الغيرة والحسد والتطفل والتقليد والإسراف والكبر وغيرها من أمراض النفوس، تعد أخطر أسباب تدهور العلاقات الأسرية والتقاطع بين ذوي الأرحام . وهذه الأمراض نار تحرق العلائق الإنسانية ولا يداويها إلا حسن الخلق ونور الإيمان .
ومن أين تبدأ نار الغيرة والحسد لتأكل اليابس والأخضر؟ وكيف يمكن بمنطق الإيمان أن نعالج مصادر الشقاق الأسري بعيداً عن الكبر والتعالي وفضح الأسرار؟
الدكتورة سعيدة أبو سوسو، أستاذة علم النفس بجامعة الأزهر، تقرر بواقعية ومن خلال تجاربها الاجتماعية الواسعة أن كل مظاهر التناحر الأسري والشقاق الاجتماعي تبدأ بحالة نفسية ومزاجية بسيطة، ثم تتراكم لتتحول إلى جبل من الحقد والجدل والصداع .
حساسية إيمانية
وواجب المسلم والمسلمة تقول الدكتورة سعيدة أن يكون متواضعاً في ملابسه وزينته ويراعي الحالة الاجتماعية للآخرين وبخاصة ذوي الأرحام وهي حساسية إيمانية تجعل المسلم مطالباً بألا يظهر بعض مظاهر غناه بين الناس حتى عند الزيارة والمعايشة، وأن يتهادى ويطعم الطعام ويفشي السلام بين الناس، وألا يستقل بملبس أو مجلس أو مأكل قدمه المضيف، وفي الحديث: "كفى بالمرء شراً أن يحقر ما قرب إليه"، وفي حديث البخاري ومسلم: "ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً قط إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه" .
وتضيف: في هذا المجال لابد من الإشارة إلى عادة سيئة تقع فيها بعض النساء، وهي عادة لبس الذهب بإسراف عند الزيارة، ويحسن بالمرأة المسلمة ألا تسرف في استخدام الزينة في غير موضعها وأن تراعى حالات الحرمان التي قد يعاني منها الآخرون، وان تتذكر بحساسية المسلم ومنطق الإيمان أن اللباس القصد منه ستر العورة وتيسير حركة الإنسان بين الناس، وأن الذهب وغيره من ألوان الزينة قد يكون مقدمة للترف والفسق وضياع حقوق الله وحقوق العباد، ولهذا نجد الأمر باللباس هذا في القرآن الكريم: "يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون'' وفي الحديث: ''من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة، ثم ألهب فيه ناراً" (رواه ابن ماجة) .
أساس المشكلات
وتحذر الدكتورة سعيدة أبو سوسو مما تعتبره أساس المشكلات السلوكية بين ذوي الأرحام، وهو الإسراف وما يترتب عليه من غيرة وحسد وحقد .
وتضيف: الإسلام اعتبر الإسراف قرين الشرك والمسرفين من إخوان الشياطين، وهذا في السلوك العام فما بالنا لو أدى الإسراف إلى قطع الأرحام التي أمر الله بها أن توصل؟
العلاج الإسلامي هنا علاج شامل، يذكر المؤمن دائماً بأن كل ما ملكت يداه وكل الكون مسخر للخالق، وأنه ليس له من ماله مهما اغتنى إلا ما لبس فأفنى، وأن سعادة الإنسان في الاعتدال والعفاف والتمتع بحلال الله من دون إسراف ولا مخيلة .
وكيف يتباهى الإنسان بما يأكل ويسرف، وقد حذرنا صاحب الدعوة فقال عليه الصلاة والسلام: "أكثر الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة" .
وكيف تتفاخر بعض السيدات بالذهب والفضة وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ويل من الأحمرين: الذهب والمعصفرة" .
ولماذا تتكبرون على ذوي محارمكم، وقد جعل الله الكبر حائلاً دون الإنسان والجنة؟ ففي حديث البخاري رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر"، (رواه البخاري) .
مجاهدة النفس
وفي إجمال يؤكد الدكتور عبدالرحمن العدوي أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر أن الحفاظ على صلة الرحم يحتاج إلى مجاهدة نفسية واسعة, يقاوم بها المؤمن شهوات نفسه وشياطين إنسه وجنه ويواصل حسن الخلق والمعاملة الحسنة وتقديم العفو والصفح مع أهل الدم والنسب .
