الصورة الذهنية الشهيرة عن زوجات الدبلوماسيين، لا تتعدى كونهن سيدات جميلات مثقفات أنيقات المظهر، منمقات في الحديث، وواجهة اجتماعية وحضارية لأزواجهن، تزين أذرعهم صحبتهن في المناسبات الرسمية والاجتماعية الهامة فقط، ولكن حقيقة الأمر قد تختلف كثيراً، فهذه الصورة ينقصها الكثير من التفاصيل، عن دور هؤلاء السيدات في حياة أزواجهن وبلادهن، والمجتمعات اللائي يخدمن بها، فهناك الكثير من الجهود والأنشطة التي تلتزم بها هؤلاء السيدات، ويخصصن لها الكثير من الوقت والجهد التطوعي.
وفي السطور التالية، سنقترب منهن أكثر، للتعرف إلى طبيعة حياتهن، وتجاربهن الشخصية، وجهودهن التطوعية، وطبيعتها، متحدثات ل «الخليج»:
أمينة جاد، حرم السفير المصري بأبوظبي، ورئيس الجمعية الدولية لعقيلات الدبلوماسيين، تقربنا أكثر، من طبيعة وحياة المجتمع الدبلوماسي بشكل عام، والدور الذي تلعبه قرينات السفراء وموقعها في هذا المجتمع. وتبدأ حديثها قائلة: بالفعل هناك مهام لقرينة السفير، وهى مهام ترقى في واقع الأمر، لتكون التزاماً، وليس فقط من قبيل العمل التطوعي، فقرينة السفير تُعد واجهة مكملة لزوجها في جوانب الأنشطة الدبلوماسية الرسمية والاجتماعية كافة، ومن هذا المنطلق، تتحمل زوجة السفير أعباء متعددة، تبدأ من مسؤوليتها عن فتح قنوات التواصل مع عقيلات السفراء بدولة الاعتماد، ومجتمعات السيدات من الشخصيات العامة، والهيئات والمؤسسات الثقافية والاجتماعية والخيرية والإنسانية، بما يساعدها على توسيع دائرة نشاطها، ومن ثم تفعيل العديد من الأنشطة.
ويرتبط ما تقدم، ارتباطاً وثيقاً بما شهده العمل الدبلوماسي من تطور خلال العقدين الأخيرين، وبروز مصطلحات: «الدبلوماسية الشعبية - الدبلوماسية العامة - الدبلوماسية الثقافية - الدبلوماسية الرياضية»، بما يعني أن الأمر لم يعد مقتصراً على الجوانب الاقتصادية والسياسية المعتادة، وأدى هذا التطور، إلى فتح آفاق جديدة للعمل الدبلوماسي، سواء للسفراء، أو لقريناتهم، في ضوء القناعة بأن الأنشطة الثقافية - الاجتماعية - الخيرية، بمثابة أحد أهم أدوات التقارب والتعارف بين الشعوب، بما يؤدى إلى تعزيز العلاقات الثنائية في مجملها.
وتقع على عاتق زوجة السفير مسؤولية عظيمة، وهي تقديم نفسها بالشكل الذي يعكس ثقافة وحضارة بلدها، وبالشكل الذي يبعث الشغف والتطلع، لمعرفة المزيد عن هذه الحضارة، فما تقدمه وتجسده زوجة السفير، ما هو إلا مجموعة القيم الذي تُشكل وجدان بلدها وتاريخه، وتسعى من جانبها لتوظيف هذه الخصوصية الثرية، من أجل الترويج لوطنها، بالشكل اللائق، وهي مسؤولية وطنية كبيرة، وشرف حقيقي لمن يقوم به على أكمل وجه.
