لم يترك القرآن الكريم أمر العلاقة بين الزوجين لهوى الطرفين وأسلوب حياتهما، ولا للعادات والتقاليد السائدة في كل مجتمع، ولا لقوانين ورؤى بشر تصيب أحياناً وتشطح في أغلب الأحيان، لكنه وضع قواعد وأسس العلاقة السوية التي تضمن لكل طرف حقوقه، وحدد أدوات فض النزاع وإنهاء الأزمات بين الطرفين .
من هنا كان اهتمام القرآن الكريم بأسس وقواعد العلاقة العادلة بين الرجال والنساء، حيث نظم طريقة التعامل عندما يحدث الخلاف والشقاق بين الزوجين وحدد للزوج وسائل تربوية وأخلاقية لعلاج نشوز زوجته بعيداً عن العنف والقهر وإهدار الحقوق، فقال عز وجل في (سورة النساء): الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً .
هذه الآية الكريمة نزلت في سعد بن الربيع بعد أن نشزت عليه زوجته حبيبة بنت زيد بن خارجة فلطمها، فقال أبوها يا رسول الله، أفرشته كريمتي فلطمها، فقال صلى الله عليه وسلم لتقتص من زوجها فانصرفت مع أبيها لتقتص منه، فقال عليه الصلاة والسلام: ارجعوا هذا جبريل أتاني فأنزل الله هذه الآية .
ومعنى قوله عز وجل قوامون أي أن الرجال يقومون على شؤون النساء بالحفظ والرعاية والنفقة والتأديب، وغير ذلك مما تقتضيه مصلحتهن .
وقد أوضح الحق سبحانه سبب هذه القوامة في أمرين:
- أولهما: بما فضل الله بعضهم على بعض .
- والثاني: وبما أنفقوا من أموالهم أي أن الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء بسبب ما فضل الله به الرجال على النساء من علم وقدرة، وبسبب ما ألزم به الرجال من إنفاق على النساء ومن تقديم المهور لهن عند الزواج بهن، ومن القيام برعايتهن وصيانتهن .
عقاب متدرج
وأوضح الحق سبحانه وتعالى أن النساء في أحوالهن مع أزواجهن صنفان:
- الأول: صالح يعرف واجباته تجاه أزواجه ويفي بالمطلوب منه على الوجه الأكمل، حيث أشار عز وجل إلى هذا الصنف بقوله: فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله أي فالصالحات من النساء من صفاتهن أنهن قانتات أي مطيعات لله تعالى، ولأزواجهن عن طيب نفس واطمئنان قلب، ومن صفاتهن كذلك أنهن حافظات للغيب بما حفظ الله .
- الثاني: لديه الاستعداد للخلاف والعصيان والتمرد وهؤلاء قال في شأنهن: واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن والمراد بقوله نشوزهن عصيانهن وخروجهن عما توجبه الحياة الزوجية من طاعة الزوجة لزوجها .
والمعنى الذي ترشدنا إليه الآية الكريمة أن النساء الصالحات القانتات الحافظات للغيب بسبب حفظ الله لهن، مطيعات لأزواجهن يعرفن ما عليهن من واجبات . . أما النساء اللاتي تخافون نشوزهن أي عصيانهن لكم، وترفعهن عن مطاوعتكم، وسوء عشرتهن فعظوهن بالقول الذي يؤثر في نفوسهن، ويوجههن نحو الخير والفضيلة، بأن تذكروهن بحسن عاقبة الطاعة للزوج، وسوء عاقبة النشوز والمعصية، وبأن تسوقوا لهن من تعاليم الإسلام وآدابه وتوجيهاته ما من شأنه أن يشفي الصدور ويهدي النفوس إلى الخير .
وقوله سبحانه واهجروهن في المضاجع أي وعليكم إذا لم تنفع الموعظة والنصيحة معهن أن تتركوهن منفردات في أماكن نومهن .
وقوله: واضربوهن أي إذا لم ينفع ما فعلتم من العظة والهجران، فاضربوهن ضربا غير مبرح أي غير شديد ولا مشين فقد جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: واتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح .
وقال المفسرون: إن الضرب غير المبرح هو الذي لا يكسر عظماً، ولا يجرح جسداً، وهو الذي يتجنب فيه الزوج وجه زوجته ذلك أن الوجه مجمع المحاسن، والزوج لا ينبغي أن يلجأ إلى هذا الضرب الرمزي إلا عند فشل العلاجين السابقين( الوعظ والهجر في المضاجع) .
وقد اتفق الفقهاء على أنه من الواجب على الزوج أن يسلك في معالجته لزوجته الناشز تلك الأنواع الثلاثة على الترتيب، حيث يبدأ بالوعظ، ثم ينتقل في حالة فشله في تحقيق هدفه إلى الوسيلة التالية وهي الهجر، ثم ينتهي بالضرب لأن هذا هو الترتيب الذي وضعه الخالق لعلاج النشوز، ولأنه قد رتب هذه العقوبات بتلك الطريقة الحكيمة التي تبدأ بالعقوبة الخفيفة ثم تتدرج إلى العقوبة الشديدة ثم إلى الأكثر شدة .
النصيحة المخلصة
العالم الأزهري، د . أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء ورئيس جامعة الأزهر الأسبق، يؤكد أن القرآن الكريم رسم لكل زوج طريقاً آمناً وحدد له وسائل فعالة ومثالية وعادلة لعلاج نشوز زوجته، وذلك حتى لا تتعرض الزوجة للظلم من جانب الزوج، وتتعرض الأسرة للانهيار .
