يدعم الإسلام كل صور الرفق واللين والرحمة في تعامل أتباعه مع بعضهم ومع الآخرين بصرف النظر عن عقائدهم، فلا يجوز - في نظر هذا الدين العظيم - أن يتعامل مسلم بجفاء أو غلظة مع أتباع الأديان والعقائد الأخرى - سماوية كانت أو أرضية - بل المسلم في كل علاقاته ومعاملاته مع الناس يجب أن يكون ودودا، مهذبا، متسامحا، وهذا ليس بغريب على سلوك إنسان تعلم من خلال أخلاقيات دينه وآدابه ثقافة المحبة والمودة بين الناس، فالناس جميعاً، يتلاقون ليتعارفوا ويتعاونوا، ويتفاهموا، وليس ليختلفوا، ويتشاجروا، ويتصارعوا، يقول الحق سبحانه في كتابه الخالد، مخاطبا الناس جميعا وليس المسلمين وحدهم: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير».
كيف أعد الإسلام الإنسان المسلم ليكون أداة تواصل وتعاون وينشر الثقة والاحترام المتبادل بين الناس؟
يقول العالم الأزهري د. أحمد معبد، عضو هيئة كبار العلماء: من يقف على تعاليم الإسلام وآدابه وأخلاقه، يدرك أن ديننا يربي الإنسان منذ نعومة أظفاره على القيم والأخلاق الفاضلة، لكي تستقر حياته، وتتحقق طموحاته، ويؤدي رسالته في الحياة على الوجه الأكمل، ويتعامل مع الآخرين بكل ثقة وحب واحترام، ويسهم بفاعلية في بناء ونهضة المجتمع الذي يعيش فيه.
أصحاب النفوس الطيبة
ويضيف: من الأخلاق الفاضلة، التي أشاعها الإسلام ونشرها بين الناس «إحسان الظن بالآخرين»، وعدم التسرع في اتهامهم من دون أدلة وبراهين، وهذا هو السلوك الراقي لأصحاب الأخلاق العالية والنفوس الطيبة.. أما هؤلاء الذين ينظرون إلى الآخرين بريبة وتوجس ويتسرعون في اتهامهم بما ليس فيهم، فهم بعيدون عن عدالة الإسلام وأخلاقه الرفيعة، وتظل علاقاتهم بكل الناس متوترة يسيطر عليها التوجس. وهنا يظهر بوضوح تحذير القرآن الكريم من سوء الظن، وما يترتب عليه من إفساد العلاقة بين الناس، حيث يقول الحق سبحانه: «يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم».. كما يحذر الرسول، صلى الله عليه وسلم، في حديثه الصحيح من سوء الظن، فيقول: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا».
ونظراً لما يترتب على سوء الظن من مفاسد وتوتر في علاقات الناس عده العلماء «من الكبائر»، ذلك أن من حكم على غيره بما ليس فيه بمجرد الظن حمله الشيطان على احتقاره، وعدم القيام بحقوقه، وإطالة اللسان في عرضه، والتجسس عليه، وكلها رذائل أخلاقية منهي عنها شرعا.
ولذلك فواجب المسلم - كما يؤكد عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر- أن يحسن الظن بخالقه، لأن سوء الظن بالله من الأمور المحرمة، فهو أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، كما أن حسن الظن بالمسلمين أمر واجب، خاصة هؤلاء الذين يكون ظاهرهم العدالة والصلاح.
ثقافة الذوق الرفيع
كما نشر الإسلام ثقافة الذوق الرفيع من خلال ترسيخ آداب التعامل، والتي تتجلى في احترام الصغير للكبير، والتعامل بأدب مع كل المحيطين بنا والمتعاملين معنا، ومراعاة مشاعر الآخرين، وهنا تحمل لنا نصوص القرآن الكريم وتوجيهات رسولنا العظيم العديد من الأوامر والتوجيهات والوصايا الكريمة.
يقول د. حذيفة محمد المسير، الأستاذ بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر: لقد علمنا ديننا كيف نقدر مشاعر الآخرين، ونحترم كرامتهم، ونبتعد عن كل ما يزعزع الثقة فيهم، ولذلك جاء التحذير من الغيبة والنميمة، فواجب المسلم وفقا لأوامر دينه وتوجيهات ووصايا رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، أن يتخلق بأخلاق الإسلام، فلا يغتاب أحدا، ولا يظلم أحدا، ولا يردد قول السوء ضد أحد، وهذا هو أدب الإسلام الذي يعلمه الإسلام لكل أتباعه.
يقول د. حذيفة: التحذير النبوي من الحوار الجانبي بين اثنين في حضور ثالث، فضلا عن التحذير من الغيبة والنميمة بين الناس في حواراتهم الجانبية، وغير ذلك من آداب التعامل اليومي، يؤكد حرص الإسلام على نشر ثقافة «الذوق العام»، والإحساس بالآخرين، ودعم كل ما يؤدي إلى نشر الثقة بينهم.
