شوقي بزيع
لا تبدو الثقافة والفنون على أنواعها في صدارة اهتمامات الإعلام العربي، وبخاصة المرئي منه حيث معظم الفضائيات العربية منشغلة في استدراج عروض مدرة للربح المادي، بصرف النظر عن مستوى البرامج التي تقدمها . لم تعد ثمة فسحة للمعرفة أو لتنمية الذائقة الأدبية والفنية وسط غثاء البرامج السقيمة التي تتوزع بين اللعب على الغرائز والفكاهة السمجة والخالية من الذكاء . هكذا يفرض علينا بطريقة شبه قسرية أن نتحمل ما لا يحتمل من وجوه السطحية والابتذال والغناء الهابط والمسلسلات التي لا نهاية لحلقاتها الممطوطة حتى الإملال، لأسباب تجارية ليس أكثر . ولولا عدد قليل من البرامج الثقافية التي لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، مثل "روافد" لأحمد علي الزين، و"مشارف" لياسين عدنان، و"بيت القصيد" لزاهي وهبي، لكان التصحر الثقافي قد التهم الشاشات كلها، وصولاً إلى ما عداها من وجوه حياتنا العربية .
على أن التصحر الذي عنيته لا يتصل بالصحراء كحاضنة جغرافية وتاريخية للحضارة والاجتماع العربيين، بل بربع الحياة الخالي من كل كائن حي أو بارقة أمل أو ضوء في آخر النفق . لذلك فهو أكثر من رائع البرنامج الذي يعده ويقدمه عيد بن حمد اليحيى على شاشة "العربية" تحت عنوان "على خطى العرب"، وبخاصة في هذه الأزمنة القاتمة التي تكاد تنقطع صلتها مع كنوز الماضي وينابيعه الأم . أكثر من برنامج ثقافي هذا الذي اجترحه اليحيى من قصاصات الفراديس الضائعة، وهذيان الأقمار في الكثبان، وحنين الكلمات إلى أصولها والقوافي إلى معادنها . إذ لطالما دغدغت فكرة احتذاء حظر الأقدمين مخيلاتنا ونحن نرجع القهقرى نحو أطياف الأماكن التي أخلاها للشعراء لرياح الحسرة وأصداء الزمان الشاغر . تلك الأماكن التي أودعها الأسلاف حر الظهيرات اللاهبة، وأعقاب الصرخات الهائمة في برية الفقد، أوالتمسوا بين أطلالها ما تبقى من لحظات العشق والجوى . وحسناً فعل حمد اليحيى بتحويل تلك النوستالجيا الجمعية المزمنة إلى واقع مرئي نترقبه مرة كل أسبوع ليحملنا إلى هناك، حيث تلمع القصائد كالحصى في بحيرة الطفولة النائمة .
على أنه ليس من المستغرب أن يتجشم هذا الرجل بالذات عناء اقتفاء الدروب التي سلكها الشعراء الأقدمون في ملحمة صراعهم مع العطش والجفاف، وصدود الحبيبات، وحرد شياطين الشعر، وهو المتخصص في أركولوجيا الوطن ومعنى الهوية، وتحولات اللغة والتاريخ . ولكن المعرفة وحدها لم تكن لتكفي لو لم يتوجها الشغف والإرادة الصلبة والافتتان المحموم بالتراث وروح الشعر . وإذا كان قد سبق لي أن كتبت عن الفضول الذي يدفعنا بقوة للتعرف إلى أماكن الشعراء، وبخاصة الكبار منهم، وإلى زيارة مدنهم وقراهم ومراتع طفولاتهم للعثور على المفاتيح الخفية للعبقريات التي تودعها اللغة أسوارها، فإن ما فعله مقدم "على خطى العرب" يضع هذه الفكرة موضع التنفيذ، ويصلنا بتلك الأماكن، ويمكننا من رؤيتها رؤية العين دون أن نتجشم عناء السفر ومكابداته . ويقتضي التنويه في هذا السياق بأن الفجوة التي تفصلنا عن ماضي الشعراء البعيد أكثر من كافية لرفع المكان الغائب إلى سدة الأسطورة، ورتق المسافة الفاصلة بين الشعر المجرد وصورته في مرايا المكان المحسوس .