ويقول: لقد حدد القرآن الكريم وسائل العلاج ورتبها، وهي تبدأ بالوعظ أي بالنصيحة المخلصة، والوعظ تذكير وتخويف من سوء عاقبة العصيان في الدنيا وفي الآخرة، والوعظ يأتي دائماً بنتيجة إيجابية مع كل زوجة لديها وازع ديني ووعي اجتماعي بخطورة غضب زوجها ونفوره منها، فالزوجة التي تعرف دينها وتسعى إلى مرضاة ربها تعرف قدر الإثم الذي تعايشه في حالة عصيانها وعدم طاعتها لزوجها، وخصوصاً لو كان الزوج محباً لها، راغباً في صحبتها ساعياً إلى مرضاتها .
فالزوجة الصالحة هي التي تستجيب للنصيحة المخلصة من زوجها وتعود إلى رشدها، حتى تستحق ما قاله عنها رسول الإنسانية صلوات الله وسلامه عليه: الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله .
كيف يكون الهجر؟
ويوضح د . هاشم أن الهجر في المضاجع ليس وسيلة قهر للزوجة، بل هو وسيلة إصلاح، ولذلك وضع له الفقهاء ضوابط وشروطاً . وقد فسره الفقهاء تفسيرات متعددة، فقال البعض إن المقصود به عدم الاتصال الجنسي ولو التقى الزوجان على فراش واحد .
وقيل: المقصود هجر فراشها ولو كان معها في حجرة نومها .
وقيل: هجر الغرفة بكاملها وهو الأكثر إيلاماً، لأنه يجمع بين تركها من حيث المعاشرة والاستمتاع وعدم منحها فرصة لمجرد الأنس به .
والهجر في المضاجع يهدف إلى تقويم سلوك الزوجة وليس له وقت محدد والعبرة فيه طاقة الزوجة على التحمل حتى تعود وقدرة الزوج على الصبر عليها، أما الهجر في الكلام والسلام فحرام أكثر من ثلاث ليالٍ، لكن بعض العلماء أباح للزوج أن يهجر الحديث مع زوجته ويرفض التعامل معها داخل المنزل إلى ما لا نهاية، حتى تعود لصوابها وتكف عن نشوزها وعصيانها وتبادر بإصلاح ما أفسدته مع زوجها، وعلى الزوج إذا رأى استجابة من زوجته التي هجرها ألا يتمادى في إيلامها، بل يقبل عليها باحثا عن سبب نشوزها وإعراضها .
نصيحة للأزواج
أما إن لم ترتدع بالهجر، بل ركبها الغرور والكبرياء الزائف ولم تبد أي تقارب مع زوجها، انتقل الزوج - كما حدد القرآن - إلى وسيلة إصلاح وتقويم أخيرة وهي الضرب غير المبرح .
وضرب الزوجة، كما يوضح د . محمد نبيل غنايم أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة، إحدى وسائل التأديب وعلاج النشوز والعصيان من جانب الزوجة والتي جاء بها الإسلام، والضرب ليس وسيلة صالحة مع كل النساء، بل هو وسيلة مناسبة للتعامل مع نوعية خاصة من النساء لا يرتدعن إلا بهذا الأسلوب، كما يستخدم الجراح المشرط لرفع خبث من الجسم .
ويقول: واجبنا أن نقدم النصيحة لهذا الزوج بأن يعطي زوجته حقوقها ويراعي الله فيها ولا يهدر حقا من حقوقها، فإذا تمردت وعصت وخرجت على المألوف بعد ذلك كان عليه أن يعالج عصيانها ونشوزها بالوسائل الشرعية، لكن مادام الرجل مستمراً في تجاوزاته وسلوكياته الغريبة مع زوجته فليس له حق إصلاحها .
وإذا قسا الزوج على زوجته الناشز وألحق بها الأذى الجسدي من دون مبرر استحق هذا الزوج القاسي عقوبة تعزيرية يقررها القاضي، لأنه تجاوز حدود المباح وألحق أذى بإنسانة لها كرامتها، فالضرب الذي أباحه الإسلام عندما تقتضيه الضرورة هدفه الإيلام النفسي، والدليل على ذلك اشتراط أن تكون آلة الضرب بسيطة كالسواك - مثلاً - واليد الخفيفة وهكذا، وعلى الزوج هنا أن يتجنب الوجه فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ولا تضرب الوجه ولا تقبح، وكذلك سائر المواضع الخطرة والأماكن الحساسة من الجسد .
وهنا ينبه د . غنايم إلى أمر مهم وهو أنه ليس من حق كل زوج ضرب زوجته إذا ما عصت له أمراً أو رفضت له طلباً أو خرجت من المنزل من دون إذنه أو صدر منها سلوك أغضبه، فالضرب بشروطه وضوابطه الشرعية مرحلة يجب أن تسبقها مرحلتان، ولا يجوز للزوج أن يبادر بضرب زوجته إذا ما فعلت شيئاً يغضبه، ولو فعل الزوج ذلك يكون آثماً، بل الضرب لا يكون إلا في حالة تكرار المعصية وإصرارها عليها، فالزوج الذي يرى في سلوك زوجته ما يغضبه يبدأ بوعظها أولا، وإذا استمرت على سلوكها المنفر وتصرفها الشاذ بعد الوعظ والنصيحة هجرها في الفراش، وإذا استمرت بعد ذلك جاز له ضربها، وهذا الترتيب المنطقي العادل هو الذي قرره الخالق عز وجل في قوله تعالى: واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن .