نشأ علي بن رشيد في بيئة بدوية، وفقد والدته في الثانية من عمره، لذا كان والده أباً وأماً له . تلقى التعليم في الكبر، واعتمد على نفسه وبدأ يشق حياته عبر عمله في الجيش ثم أصبح عميداً فيه، ثم عمل في المجلس الاستشاري أربع سنوات، وحالياً يعمل رئيساً لمجلس بلدي البطائح في الشارقة . يتميز ابن رشيد بذاكرة قوية تربطه بطفولته في أدق التفاصيل، وبتواضع يجعله صديقاً للجميع ولايزال يعيش معه أبناؤه المتزوجون في بيت واحد، ويأكلون ويشربون معاً، ويعاملهم كأصدقاء ويصطحبهم معه في أسفاره، وطموحه أن يحافظ الجيل الجديد على العادات والتقاليد التي ورثها وأبناء جيله عن آبائهم وأجدادهم . محطات حياة ابن رشيد في هذا الحوار معه . .
ما الأجواء التي عشت فيها في بداية حياتك؟
- عشت حياة صعبة، حيث رحلت والدتي عندما كنت في الثانية من عمري، وكان المغفور له بإذن الله والدي أباً وأماً لي، وكنا نعيش في منطقة البحوث التي تبعد عن الشارقة نحو 50 كيلومتراً، وكانت تنعم بالأمطار الوفيرة ونعتمد على مياه الآبار ''الطوى'' ثم انتقلنا إلى المرّة وفي الستينات كان لدينا في الحي سيارة واحدة، وكنا نطلب من صاحبها أن يشتري ما نحتاجه كلما سافر إلى المدينة . وبعد أن كبرت عملت في رعي الجمال والتجارة، حيث كنت أسافر للمدينة لأجلب بعض المؤن . واستقررنا الآن في منطقة الراشدية الرائجة تسميتها بن رشيد منذ 32 سنة تقريباً .
ما الذي سيبقى في مخيلتك من الماضي؟
- من ذكرياتي في منطقة البحوث، أنني كنت أخاف صوت الرعد، وفي إحدى المرات وعندما كنت مبتعداً عن مكان سكننا هبت ريح قوية اقتلعت خيمتنا من مكانها ورافقها مطر وسمعت دوي البرق بالقرب مني ومن خوفي ركضت إلى جدتي التي كانت تبحث عني وحملتني وغطتني . وأتذكر أن والدي كان يضعني أمامه على ظهر الجمال، وفي إحدى المرات اصطحبني في زيارة للمغفور له بإذن الله الشيخ محمد بن سالم القاسمي، وكنت ألعب في فناء الدار، وعندما خرج أغلق الباب فركضت كي أتبعهم، ولكنني لم أتمكن من ذلك فانبطحت أرضاً وحاولت الخروج عبر الفتحة الترابية تحت الباب، ولكنني علقت، وعندما سمعوا صراخي عاد والدي لينتشلني لكنني خفت وهربت منه ولاحقني ثم أخذني إلى البيت حيث أطعموني هناك .
متى بدأت رحلة الاعتماد على النفس؟
- من إحدى المحطات التي عشتها عندما كنت في العاشرة من عمري أنني قررت السفر إلى المدينة مع بعضهم لكنهم اعتذروا بحجة أنني سأقوم بتأخيرهم لعدم قدرتي على تحمل مسؤوليات السفر، لذلك سافرت وحدي من دون أن أخبر والدي، وكان معي أربعة جمال محملة بالبضاعة لبيعها في المدينة، وفي الطريق كنت أبحث عن أحد يساعدني على تنزيل وتحميل الحمولة أثناء الاستراحات، ولحسن الحظ التقيت ببعض الناس وساعدوني، وعندما وصلت ليلاً إلى جوار منطقة مطار دبي حالياً التقيت بشخص يبحث عن أحد ما يقضي معه بعض الوقت فرحبت به، وتوقفنا في منطقة مدينة الغرير حالياً واسترحنا بها، وبعد أن تناولنا وجبة العشاء ذهبنا إلى ديرة دبي، ثم بعت حمولتي وتسوقت وعدت إلى والدي وأخبرته أنني سافرت فغضب، لكنني تذرعت بأن الناس كانوا يقللون من شأني فأثبتت لهم أنني قادر على السفر والتجارة .
هل هذا يعني أنك لم تتلق الدراسة في تلك المرحلة؟
- سابقاً لم يتوفر الكثير من المدارس، ولم يكن الناس يهتمون بالدراسة، لذا كان الأطفال والشباب يتعلمون مهن آبائهم، وبالنسبة لي التحقت بالدراسة المسائية للكبار أثناء عملي في الجيش وتقدمت فيها إلى أن وصلت للمرحلة الإعدادية، التي كانت في ذلك الوقت بمثابة الجامعة، ثم التحقت بدورات في الجيش في سوريا والأردن والسودان، وتعلمت من خلالها المزيد عبر احتكاكي بالمتعلمين، وكنت أحب قراءة الجرائد والمطالعة .
ما أهم المحطات في مسيرة العمل؟
- عملت في الجيش 32 سنة، وبعد أن تقاعدت توقفت عن العمل سنة ونصف تقريباً، أصبحت عضواً في المجلس الاستشاري في الشارقة أربع سنوات، ثم أصبحت رئيساً للمجلس البلدي في البطائح .
