كان في يوم بدر أول المبارزين، وفي يوم أحد من الثابتين، وفي يوم خيبر من الفاتحين، حامل اللواء لجيش المسلمين، ومن أهل الجنة المبشرين، ورابع الخلفاء الراشدين ووالد الحسن والحسين.

قال النبي صلى الله عليه وسلم، عندما آخى بين صحابته، مخاطباً علي بن أبي طالب: أنت أخي في الدنيا والآخرة.

لم يتعلم أحد من خاتم المرسلين كما تعلم علي بن أبي طالب، ولم يتأدب أحد على يديه كما تأدب. عاش معه في البيت نفسه منذ طفولته وسمعه ورآه، وارتوى من فيض علمه وحلمه، وصدقه وأمانته، وعدله وحكمته، وزهده وعبادته.

قال الناس: كرم الله وجه الإمام لأنه شب على نور الإسلام، وهدى خير الأنام، لم يسجد لصنم ولكن سجد للحي الذي لا ينام.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب عليا ويحب فاطمة، ويحب أبناءهما، قال عليه الصلاة والسلام عن الحسن والحسين: هذان ابناي، وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما فأحبهما، وأحب من يحبهما.

روى الإمام علي بن أبي طالب 586 حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وصاحب فضل في تأسيس علم الكلام، وهو العلم الذي يبحث في القضاء والقدر، كان الإمام يؤمن بالقضاء والقدر، وأيضا بالاختيار والثواب والعقاب.

عطف الآباء

لما أصاب القحط قريشا تألم محمد بن عبدالله لحال عمه أبي طالب، فقد كان قليل المال كثير العيال، رقيق الحال، توجه إلى عميه العباس وحمزة وطلب منهما أن يقدما يد العون والمساعدة لأخيهما.

تركوا له عقيلا، وأخذ العباس طالبا، وحمزة جعفرا، ومحمد عليا.

أعطى الصادق الأمين لابن عمه الصغير عطف الآباء وحنانهم ورعايتهم، وفوق ذلك الأسوة الحسنة والصحبة الطيبة. قال الإمام علي بن أبي طالب وضعني النبي صلى الله عليه وسلم في حجره وأنا وليد، وكان يضمني إلى صدره. وكان النبي يجاور في غار حراء فأراه، ولا يراه غيري، وكنت أرى نور الوحي وأشم ريح النبوة.

في أول البعثة كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حان وقت الصلاة خرج إلى شعاب مكة يصليها لوقتها، وكان علي يخرج ليصلي معه.

قال مسروق بن الأجدع بن مالك أحد كبار التابعين ينتهي علم الصحابة لستة، ومن ستة إلى اثنين علي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود وهو أحسن أهل الإسلام علما وفقها وعبادة وعملا. كانت فتاواه مرجعا للمسلمين في عهود أبي بكر وعمر وعثمان.

دينار واحد

قال عنه عبدالله بن مسعود رضي الله عنه علي بن أبي طالب أعلم أهل المدينة بالفرائض.

سألته امرأة عن نصيبها في تركة أخيها (600 دينار) بعد أن أعطوها دينارا واحدا.

سألها الإمام:

هل لأخيك من زوجة.

قالت: نعم.

وابنتان وأم؟

قالت: نعم.

ومات منكم أخ وأخت؟

عن 12 أخا وعني.

معك نصيبك كاملا.

حمل اللواء في معظم الغزوات، وظهرت بطولته وشجاعته فيها جميعا، فكان أول المبارزين في يوم بدر، ومن الصامدين الثابتين يوم أحد، ومن الفاتحين يوم خيبر، تحدث الرواة عن قوته البدنية وإرادته الحديدية، لم يصارع فارسا إلا صرعه، أو ينازل أحدا إلا غلبه، تنخلع لصيحته قلوب الشجعان ويفر من مواجهته أقوى الفرسان.

قبل غزوة خيبر قال النبي صلى الله عليه وسلم: لأدفعن الراية إلى رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله ويفتح الله على يديه، فلما أصبح الصباح، جاء الصحابة وكل منهم يتمنى أن ينال هذا الشرف العظيم.

سأل النبي:

أين علي؟

قالوا:

يشكو ألماً في عينه.

فلما أتى دعا له النبي بالشفاء وأعطاه اللواء، وفتح الله عليه بالنصر المبين.

ستة شهور

أنقذ علم الإمام امرأة من إقامة الحد عليها، بعد أن وضعت حملها بعد 6 شهور من زواجها، وقال إن هذه المرأة بريئة بشهادة القرآن الكريم، الذي حدد فترة الحمل والرضاع بثلاثين شهرا، والرضاع بعامين كاملين (24 شهرا) فيكون الحد الأدنى للحمل 6 شهور.

خلف الرسول عليا في غزوة تبوك في أهل بيته، وكلفه برعايتهم في غيابه، قال بعض المغرضين: كره النبي صحبته، وبلغه ذلك فأخبر النبي وقال:

أتتركني مع النساء والأطفال ويذهب غيري للجهاد والقتال.

فقال له النبي:

يا بن أبي طالب، أما ترضى أن تنزل من منزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.

قال الإمام علي بن أبي طالب: سلوني في كتاب الله، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أنزلت بليل أو نهار، في سهل أو جبل.

درع الإمام

وجد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب درعه عند رجل نصراني، فصحبه إلى القاضي شريح ليحكم بينهما.

قال أمير المؤمنين:

هي درعي.

وقال النصراني:

ما هي إلا درعي، ولم يكذب أمير المؤمنين.