و عن أهم المواصفات الشخصية التي يجب توافرها في زوجة السفير، أو الدبلوماسي خاصة، في ظل كثرة التنقل والاحتكاك بالثقافات والعادات المختلفة، تضيف أمينة: إنني على قناعة تامة بأن كثرة السفر والتنقل والاحتكاك بالثقافات المختلفة، ليس عبئاً بقدر ما هو فرصة، تتيح لمن يرغب أن يوسع مداركه وآفاقه الثقافية، وأن يُلم بثقافات وعادات من مختلف الحضارات، وتكون محصلة ذلك هي إثراء للثقافة العامة لزوجة السفير، فبقدر تباين واختلاف المجتمعات، بقدر المعرفة والإضافة التي تتاح لها، وما لذلك من أثر إيجابي على تكوينها المعرفي والإنساني والثقافي، إن مثل هذا التنوع هو بالفعل ما يسمح لزوجة السفير أن تتأقلم، مع الخبرة ومرور الوقت، على العادات والتقاليد والطباع المختلفة، بل وتتفاعل معها، لتضيف إلى معارفها رصيداً جديداً من الأفكار، وأيضاً لكي تنقل نموذجها ومنظومتها إلى الدوائر المحيطة بها، إلا أنني أؤكد أن مثل هذا العمل والنشاط والتفاعل، يتطلب العديد من العوامل التي تضمن النجاح، منها ما هو مرتبط بطبيعة الأنشطة وطبيعة العلاقة بين الدولتين، وحجم واتساع المجتمع الدبلوماسي، ومدى نشاطه وانخراطه في أنشطة تهم دولة الاعتماد، ومنها ما يتعلق بالسمات الشخصية الواجب توافرها في زوجة السفير، بما يضمن نجاح هذا العمل، وهو محور سؤالك، فزوجة السفير يتعين أن تكون واسعة الاطلاع، في مختلف مجالات المعرفة، دارسة لتاريخ بلدها، واعية بثقافة وحضارة وطنها، مُلمة بالمثل بذات الجوانب في دولة الاعتماد، لبقة في حديثها، مشرفة في مظهرها، كريمة في دعواتها؛ إنها في واقع الأمر حزمة مكتملة من الصفات التي يتعين أن يتوافر الحد الأدنى منها لدى زوجة السفير، على أن تقوم هي بتنميتها وتطويرها وإثرائها، من خلال مشوارها الدبلوماسي مع زوجها.
رنا مصالحة، حرم سفير فلسطين ، تحدثنا عن أهمية وجود مجموعة دبلوماسية، تضم عقيلات السفراء، وتقول: يتلخص دورنا في توفير الدعم اللازم للعضوات في أدوارهن الدبلوماسية لدى الإمارات ، والعمل على تعزيز التبادل الثقافي والاجتماعي بين الأعضاء والمجتمع الإماراتي، بالإضافة إلى دعم الأعمال الخيرية، واختيار القيادات للمجموعة، يتم عن طريق الترشح والانتخاب.
وتضم أجندة أعمالنا التطوعية العديد من الفعاليات والأنشطة المتنوعة، وتتضمن تلبية الدعوات الرسمية، والمشاركة في الاحتفالات في الأعياد والمناسبات الوطنية للدولة، بالإضافة لتنظيم البازارات الخيرية، وغيرها.
وتحدثنا نبيلة أسيف دوراني حرم سفير باكستان في أبوظبي، عن طبيعة حياتها كزوجة سفير، وتصفها بالمغامرة، وتحاكي ركوب «الأفعوانية»، وتقول: إن قضاء الجزء الأعظم من حياتي في التنقل بين بلدان العالم، أضاف لخبراتي الكثير، كما أن احتكاكي الدائم بثقافات مختلفة، وأنماط متنوعة من البشر والشعوب من جميع أنحاء العالم، يعتبر تجربة غنية بالمعلومات والعلاقات والصداقات، سأعتز بها طوال حياتي.
كما أن إقامتنا بدولة الإمارات، التي تعد المحطة الأولى التي يمارس فيها زوجي عمله كسفير، تجربة ممتعة بكل معاني الكلمة، بالنسبة لي ولأسرتي.
