات هذا براً ببر وحباً بحب وإحساناً بإحسان.