لقد خيل لي وأنا أشاهد الحلقات التي سمحت لي الظروف بمشاهدتها من البرنامج بأن الربوع التي سكنها الشعراء، قبل الإسلام وبعده بقليل، قد باتت نزيلة الأحلام وحدها، وأن الجيولوجيا الصحراوية المتبدلة قد جعلتها أثراً بعد عين . وربما، إضافة إلى ذلك، تكون أسماء الأماكن نفسها قد تغيرت عبر القرون . لكن اليحيى مستعيناً بالبحوث والدراسات ووجهات النظر العديدة، راح يكشف لنا مرة جديدة ليس فقط عن الأماكن ومضارب الخيام بل عن رحلات الشعراء وهجراتهم على طرقات التشرد والتيه والحبيبات الآفلات والممالك الضائعة . وقد منحنا البرنامج فرصاً نادرة للتأكد من كون "الدخول" و"حومل" ليسا تضاريس عابرة ذرتها رياح الماضي، ولا أماكن متوهمة وماثلة في الأساطير وحدها، بل هما شاهدان أبديان على أكثر معلقات العرب شهرة وذيوع صيت . كذلك كان الأمر مع الأماكن التي وقفت فيها الخنساء لترثي أخويها القتيلين . وبدا اليحيى متمكناً من أدواته التعبيرية، باستثناء بعض الأخطاء التي وقع فيها خلال أدائه للعديد من الأبيات الشعرية، وهي تتعلق بالعروض على نحو خاص .
وربما كانت الحلقات المتعلقة بامرئ القيس، وهو يبحث عن مجد أبيه الضائع على طرق الروم، من أكثر الحلقات تميزاً وتأثيراً . وكذلك حلقة قيس بن الملوح التي تقمص فيها مقدم البرنامج روح المجنون ونبرة صوته المؤثرة وهو يردد "وأجهشت للتوباد حين رأيته/وكبر للرحمن حين رآني/وأذرفت دمع العين لما عرفته/ونادى بأعلى صوته فدعاني/وإني لأبكي اليوم من حذري غداً/فراقك، والحيان ملتقيان" .
يبقى القول أخيراً إن فكرة برنامج "على خطى العرب"، بما تحمله من جرأة وابتكار والتفاتة إلى كنوز الماضي، ينبغي أن تحمل وزارتي الثقافة والسياحة في المملكة العربية السعودية على إخراج أماكن الشعراء الأقدمين من المجهول وتحويلها إلى متاحف ومزارات ومعالم حضارية يقصدها السياح وعشاق الأدب والشعر من كل حدب وصوب . وإذا كان "سوق عكاظ" الشهير قد انبعث إلى الحياة من جديد، وتم تسليط الضوء على موقعه الجغرافي الذي يحتضن منذ سنوات مهرجاناً للشعر والفن، فإن أماكن كثيرة في الخليج والعالم تنتظر لإخراجها من العتمة مبادرات مماثلة، وبخاصة في هذه الأزمنة المظلمة التي يطغى فيها مشهد الفظاعات والمجازر الجماعية على ما سواه .
لا تبدو الثقافة والفنون على أنواعها في صدارة اهتمامات الإعلام العربي، وبخاصة المرئي منه حيث معظم الفضائيات العربية منشغلة في استدراج عروض مدرة للربح المادي، بصرف النظر عن مستوى البرامج التي تقدمها . لم تعد ثمة فسحة للمعرفة أو لتنمية الذائقة الأدبية والفنية وسط غثاء البرامج السقيمة التي تتوزع بين اللعب على الغرائز والفكاهة السمجة والخالية من الذكاء . هكذا يفرض علينا بطريقة شبه قسرية أن نتحمل ما لا يحتمل من وجوه السطحية والابتذال والغناء الهابط والمسلسلات التي لا نهاية لحلقاتها الممطوطة حتى الإملال، لأسباب تجارية ليس أكثر . ولولا عدد قليل من البرامج الثقافية التي لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، مثل "روافد" لأحمد علي الزين، و"مشارف" لياسين عدنان، و"بيت القصيد" لزاهي وهبي، لكان التصحر الثقافي قد التهم الشاشات كلها، وصولاً إلى ما عداها من وجوه حياتنا العربية .
على أن التصحر الذي عنيته لا يتصل بالصحراء كحاضنة جغرافية وتاريخية للحضارة والاجتماع العربيين، بل بربع الحياة الخالي من كل كائن حي أو بارقة أمل أو ضوء في آخر النفق . لذلك فهو أكثر من رائع البرنامج الذي يعده ويقدمه عيد بن حمد اليحيى على شاشة "العربية" تحت عنوان "على خطى العرب"، وبخاصة في هذه الأزمنة القاتمة التي تكاد تنقطع صلتها مع كنوز الماضي وينابيعه الأم . أكثر من برنامج ثقافي هذا الذي اجترحه اليحيى من قصاصات الفراديس الضائعة، وهذيان الأقمار في الكثبان، وحنين الكلمات إلى أصولها والقوافي إلى معادنها . إذ لطالما دغدغت فكرة احتذاء حظر الأقدمين مخيلاتنا ونحن نرجع القهقرى نحو أطياف الأماكن التي أخلاها للشعراء لرياح الحسرة وأصداء الزمان الشاغر . تلك الأماكن التي أودعها الأسلاف حر الظهيرات اللاهبة، وأعقاب الصرخات الهائمة في برية الفقد، أوالتمسوا بين أطلالها ما تبقى من لحظات العشق والجوى . وحسناً فعل حمد اليحيى بتحويل تلك النوستالجيا الجمعية المزمنة إلى واقع مرئي نترقبه مرة كل أسبوع ليحملنا إلى هناك، حيث تلمع القصائد كالحصى في بحيرة الطفولة النائمة .