تربية الضمير
ويضيف: لقد جاءت وصايا وتوجيهات ديننا لتهذب من سلوكنا، وتربينا على حسن الخلق، والتعامل الراقي مع كل خلق الله، لا فرق في ذلك بين مسؤول وإنسان بسيط، ولا بين غني وفقير، فالمسلم مطالب بأن يتعامل مع المحيطين به بأدب حتى يجد منهم القبول والرضا أولا.. ثم التعاون والتعاضد والحرص على المصلحة ثانيا.. ثم بعد ذلك يكون قدوة طيبة لهم في سلوكه وأخلاقه وتعاملاته.
وهكذا يتضح لنا- كما يقول أستاذ أصول الدين بالأزهر- أن تعاليم وآداب ديننا تستهدف تربية الضمير، وتهذيب النفس، وتطهير الروح، ونقاء القلب، وتقوية كل معاني المودة والرحمة بين الناس، وهي بالتأكيد تجد القبول من كل نفس سوية، فالإنسان- كما عرفه علماء الأخلاق- (كائن أخلاقي) فهو الكائن الوحيد من بين الكائنات التي خلقها الله الذي لا يستطيع أن يعيش في هذه الحياة بدون قيم تحكم سلوكه تجاه كل ما في الكون من حيوانات ونباتات وجماد وغير ذلك، وهذا يعني أن الإنسان بفطرته يحركه ضمير حي يدفعه إلى السلوك الحسن، ويفرض عليه أن يلتزم بالسلوك القويم، ويتجنب كل الرذائل في تصرفاته وأقواله.
الترابط الاجتماعي
ومظاهر الترابط الاجتماعي، التي يدعو إليها الإسلام كثيرة ومتنوعة كما يقول د. نبيل السمالوطي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر، ومنها:
**احترام آدمية الإنسان والاعتراف بحقوقه كاملة، والعطاء الإسلامي في هذا المجال واضح كل الوضوح، فلا يوجد دين احترم آدمية الإنسان، وجرم كل عدوان عليه أو إهدار حق من حقوقه كما فعل الإسلام، وهذا من شأنه تقوية العلاقة بين الناس جميعا، فالاحترام الإنساني المتبادل، هو أول أسس العلاقات القوية والتقدير بين الناس.
* احترام خصوصيات الإنسان، وهي كثيرة ومتنوعة، فلا يجوز لإنسان أن يعتدي على حرمات إنسان آخر، فالأعراض مصونة، وحرمة المساكن محفوظة، والخصوصيات الشخصية لا يجوز المساس بها، وعندما يأمن الإنسان على حرماته وخصوصياته فسيتعامل باحترام وتقدير مع الجميع، وهذا ما حرص عليه الإسلام لتقوية الروابط الاجتماعية بين الناس.
* كفالة الأغنياء للفقراء، فالإسلام جعل للفقراء حقوقا في أموال الأغنياء، تمثلها الزكاة، إلى جانب الصدقات التطوعية، التي لا يحدها حد، والمجتمع المتكافل الذي يرعى القادرون فيه أصحاب الحاجات، مجتمع قوي متماسك لا يعرف الحقد الطبقي.
* إرساء قواعد الاحترام المتبادل بين أفراد الأسرة، فالزوج يحترم زوجته، ويؤدي واجباته الزوجية بتفانٍ وإخلاص ورغبة في الإحسان إلى شريكة حياته وأم أولاده، والزوجة تبادل زوجها حبا بحب وإخلاصا بإخلاص، وتتفانى هي الأخرى في إرضائه والسيطرة على عقله وقلبه حتى لا يفكر في غيرها، ولو نظرنا إلى شكل العلاقة بين الزوجين - كما رسمه الإسلام - لوجدنا أنه الشكل المثالي والنموذج الأفضل لكل زوجين، وكما أرسى الإسلام كل صلات المودة والرحمة والتفاهم بين الزوجين رسم أيضاً شكل العلاقة بين الآباء والأبناء، فجعل حب الآباء للأبناء غريزة طاغية في قلوب الآباء والأمهات، كما جعل البر بالوالدين فضيلة تتقدم كل الفضائل، ونظم الإسلام العلاقة المادية بين الآباء والأبناء تنظيما دقيقا من شأنه أن يضاعف من الحب والترابط بين أفراد الأسرة الواحدة.
فإذا ما خرجنا عن نطاق الأسرة الصغيرة، التي تضم الزوج والزوجة والأبناء إلى نطاق الأسرة الكبيرة، التي تضم الأشقاء والشقيقات والأعمام والعمات والأخوال والخالات وغيرهم من الأقارب لوجدنا حرص الإسلام الواضح على صلة الرحم وإقامة العلاقة بين هؤلاء جميعا على أسس قوية تحقق التعاون والتراحم بينهم.
من هنا يؤكد د. السمالوطي، أن ما نعاني منه الآن من خلل وتوتر وعنف ومشكلات في المحيط الأسري والعائلي يرجع إلى تجاهل تعاليم ومبادئ وأخلاقيات الإسلام، وهذا يفرض علينا ضرورة العودة إليها، سواء على نطاق الأسرة الصغيرة، أو المجتمع الإسلامي ككل.
وواجب الجميع نشر ثقافة التسامح والرحمة والرفق واللين بين الناس حتى يتخلص المجتمع من التداعيات الخطيرة للتعصب والقسوة والعنف في العلاقات بين الناس، سواء على المستوى الأسري أو بين الأهل والأقارب أو بين أفراد المجتمع عموما.