بدأت ابتكارات علماء الحضارة العربية الإسلامية في الجبر منذ القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، ويأتي في مقدمتهم محمد بن موسى الخوارزمي رئيس بيت الحكمة في عهد الخليفة المأمون، وصاحب أول كتاب نعرفه اليوم مخصص لهذا العلم، وقد يكون من أوائل ما كتب الخوارزمي نفسه، إذ يذكر في مقدمته: وقد شجعني ما فضل الله به الإمام المأمون أمير المؤمنين مع الخلافة التي حاز إرثها، وأكرمه بلباسها، وحلاه بزينتها من الرغبة في الأدب، وتقريب أهله، وإدنائهم، وبسط كنفه لهم. ومعونته إياهم على إيضاح ما كان مستبهما، وتسهيل ما كان مستوعرا، على أن ألفت من حساب الجبر والمقابلة كتابا مختصرا للطيف الحساب وجليله لما يلزم الناس من الحاجة إليه.

ويعتبر علم الجبر بمعناه الصحيح ابتكارا إسلاميا خالصا، سواء من حيث الباعث أو الموضوع أو المصطلح أو المنهج. وقد حدد الخوارزمي هذا كله، فضلا عن أنه حدد مجالات هذا العلم وميادينه وأهدافه، وهو أمر لم يكن حتى عصر الخوارزمي موضوعا لأية دراسة منهجية جادة. فقد أدرك الخوارزمي أن هذا العمل الذي يقوم به جديد لم يكن قائما من قبله، ولهذا كان عليه أن يجد القوانين العامة والطرائق المناسبة التي تفي بالغرض الذي وضعه لهذا العلم، وهو يفعل ذلك لا للمختص فقط، بل للحاسب والتاجر والقاضي والموظف، إذ أنه خصص أكثر من نصف الكتاب للتطبيقات العملية في حياة المسلمين.

على أن الجديد الذي قدمه الخوارزمي في منهج الفكر الرياضي هو أنه جعل الجبر بمثابة الوسيط المتحرك بين العلم المجرد والعلم العملي، كما جعله مكونا للعلاقات بدلا من الكائنات، وللرموز بدلا من الأشياء، وفي هذه الحركة تكتمل حدود المعادلة، وتتلاشى الحدود المتشابهة، وهذا هو معنى الجبر والمقابلة.

أما الأثر التعليمي والأمثلة التطبيقية في باب الوصايا، فقد كانت كلها مقصودة قصدا في كتاب الخوارزمي عندما تحدث عنها قائلا: ثم اتبعت ذلك من المسائل بما يقرب من الفهم، وتخف به المؤونة، وتسهل فيه الدلالة إن شاء الله تعالى...

وقد أثر كتاب الجبر والمقابلة للخوارزمي في الأجيال التالية لقرون عديدة، واعتمدته أوروبا مرجعا أساسيا في جامعاتها حتى القرن السادس عشر الميلادي، بعد أن ترجمه إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر الميلادي كل من أديلار الباثي، وجبرار الكريموني، وروبرت الشستري، ولكتاب الجبر والمقابلة شروح عديدة قام بها الكثير من علماء الحضارة الإسلامية الذين اهتموا بتطوير هذا العلم والتأليف فيه والإضافة إليه، مثل أبي الوفاء البوزجاني، وأبي بكر الكرجي، وبهاء الدين العاملي، وعمر الخيام، وغيرهم، واعتمد عليها كثير من علماء أوروبا أمثال ليونارد البيزاوي، وتارتاجيلا، وكاردان، وغيرهم في تطوير موضوعات الجبر العالي وتقدم علم الجبر الحديث.

من ناحية أخرى، يزعم بعض مؤرخي الرياضيات أن الفرنسي فرانسيسكوفيتا هو مبتكر الرموز الجبرية وأن العلم الرياضي لم يعرف قبله هذه الرموز ولا كيفية استخدامها. لكن وثائق التراث الإسلامي تشهد بما لا يدع مجالا للشك على أن بداية الرمزية في الجبر عربية إسلامية خالصة أيضا، وليست أوروبية كما يزعم البعض. والصحيح أنها ظهرت على أيدي علماء الرياضيات المغاربة في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) وقد استطاع العالم الأندلسي أبو الحسن علي بن محمد القلصادي (ت 891ه/1486م) أن يضع مجموعة متطورة من الرموز الجبرية العربية.

وهكذا مهد علماء الحضارة الإسلامية للانتقال من لغة الكلمات إلى لغة الرموز في التعبير عن المعادلات والقواعد الجبرية، الأمر الذي ساعد بعد ذلك كثيرا على تبسيط إجراء العمليات الحسابية والجبرية، وبناء الأنساق الرياضية المجردة.

ويكفي دليلا على الأرومة العربية لعلم الجبر والمقابلة أن كلمة الجبر الدالة على هذا العلم ظلت وسوف تظل، محتفظة بأصلها العربي في جميع اللغات الحديثة، وأن المصطلحات التي بدأها الخوارزمي ظلت شائعة لمئات السنين بعده، ووجدت طريقها إلى أوروبا أيضا.

[email protected]