وكوني زوجة سفير، وعضواً ناشطاً في مجموعة عقيلات السفراء، أتيحت لي الفرصة بالتعاون مع باقي عقيلات الدبلوماسيين، في العمل على تقديم المساعدات، وتحسين أوضاع المحتاجين أينما كانوا، وأينما وجدوا.
و بالفعل استطعنا تحت رئاسة أمينة جاد، أن نخلق الكثير من الوعي، ونعرف بالتحديات والصعاب التي يمكن أن تواجهها جالياتنا داخل بلادنا، أو خارجها، ولاقت هذه الفعاليات الكثير من النجاح، وشرفت بمشاركتي بها، وأحب أن أؤكد أنني في نهاية خدمتي بالإمارات، سأصطحب معي أجمل الذكريات، عن مدة إقامتي في الدولة، والتي مرت سريعاً، وأحب أن أؤكد أن المناخ الودي، والعلاقات الطيبة، التي دعمت علاقتي بالجميع في الإمارات، ستظل عالقة بذاكرتي للأبد.
سارة عبد الله عباس حرم سفير السودان تخبرنا عن أسباب وجود جمعية لزوجات السفراء قائلة: هي جمعية مؤسسة من سنوات، وتجمع كل زوجات السفراء في الشهر مرة، للتعارف والتآلف بينهن، ومن خلال هذه الجمعية يتعرفن إلى زوجات السفراء الجدد، ويودعن من يغادرن بعد إتمام مدتهن، ومن فوائدها أنها تجعل التعامل سهلاً بين زوجات السفراء، وهناك دستور ولوائح يلتزم بها الجميع، وتضم كل زوجات رؤساء البعثات، بالإضافة إلى زوجات رؤساء البعثات والمنظمات الدولية، وتختار رئيسة للمجموعة بعد اختيار المجموعات المتفرعة من هذه المجموعة، مثل المجموعة العربية والإفريقية والآسيوية والأوربية، وغيرها، لمن ينوب عنهن في اللجنة التنفيذية، وبعد اختيار عضوتين، من كل مجموعة، يتم انتخاب الرئيسة، وعادة تختار كل عام رئيسة من مجموعة مختلفة.
أما جمعية زوجات السفراء العرب، والتي أشرف على رئاستها هذا العام، فلديها الكثير من الأنشطة الثقافية، ومن أهمها صالون أدبي ثقافي شهري، تشترك فيه ضيفة عربية مثقفة، والأنشطة التي تقام متنوعة، وتختلف باختلاف الأفكار، ولكن تصب أغلبها في معارض مشتركة، تعكس ثقافات ومعلومات عن الدول، بالإضافة للأعمال الخيرية، وكانت من أنشطتها العام الماضي، بازاراً خيرياً لصالح أطفال اليمن، كما جرت العادة على مشاركة زوجات السفراء الأفارقة سنوياً في اليوم الإفريقي.
ووجودي في هذه الجمعية، أضاف لي الكثير من الصداقات والعلاقات الحميمية، بيني وبين زوجات السفراء.
تجربة شخصية
تقول رنا مصالحة، عن تجربتها الشخصية: استفدت بالتعرف إلى المجتمع الإماراتي العربي الأصيل، بطيبة أهله وتسامحهم وتواضعهم، وكرم أخلاقهم، وتطوره العلمي والحضاري، مجتمع أبناء المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد، وقيادته الرشيدة، التي سارت على النهج الذي أرساه القائد المعلم، والأب الشيخ زايد، كما تعرفت إلى الدور العظيم لأم الإمارات، سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، في تطوير المرأة ودورها في المجتمع، وتمكينها من إثبات قدراتها وكفاءتها في كل الميادين، وهو ما يستحق كل الإعجاب والثناء والتقدير، بل والفخر أيضاً.