على أنه ليس من المستغرب أن يتجشم هذا الرجل بالذات عناء اقتفاء الدروب التي سلكها الشعراء الأقدمون في ملحمة صراعهم مع العطش والجفاف، وصدود الحبيبات، وحرد شياطين الشعر، وهو المتخصص في أركولوجيا الوطن ومعنى الهوية، وتحولات اللغة والتاريخ . ولكن المعرفة وحدها لم تكن لتكفي لو لم يتوجها الشغف والإرادة الصلبة والافتتان المحموم بالتراث وروح الشعر . وإذا كان قد سبق لي أن كتبت عن الفضول الذي يدفعنا بقوة للتعرف إلى أماكن الشعراء، وبخاصة الكبار منهم، وإلى زيارة مدنهم وقراهم ومراتع طفولاتهم للعثور على المفاتيح الخفية للعبقريات التي تودعها اللغة أسوارها، فإن ما فعله مقدم "على خطى العرب" يضع هذه الفكرة موضع التنفيذ، ويصلنا بتلك الأماكن، ويمكننا من رؤيتها رؤية العين دون أن نتجشم عناء السفر ومكابداته . ويقتضي التنويه في هذا السياق بأن الفجوة التي تفصلنا عن ماضي الشعراء البعيد أكثر من كافية لرفع المكان الغائب إلى سدة الأسطورة، ورتق المسافة الفاصلة بين الشعر المجرد وصورته في مرايا المكان المحسوس .
لقد خيل لي وأنا أشاهد الحلقات التي سمحت لي الظروف بمشاهدتها من البرنامج بأن الربوع التي سكنها الشعراء، قبل الإسلام وبعده بقليل، قد باتت نزيلة الأحلام وحدها، وأن الجيولوجيا الصحراوية المتبدلة قد جعلتها أثراً بعد عين . وربما، إضافة إلى ذلك، تكون أسماء الأماكن نفسها قد تغيرت عبر القرون . لكن اليحيى مستعيناً بالبحوث والدراسات ووجهات النظر العديدة، راح يكشف لنا مرة جديدة ليس فقط عن الأماكن ومضارب الخيام بل عن رحلات الشعراء وهجراتهم على طرقات التشرد والتيه والحبيبات الآفلات والممالك الضائعة . وقد منحنا البرنامج فرصاً نادرة للتأكد من كون "الدخول" و"حومل" ليسا تضاريس عابرة ذرتها رياح الماضي، ولا أماكن متوهمة وماثلة في الأساطير وحدها، بل هما شاهدان أبديان على أكثر معلقات العرب شهرة وذيوع صيت . كذلك كان الأمر مع الأماكن التي وقفت فيها الخنساء لترثي أخويها القتيلين . وبدا اليحيى متمكناً من أدواته التعبيرية، باستثناء بعض الأخطاء التي وقع فيها خلال أدائه للعديد من الأبيات الشعرية، وهي تتعلق بالعروض على نحو خاص .
وربما كانت الحلقات المتعلقة بامرئ القيس، وهو يبحث عن مجد أبيه الضائع على طرق الروم، من أكثر الحلقات تميزاً وتأثيراً . وكذلك حلقة قيس بن الملوح التي تقمص فيها مقدم البرنامج روح المجنون ونبرة صوته المؤثرة وهو يردد "وأجهشت للتوباد حين رأيته/وكبر للرحمن حين رآني/وأذرفت دمع العين لما عرفته/ونادى بأعلى صوته فدعاني/وإني لأبكي اليوم من حذري غداً/فراقك، والحيان ملتقيان" .
يبقى القول أخيراً إن فكرة برنامج "على خطى العرب"، بما تحمله من جرأة وابتكار والتفاتة إلى كنوز الماضي، ينبغي أن تحمل وزارتي الثقافة والسياحة في المملكة العربية السعودية على إخراج أماكن الشعراء الأقدمين من المجهول وتحويلها إلى متاحف ومزارات ومعالم حضارية يقصدها السياح وعشاق الأدب والشعر من كل حدب وصوب . وإذا كان "سوق عكاظ" الشهير قد انبعث إلى الحياة من جديد، وتم تسليط الضوء على موقعه الجغرافي الذي يحتضن منذ سنوات مهرجاناً للشعر والفن، فإن أماكن كثيرة في الخليج والعالم تنتظر لإخراجها من العتمة مبادرات مماثلة، وبخاصة في هذه الأزمنة المظلمة التي يطغى فيها مشهد الفظاعات والمجازر الجماعية على ما سواه .