إذا مات المرء قامت قيامته، وبقي في برزخه إلى أن يأذن رب العالمين ببعثه من جديد، وتبقى الدنيا من بعده إلى أن يأتي أمر الله بقيام الساعة، ولا أحد من العالمين يعرف بميعادها، حيث استأثر الله عز وجل وحده بعلم وقت وقوعها، إن الله عنده علم الساعة (لقمان: 34)، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل (رواه البخاري ومسلم) .
غير أن الله عز وجل قد أقام علامات تدلنا على قرب الساعة ودنو أجلها، قال تعالى: فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها . (محمد: 18)، والشرط هو: العلامة والأمارة على وجود شيء أو على وصفه . وعلامات الساعة هي علامات كونها قريبة، وهي الحوادث التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تقع بين يدي الساعة، وأولها بعثته لأنه آخر الرسل وشريعته آخر الشرائع ثم ما يكون بعد ذلك، وقد قسم العلماء هذه العلامات إلى علامات صغرى، وعلامات كبرى .
بعثة النبي ووفاته
أولى العلامات الصغرى بعثة النبي، ففي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: بعثت أنا والساعة كهاتين . وقَرَنَ بين السبابة والوسطى (متفق عليه)، وفي هذا إشارة إلى أن قيام الساعة قريب كقرب الإصبع السبابة من الإصبع الوسطى .
ومن علامات الساعة الصغرى كذلك انشقاق القمر في عهده صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَر (القمر: 1)، وعن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشهدوا (متفق عليه) .
ومن علامات الساعة الصغرى: موته صلى الله عليه وسلم، فعن عوف بن مالك رضي الله عنه، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم (جلد)، فقال: اعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً (البخاري) .
30 مدعياً للنبوة
ومن علامات الساعة الصغرى فتح بيت المقدس، ومنها ظهور مدعي النبوة من الدجالين والكذابين، ففي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تقوم الساعة حتى يُبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين؛ كلهم يزعم أنه رسول الله (مسلم)، وقد ظهر جمع من هؤلاء في العصر الأول منهم مسيلمة الكذاب، وسجاح وهي امرأة ادعت النبوة ثم تابت وأسلمت، وطليحة بن خويلد الأسدي وقد أسلم أيضاً، والأسود العنسي الذي ظهر بصنعاء وقتله فيروز الديلمي رضي الله عنه، وظهر كثير غيرهم وظهر بعضهم في العصر الحديث .
وأخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بأن تضييع الأمانة علامة من علامات الساعة، في الحديث الذي يرويه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أسندَ الأمرُ إلى غيِر أهله فانتظر الساعة .
ومنها ظهور النساء كاسيات عاريات، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صنفان من أهل النار لم أرهما . قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا (مسلم) .
ومن علامات الساعة الصغرى انتشار الربا، وظهور الزنا وظهور المعازف واستحلالها: فعن أبي مالك الأشعري قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ليكوننَّ من أمتي أقوامٌ يستحلون الحر - الفروج - والحرير، والخمر، والمعازف (البخاري)، ومنها عودة أرض العرب مروجاً وأنهاراً، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً (مسلم) .
ومنها أيضاً ارتفاع شأن المفسدين في الأرض، واستيلاؤهم على مقاليد الأمور، قال صلى الله عليه وسلم: إنها ستأتي على الناس سنون خدّاعة، يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرُّوَيْبِضَة قيل وما الرُّوَيْبِضَة؟ قال: السفيه يتكلم في أمر العامة (رواه أحمد) .
بحر من المفاسد
وقد جمع بعض العلماء علامات كثيرة بأدلة تدور بين الصحة والضعف ووضعوا منها:ظهور الفحش والتفاحش، قطيعة الرحم، وسوء المجاورة، وأن يؤتمن الخائن، وأن يخون الأمين، وأن يصدق الكاذب، وأن يكذب الصادق،وهلاك الأئمة الكبار،وخدمة نساء المسلمين نساء الكفار،والصبغة بالسواد (الشعر واللحية)، ونزع البركة من الوقت،وأن تكلم السباع الإنس، ونقص المكيال والميزان، ومنع الزكاة، وعدم الحكم بكتاب الله تعالى، وانحسار الفرات عن كنز من ذهب، وانتشار الفتن، وانتشار الغنى، والتنافس على الدنيا، ونزع الأمانة من القلوب، ورفع العلم، وظهور الجهل، وانتشار الزنا، وشرب الخمر، وموت العلماء، واستشارة الجهلاء، ونقض العهود، وكثرة الخيانة، وكثرة الخبث، وظهور القينات والمعازف، وإتباع سنن الأمم الأخرى، والخسف، والمسخ، والقذف، وأن يصير السلام للمعرفة، وفشو التجارة، وكتمان الشهادة، وشهادة الزور، وقطع الأرحام، والتطاول في البنيان، وإمارة السفهاء، والاستخفاف بالقتل، ومن لا فقه له يؤم الناس، وارتكاب الفاحشة على الطريق العام، وزخرفة المساجد، وتحلية المصاحف وزركشتها، وعدم تقسيم الميراث، وأن تكون الأموال في أيدي البخلاء، وأن يتقاتل الناس على المال والدنيا لا على الدين، وتدافع الناس للإمامة فلا يجدون من يصلى بهم، وإماتة الصلاة، وكثرة الطلاق، وبيع الدين بالدنيا، وموت الفجأة، وإطالة المنابر وعلوها، وتعطيل الحدود، وخراب القلوب، وتشبه النساء بالرجال والرجال بالنساء، وشهادة المرء من غير أن يستشهد .
وللساعة علامات كبرى تدل على دنو قيامها نتحدث عنها لاحقاً إن شاء الله .