و لم تواجهنا أي صعوبات تذكر، في تنظيم الأنشطة، والفضل يعود للتعاون القائم بين عضوات المجموعة، وروح الألفة والمحبة السائدة بينهم، وبالدرجة الأولى، طبعاً، التنسيق وتسهيل الأنشطة والتنظيم، من قبل المؤسسات الحكومية الإماراتية، بالإضافة للمنظمات الأهلية الإماراتية، وعلى رأسها جمعية الاتحاد النسائي، برئاسة ورعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك.
الانفتاح على الثقافات
عن الصفات التي يجب أن تتحلي بها زوجة الدبلوماسي، تقول سارة عبد الله عباس: الثقافة العالية والمعرفة، والانفتاح على الثقافات، والتعاون الذي يساعد على إتمام كل الأنشطة والبرامج بسهولة، بتشجيع سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وكل الشيخات يحضرن لمشاركة زوجات السفراء في أنشطتهن
من هنا لابد أن أتقدم بالشكر لحكومة وشعب الإمارات الشقيق بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، والتحية لأم الإمارات، الشيخة فاطمة بنت مبارك.
والمجموعة العربية الدبلوماسية في الإمارات، جمعية مؤسسة من أعوام سابقة، بعون زوجات السفراء العرب، وكانت وما زالت لديها العديد من الأنشطة، وكل الجهات المسؤولة في الإمارات، تشهد لها بالحيوية والنشاط.
اكتساب بعض الصفات
تتحدث حرم سفير بروناي بالإمارات، فيفي روزيلينا، عن طبيعة مسؤوليتها كزوجة للسفير، وتقول: تقع على عاتقي مسؤولية ودور مهم، وهو تمثيل بلدي بشكل مشرف في المقام الأول، وإلى جانب هذا، أحرص على التعاون وتنسيق الجهود بشكل كامل، مع باقي عقيلات السفراء، للتحضير وتنفيذ فعاليات تخدم المجتمع.
ونظراً لطبيعة حياتنا وكثرة تنقلاتنا، فالأمر يتطلب منا العمل على اكتساب بعض الصفات والمهارات، منها: القدرة على تحدي الصعاب في الحياة وتذليلها، وأن نتحلى بالإيجابية وحب الحياة والقدرة على الاستمتاع بها، ويجب أن نتميز أيضاً بالقدرة على الانفتاح على كل جديد، واستيعاب الاختلافات، والتأقلم مع الغير.
و تستكمل حديثها قائلة: ورغم صعوبة الدور الذي نقوم به في رأيي، لأنه يمثل نوعاً من التحدي، وأن نصبح نموذجاً وقدوة لغيرنا، إلا أننا يجب أن نجتهد، ونبذل كل الجهد، لنكون قدوة مشرفة وواجهة لبلادنا، والسعي الدائم لإيجاد سبل المشاركة في المجتمعات، التي يكلف زوجي بالعمل بها.
إطار فردي وجماعي
عن دور المجموعة الدبلوماسية الدولية لعقيلات السفراء المعتمدين لدى الإمارات، تضيف أمينة جاد: أشرف على رئاستها منذ قدومي ، باعتبارها إحدى الآليات الرئيسية للنفاذ والتفاعل مع المجتمع في دولة الاعتماد، فهذه المجموعة تضم في تشكيلها عقيلات السفراء كافة، وتهدف بالأساس إلى تشجيع ودعم التواصل بين زوجات السفراء، وبين المجتمع المحلي، من خلال مساندة الفعاليات الإنسانية والثقافية التطوعية والخيرية، أي من خلال التركيز على الجوانب الإنسانية والناعمة، ومن أهم مزايا هذه المجموعة، الثقل الذي تحوزه، والاحترام الذي تقابل به من الهيئات المحلية كافة، بما يُسهل تنسيق الجهود وإقامة الفعاليات بشكل أسهل، علماً بأن هذا التجمع ليس بديلاً عن قيام زوجة كل سفير بالتزاماتها الخاصة بشكل منفرد، حيث إن أنشطة حرم السفير، تتم في إطار فردي وجماعي.