سأل القاضي أمير المؤمنين:

هل لك من بينة؟

فابتسم الإمام وقال:

لا.

فحكم القاضي للنصراني بالدرع.

فأخذها ومضى بها خطوات ثم عاد وقال:

ما هي إلا أحكام الأنبياء وأعلن إسلامه، وسلم الدرع لأمير المؤمنين فأهداها إليه ومعها فرسه.

شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بحسن القضاء. قال الإمام: بعثني النبي قاضيا وأنا حديث السن، فقلت له: يا رسول الله بعثتني إلى قوم يكون بينهم أحداث، ولا علم لي بالقضاء. فقال: إن الله سيهدي لسانك ويثبت قلبك. قال علي: فما شككت في قضاء بين اثنين.

ليلة الهجرة

تزوج علي من فاطمة الزهراء وعمره 25 عاما وعمرها 18 عاما، وتوفيت وهي دون الثلاثين، بعد أن أنجبت الحسن والحسين ومحسن وأم كلثوم وزينب.

كان مهرها درعاً أهداها لها النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر، اشتراها عثمان بن عفان بمبلغ 470 درهما. تمت الخطبة في رجب، وتم الزواج في شهر رمضان بعد العودة من غزوة بدر. وذبح عمه حمزة بعيرين بالمناسبة السعيدة.

سأل عمر بن الخطاب صحابيا: كيف أصبحت اليوم؟ فقال: أصبحت أكره الحق، وأحب الفتنة وأصلي بغير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء.

تركه عمر غاضبا، والتقى بعلي وأخبره بما جرى فقال له لقد صدق. سأله عمر تفسيرا فقال:

يكره الموت وهو حق، ويحب المال والولد، وكلاهما فتنة. ويصلي على النبي بغير وضوء، وله في الأرض زوجة وولد. فقال عمر: لا بارك الله في قوم ليس فيهم أبو الحسن. وعلي بن أبي طالب هو أول فدائي في الإسلام، نام في صباه المبكر في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة، وكان في انتظاره 40 سيفا في أيدي صناديد قريش.

كلفه النبي وهو في هذه السن الصغيرة بتلك المهمة الكبيرة، وأيضا برد الأمانات إلى أهلها، والودائع إلى أصحابها.

قال عنه الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب.

رفض أمير المؤمنين أن يعيش في القصر الأبيض الذي بني له في الكوفة وعاش في بيت بسيط مثل الفقراء الذين كان يحبهم، ويعطيهم طعامه الذي لا يملك غيره.

الله الملك

علي بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن عبد مناف (23ق. ه 40ه) (600 661م).

يكنى بأمير المؤمنين، وأبي الحسن، وإمام المتقين.

رابع الخلفاء الراشدين (35 40ه) (556 561م) بعد أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان. ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم. ولد في مكة قبل البعثة بعشر سنين، أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، أسلمت وهاجرت وتوفيت بالمدينة، ودعا لها النبي صلى الله عليه وسلم.

اختارت لابنها اسم (حيدرة) أي الأسد، لكن والده اختار له اسم علي. عاش 63 سنة.

أحد فرسان الإسلام وفتيانه الشجعان، وأمير أهل اللغة والبلاغة والبيان. الثاني في قائمة المسلمين بعد خديجة رضي الله عنها، وأصغر أبناء أبي طالب.

كان يتخذ خاتما منقوشا عليه (الله الملك) تم جمع خطبه في كتاب بعنوان نهج البلاغة.

له ديوان شعر تغلب عليه الحكمة.

فكم لله من لطف خفي

يدق خفاه عن فهم الذكي

وكم أمر تُساء به صباحا

وتأتيك المسرة بالعشي

خاض عدة معارك أثناء خلافته منها الجمل 36ه، وصفين 37ه، التي انتهت بالتحكيم. قتله رجل من الخوارج وهو يصلي الفجر، اسمه عبدالرحمن بن ملجم المرادي في 17 رمضان 40ه.

الأدب والذهب

ومن الكتب التي تناولت سيرة الإمام:

عبقرية الإمام عباس محمود العقاد، علي وبنوه د. طه حسين، علي إمام الأئمة أحمد حسن الباقوري، علي إمام المتقين عبدالرحمن الشرقاوي، الإمام علي بن أبي طالب عبدالفتاح عبدالمقصود، ترجمة علي بن أبي طالب أحمد زكي صفوت، علي بن أبي طالب حنا نمر وفؤاد البستاني (سلسلة الروائع)، علي بن أبي طالب محمد سليم الجندي، علي بن أبي طالب محمد نجيب الله الشنقيطي.

من أقواله كرم الله وجهه: أدب المرء خير من ذهبه، الفقيه من لا يُقنط الناس من رحمة الله، علامة الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك.

قال لولديه الحسن والحسين: أوصيكما بتقوى الله، وألا تبقيا على الدنيا وإن أبقتكما، ولا تبكيا على شيء ذوى عنكما، وقولا الحق، وارحما اليتيم، وأغيثا الملهوف، واصنعا للآخرة وكونا للظالم خصما، وللمظلوم ناصرا، واعملا بما في كتاب الله ولا تأخذكما في الله لومة لائم.

ويقول مخاطبا الدنيا: يا دنيا غري غيري، ولقد باينتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعمرك قصير وخطرك كبير، وعيشك حقير، آه من قلة الزاد، وبعد السفر ووحشة الطريق.

ويحدد الإمام علي بن أبي طالب المنهج الصحيح للمسلم في دنياه وآخرته بقوله:

الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.