ويضيف: إن الخلق الإيماني يشد النفس شداً نحو الجانب الطيب في الإنسان ويقاوم ويخفي الجانب الأسوأ في النفس الإنسانية، وينبغي على المؤمن كلما أخذته نوازع الشر نحو الأنانية والخصومة مع الأقارب، ردع نفسه ومقاومة هواه وشيطانه ووساوسه، فالهوى ضلال عن سبيل الله، كما أن أي فقر أو غنى أو حدوث نعمة أو نقمة سببه تغيير النفس الإنسانية، وهذا المعنى واضح في مثل قوله تعالى: "ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمةً أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم" .
والمسلم مطالب بأن يعالج شهوات الآخرين كما في شهوات الطمع والفحش في المعاملة أو الحسد والغيرة وبذاءة اللسان .
ولهذا، نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن كثرة الكلام أو التدخل في أسرار الأقارب وفي الحديث: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، وفي القرآن يقول الحق: "وقولوا للناس حسناً" وحتى في موضع الإساءة فإن المسلم ليس بلعان كما في الحديث، كما أنه ليس بفضاح ينقل الأسرار أو يسخر من ملبس هذا أو مأكل هذا وطريقة كلام هذا، يقول الحق: "يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب" .
وأخلاقيات هذه الآية كفيلة بالقضاء على بعض السلوكيات النفسية التي يقع فيها المرء خاصة النساء اللاتي يعبن على بعض ذوي الأرحام أو يلمزن في ملابس بعض الأطفال أو يتنابزن بالمال والحسب أو المنصب والجاه، ولهذا خصت الآية النساء بالنهي مع أن النهي عن السخرية والتنابز عام لكل الناس .
كظم الغيظ
ومن خلال مئات الفتاوى والشكاوى التي تعرض عليه بشكل دوري، يرى الدكتور عبدالرحمن العدوي أن أهم سلوك يجب على المؤمن والمؤمنة مقاومته هو سلوك الانفعال والغضب، فالغضب هو السبب الأبرز لتقاطع الأرحام، خاصة لو كان هذا الغضب لسبب تافه أو بسبب خطأ الطفل الصغير أو ترجمة لحالة من الشك أو سوء الظن بين بعض الأقارب، ويقول: المؤمن يعلم مبدئياً أن الغضب صفة من صفات الجاهلية الأولى كما يشير القرآن: "إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين"، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم في أكثر من حديث عن الغضب وفي حديث مسلم،" ليس الشديد بالصرعة (القادر على صرعة وغلبة الآخرين) ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب" وفضيلة كظم الغيظ من أعظم فضائل النفس ومن علامات المغفرة ودخول الجنة كما قال رب العالمين: "وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين"، وفي الأمر القرآني: "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" .
أخوة الرحم والدين
ويدعو الدكتور العدوي كل إنسان لأن يراجع علاقاته مع أقاربه وذوي الأرحام، وأن يعرف أن جل هذه التقاطعات الظاهرة سببها وسوسة نفسية مريضة أدخلت الشر تجاه الأقارب بل وملأت بعض القلوب حقدا وكراهية . . واجب المؤمن أن يلوم نفسه وينفض الغبار الذي وقع على قلبه ويبدأ بصلة الرحم ورفع الخلاف والدفع بالتي هي أحسن .
وليبدأ بالابتسامة الصادقة والمصافحة وكثرة السلام والسؤال، وكما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "تبسمك في وجه أخيك صدقة"، وفي حديث الطبراني أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن أحب الأعمال إلى الله تعالى بعد الفرائض إدخال السرور على المسلم" .
كما عليه أن يرفق بأهله، سواء عند حدوث خلاف أو قبل وقوعه، وفي حديث أحمد أن رسول الله قال: "إذا أحب الله أهل بيت أدخل عليهم الرفق" .
وعلى أهل البيت أن يتداووا من مرض الحسد، وذلك بالإيمان بعدل الله في أقداره، ومقاومة هوى النفس بل هوى إبليس وخبثه، ونهى الله عنه وحرمه: "ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض"، وفي حديث البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحاسدوا ولا تقاطعوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم" .
إذاً فأخوة الرحم وأخوة الدين وأخوة الإنسانية مرهونة بعلاج أمراض النفس .