ماذا استفدت على الصعيد الشخصي من عملك في الجيش؟
- بدأت من رتبة جندي ووصلت إلى عميد، والجيش عودنا على النظام والانضباط، وبحكم عملي تنقلت بين كل الإمارات رغم أن الطرق كانت وعرة، لذلك أستطيع تصور خريطة الدولة في مخيلتي بحكم طبيعتي البدوية في الاستدلال إلى الاتجاهات حتى في الليل .
ما أصعب موقف تعرضت له؟
- في أحد الأعياد تعرضت لحادث سير بينما كنت أقلّ معي عائلتي، حيث انحرفت السيارة بنا وانقلبت ثلاث مرات، ثم تفاجأت أن أحد أولادي الصغار غير موجود في السيارة، وبعد أن بحثت عنه وجدته يستنجد بنا وراء إحدى الأشجار .
ما الأجواء التي ترتاح فيها؟
- رغم أنني أصبحت جداً ومحاطاً بالأبناء والأحفاد ونعيش كلنا في بيت واحد، لكنني بطبيعتي أحب البر والزراعة، ولدي مزرعة أرتادها ومواش وأغنام أتفقدها، وعندما أذهب لمزرعتي أنسى كل شيء، وأحس بسعادة وأقوم بتوجيه الإرشادات للعمال فيها، وأعتبرها مسؤوليتي، وأحب السفر واستطلاع الأماكن . وعندما أسافر أحب زيارة الأماكن القديمة، مثل الحصون والقلاع والآثار القديمة والمناطق السياحية البرية . وأحب الأعمال الخيرية ومساعدة المحتاجين والعمل التطوعي، وأن يكون لي أثر في خدمة الناس، لأنني عندما أفعل شيئاً للناس أحس براحة نفسية .
أيهما أقرب إليك، شخصيتك كعميد في الجيش أم رئيس مجلس بلدي البطائح حالياً؟
- كان همي ولايزال أن أكون الأفضل في أي مكان أحل به، ومررت بمراحل كلها مسؤوليات، ففي حياة البداوة كنت مسؤولاً عن عائلة أبي، وشعرت أنه واجبي، وفي الجيش وصلت لمرحلة أصبحت فيها مسؤولاً عن نحو 3000 أو 4000 عسكري، وكنت أتفقد حتى أحوالهم الشخصية، وفي المجلس البلدي كلما أنجز عملاً أشعر أنني لم أقدم شيئاً لرغبتي في تقديم المزيد والأفضل .
كيف تصف خلاصة تجربتك في العمل؟
- عملت أكثر من 50 سنة، وما دمت أحب العمل كي أشعر أنني أقدم شيئاً، لأنه من المفروض أن نقدم كل ما لدينا ليستمر تقدم دولتنا، وأحس أنه لي دور في حماية هذا الوطن منذ أن كنت في الجيش . والمجلس البلدي حقق ما ينفع الكل، خاصة توفير الوظائف للنساء، كي يعملن بالقرب من مكان سكنهن، وأعتبر المجلس بيتي، وطموحي كرئيس له أن تصبح البطائح مدينة ويتوافر فيها كل مقومات الحياة وتصبح رافداً من الروافد التي تعتمد عليها الإمارة، وإن حصل ذلك سوف أشعر أنني قدمت شيئاً ونفعت أهلي وحكومتي ووطني .
ماذا تعني الصداقة لك؟
- لدي صداقات كثيرة بحكم عملي في الجيش والمجلس الاستشاري والمجلس البلدي، وأعتبر كل الناس أصدقائي .
ما شكل علاقتك بأبنائك وأحفادك؟
- لدي بنتان متزوجتان تسكنان بالقرب من بيتنا، وأربعة أبناء متزوجون ولكل منهم فيلا مستقلة به ضمن البيت الكبير، وأعتبر نفسي مسؤولاً عنهم، ونتناول الأكل معاً، وتربطنا ببعضنا محبة ووئام، ولا أمنع أن يستقل أحدهم . وعندما أسافر أصطحب معي واحداً منهم أو اثنين وأصاحبهم ونتناقش كإخوة، وليس كأب وابن، وأنا راض عنهم وأعتقد أنهم راضون عني .
ما الذي تحاول أن تزرعه في نفوس أبنائك؟
- أن يحبوا بعضهم بعضاً، وأن يكونوا متراحمين، ويحترموا الأكبر منهم ويقدروا الأصغر منهم مهما كانت رتبهم ووظائفهم وأن يتواضعوا، وأحب فيهم النخوة والصدق، ولا أحب الشخص الذي يكذب حتى لو كان ابني، لأنه يجب أن يقول الحقيقة ولو كان الثمن قطع عنقه، وأن يكون أميناً على الكلمة وأمانات الناس .
ما طموحك الذي لم تحققه بعد؟
- لم أطمح أن أكون رئيساً للمجلس بلدي البطائح، ولكن الظروف شاءت أن تكون المهمة من نصيبي، ورغم ذلك فإن كل من يريد أن يعمل يجب أن يكون على قدر المسؤولية، وأنا الآن في سن متقدمة ووصلت للعتبة الأخيرة، وأتمنى أن يحقق أبناء منطقتي أفضل مما حققته، والبركة في الشباب لأنه دورهم الآن، ونحن سوف نساعدهم ونعاونهم، كي يحافظ الناس على عاداتهم وتقاليدهم ولا ينقطع الحبل الذي بدأنا منه . وأحب أن أرى أبنائي متقدمين وناجحين وكل مجتمع الإمارات، وأن يكون الكل حتى العامل الذي يعمل في المزرعة راضياً عني .